عناصر المارينز الأميركيون الذين قتلوا 24 مدنياً عراقيا في بلدة الحديثة، فيما وصفه مسؤول أميركي بـ «انهيار كامل في القيادة والمبادئ الأخلاقية»، ألحقوا العار بزيهم العسكري وعلمهم وبلدهم. لقد لطخوا سمعة مئات الألوف من جنود الائتلاف الذين تصرفوا على نحو مشرف بينما كانوا يخدمون في العراق. وشوهوا ذكرى جنود الائتلاف الذين سقطوا في ساحات القتال.
وأسوأ من ذلك كله أنهم، بسلوكهم الذي جعل تحقيق السلم أمرا أكثر صعوبة، قد زادوا فعلياً من خطر أن يكون أولئك الذين ضحوا بحياتهم قد فعلوا ذلك هباءً. وإذا ثبت ضلوع أي ضابط أو ضابط صف في هذه الجريمة البشعة، فيجب أن يدفعوا حياتهم ثمن جريمتهم.
يعتبر مشاة البحرية الأميركية بحكم وضعيتهم قوة نخبوية، وهذا ما يضايق الجنود الآخرين أحياناً. لكنهم بارعون (تقريباً بقدر براعة الجندي الاسكتلندي العادي، وليس بوسع أحد مدحهم بأفضل من هذا التشبيه).
ويفخر المارينز بانضباطهم، ومرونتهم وشجاعتهم. ويثبت أداؤهم المشرف في ساحة المعركة أن هذا ليس تبجحاً فارغاً. لكن الآن لحق بهم الخزي والعار في ساحة المعركة. والآن سيشعر كل من يخدم أو خدم في مشاة البحرية وكل عائلة لديها ابن أو زوج أو أب قتل وهو يقاتل في صفوف البحرية، سيشعرون بالعار والأسى والغضب. ومن الممكن تقديم بعض التفسيرات لما حدث، بالطبع بدون تبريره بشكل من الأشكال. وقد يكون هذا الأمر مفيدا إذا أشار إلى الطريق إلى الإجراءات التصحيحية.
يتدرب الجنود على المعارك عالية الكثافة. وفي ساحة المعركة، تكون قواعد الاشتباك بسيطة، كما أوجزها كولونيل اسكتلندي في أحد كتب جون بوتشان. «ترون أولئك الجنود أعلى تلك التلة؟ إذا لم تقتلوهم فسيقتلوكم».
وعلى مدار الحروب وبغض النظر عن قواعد الاشتباك، فإن الجنود الذين يستسلمون بعد مقارعة عدوهم في قتال غاية في الشراسة، لم يجدوا من السهل أن يقبل العدو اعتبارهم اسرى. كثيراً ماتكون مواثيق جنيف مبهمة في الغمام الأحمر في أعقاب المعركة النارية مباشرة.
وبطريقة مشابهة، فإن المدنيين الذين يشنون هجمات غادرة على الجنود غير مؤهلين للاستفادة من القواعد نفسها التي تنطبق على المقاتلين الشرعيين.
والمشكلة أن هذه القواعد والتقاليد ليس لها استخدام عند التعامل مع مقاتلين غير نظاميين فيما يعرف بحرب العصابات. وحتى لو كانت ساحة المعركة التقليدية أكثر خطورة فإن التعامل معها يبقى أسهل من حرب الشوارع.
فمن الأسهل التعامل مع العدو عندما تستطيع تحديد موقعه واستعراض قوتك النارية مقارنة بالتعامل مع عدو غير مرئي يهاجمك بعبوات متفجرة مزروعة على جانب الطريق ولا يتيح لك حتى إشباع رغبتك العارمة بالرد على مصدرالنيران. والتوتر النفسي الناشئ عن هذه الظروف قد يفسر ماحدث، لكنه بالطبع لا يبرره.
ويجادل الكثير من الضباط رفيعي المستوى أنه ليس هناك شيء اسمه جندي سيئ. بل هناك جندي سيئ التدريب أو يقاد بطريقة سيئة فقط. وعلى سلاح مشاة البحرية الآن إعادة بناء سمعته. ولن يستطيع القيام بذلك سوى عن طريق التمحيص في أساليب التدريب وجودة تأهيل الضباط وضباط الصف.
وفي هذا السياق يشترك المارينز في بعض المشكلات مع بقية فروع القوات المسلحة الأميركية. لذلك فمن السهل السخرية من الجنود الأميركيين على سبيل المداعبة. وقبل الحرب، دخلت بارجة حربية أميركية إلى ميناء هونغ كونغ.
وأرسل الأدميرال الأميركي إلى نظيره البريطاني إشارة يقول فيها صباح الخير ، كيف حال ثاني أكبر أسطول في العالم؟» فجاء الرد من الأدميرال البريطاني» نحن بخير، كيف حال ثاني أفضل أسطول بالعالم؟».
وفي الواقع أنه بوسع الأميركيين تعلم أمرين مهمين من الجيش البريطاني. الأول هو المبادرة. فنحن نتوقع الكثير من ضباطنا الصغار وحتى ضباط الصف، ويتم اعطاؤهم مسؤوليات ومطالبتهم بممارستها.
وبالمقارنة بذلك فإن النظام الأميركي أكثر صرامة وهرمية بكثير. والمفارقة أن هذا قد يجعل من الصعب التحكم بالجنود. فالنظام القائم على أخذ زمام المبادرة يكون اكثر مرونة والجنود المعتادون على تحمل المسؤولية يكونون أميل للتصرف بطريقة مسؤولة.
والجانب الثاني هو التدريب. فالجيش البريطاني بسبب الثلاثين سنة التي امضاها في أيرلندا الشمالية أصبح معتاداً على العمل في مناخات عسكرية- سياسية حساسة، تكون فيها المعركة لكسب القلوب والعقول على قدر أهمية المعركة للقضاء على المسلحين. وبعض جنودنا الذين خدموا إلى جانب الأميركيين في العراق وأفغانستان فوجئوا بعدم رغبتهم بالنزول من عرباتهم المصفحة أو نزع دروعهم الشخصية ولقد صدموا أحياناً بالطريقة الفظة التي يعامل بها الجنود الأميركيون السكان المحليين.
هناك مصطلح عسكري أساسي في دراسة الحروب عالية الكثافة، وهو( المفاضلة الزائفة بين الكائنات) ويعني أنك عندما تنظر إلى عدوك في الطرف الآخر من الجبهة على أنه ينتمي إلى صنف بشري فرعي أقل منك يصبح من الأسهل عليك أن تقتله. وفي ساحة المعركة ربما يكون لهذا المبدأ بعض الاستخدامات. لكنه كارثي في العراق.
بقلم: بروس أندرسون
ترجمة: علي محمد
عن «إندبندنت»
