تشكل أيقونة صغيرة وسجادة مزينة برسم يمثل مجموعة من القادة القوقازيين أول المشاهد التي تقع عليها عينا الداخل إلى مكتب الرئيس الأوكراني فيكتور يوشينكو، حيث تبدو جميع القطع، سواء كانت كتبا قديمة أو تماثيل ذات مغزى ثقافي وأحيانا تبدو وكأنها مشبعة بمناخ فولكلوري.
يوشينكو يحتسي شرابا خفيفا من أحد تلك الأكواب الفخارية، التي تباع كذكرى للثورة التي شارك في قيادتها وكان أحد أبطالها. في الانتخابات البرلمانية التي جرت في مايو الماضي، وقف حزبه «أوكرانيا وطننا»، خلف حصار يوليا تيموشنكو والخصم المشترك لكليهما فيكتور يانوكوفيتش، الذي أحرزت قائمته «مناطق» 14,32 من مقاعد البرلمان.
صحيفة «الباييس» حظيت بفرصة لقاء الرئيس الأوكراني في مكتبه في كييف وأجرت معه الحوار التالي:
* طلبتم من بلدان حلف الناتو أن تقر خطة عمل كي تتمكن أوكرانيا من أن تكون عضوا في الحزب في عام 2008. هل تؤثر نتائج الانتخابات البرلمانية أو سياسة الطاقة الروسية على وتيرة عملية الاندماج؟
- إذا كنا نتحدث عن التأثير الروسي في الناتو، فأنا أفضل أن تظهر روسيا مزيدا من الانفتاح كي تكون عملية اندماجنا غير مؤلمة وكي لا تلحق الضرر بعلاقاتنا الثنائية. وأنا أتفهم أن هناك موضوعات، تتعلق بمواقع القوات والتسلح، يمكن أن تزيد أو تقلص من حجم التوتر بيننا.
إن إستراتيجيته أمننا القومي تتطلع إلى الاندماج في الحلف الأطلسي ولقد تم إقرارها في البرلمان، وهكذا فإن القرار السياسي متخذ، لكن بموازاة ذلك هناك آليات أخرى بوسعها تسريع أو كبح جماح هذه العمليات. والمبادرة التي تلمحون لها تعكس الأجندة التي تصبو إليها أوكرانيا.
* مع ذلك، فإن حزب «المناطق» ليس مناصرا للانضمام إلى الناتو..
- النتيجة الانتخابية لا تحمل تغييرات جوهرية في اتجاه السياسة الخارجية. صحيح أنه من الممكن أن تكون هناك تدرجات في الطيف السياسي،لكن أحدا لا يستطيع اليوم مراجعة اتجاه أو وجهة البرلمان القائم.
وإذا بدأنا نقاشا حول الدفاع والأمن،فإني أعتقد أن القوى التي تلتحق بالبرلمان سرعان ما ستتفهم كم هي معقدة ودقيقة السياسة الأوكرانية في هذه الميادين وضرورة ضمها إلى الأطر والمفاهيم الأوروبية، فيما يتعلق بسياسة الطاقة الروسية، فإن ثمة تيارات معينة هناك قادرة على التأثير في اقتصادنا وجزئيا في سياستنا، لكن ليس في القرارات الأساسية.
* كيف تقومون سياسة الطاقة الأوروبية تجاه روسيا وأوكرانيا؟
- أوروبا استخلصت استنتاجات الأحداث التي جرت بيننا في بداية العام. وهذه الاستنتاجات تجبر أعضاء الاتحاد الأوروبي على إعادة النظر في مفهومها الخاص بالسوق. وأوكرانيا ستكون شريكا دائما في الاتحاد الأوروبي .
وذلك على أساس أنها تمثل بلدا لعبور الطاقة من روسيا ومن أراض أخرى. نريد أن تكون شبكاتنا الخاصة بنقل الطاقة متوافقة أكثر مع مفاهيم سوق الطاقة الأوروبي ولذلك كثفنا مشاوراتنا مع الاتحاد الأوروبي. فكل البلدان التي تختبر احتكار الموارد تتطلع إلى التنويع.
من جانب آخر، أعتقد أن عرض خدمات الطاقة على أوروبا سيتعزز في حال توصلت كل من روسيا وأوكرانيا إلى تنظيم علاقاتهما التجارية في ميدان الطاقة. ونحن نعد العدة للعب دور جديد في مجال عمليات نقل الغاز من آسيا الوسطى إلى السوق الأوروبية، من خلال بحر قزوين والقوقاز عن طريق أوكرانيا.
* أنتم ونظيركم الروسي، فلاديمير بوتين، حاولتما إعادة دمج الطاقة النووية في كلا البلدين.لكن ألا يعتبر هذا إحلالا لتبعية محل أخرى؟
- لنتكلم عن أمر آخر، عن أنه يتعين على أوكرانيا أن تتناول بطريقة أخرى إمكانيات مجمعها النووي الخاص بها، ذلك أنها لم تعد تمتلك حقول يورانيوم فريدة، وهي تستطيع التعاون في معالجة الوقود النووي.
لكن المسألة لا تتعلق بتثبيت شكل جديد من أشكال التبعية، بل بتوظيف المحروقات التي تنوع السوق. ولقد قدمنا مقترحات للفرنسيين لإطالة حياة علاقاتنا ولقد تحرينا كذلك حول إمكانية التزود بالوقود النووي في الولايات المتحدة. ونحن نقوم بتجارب ناجحة لاستخدام وقود التقنيات الغربية في منشآتنا. كما تستطيع أوكرانيا، في الميادين التي تستجيب لمصالحها، أن تتعاون بشكل عقلاني مع روسيا.
* بعد مرور 20 عاما، ما هي الذكريات التي تحملها عن مفاعل تشرنوبل؟
- في الأول من يناير 1986، كنت أتنزه مع ابنتي في روابي كييف، وكنا نصنع باقات من الورود من دون معرفة أن الجو كان ملوثا بالإشعاعات منذ أربعة أيام.
وفي وسط المدينة، ووقفنا نتفرج على سباق للدراجات الهوائية. وفي ذلك الحين كنت أعيش وحيدا في كييف بينما كانت أسرتي تعيش في شرق أوكرانيا. وفي 27 أبريل، أي بعد يوم واحد على الحادث النووي، وبينما كنت ذاهبا لاصطحابها كي تأتي لقضاء الأعياد معي، رأيت آلاف الحافلات والشاحنات وهي تدور حول نفسها مشكلة موكبا يجوب الشارع.
في تلك الفترة كنت مسؤول دائرة البنك الجمهوري في أوكرانيا وحينها منعوا عائلات المسؤولين من مغادرة العاصمة للحيلولة دون انتشار الهلع بين الناس ولم يكن لدي مسكن خاص بي وكنت أشغل غرفة في طابق مساحته 120 مترا مربعا في المنطقة الشمالية من كييف، حيث كانت تقطن ثلاث عائلات. وكان ذلك محزنا وكان المكان مليئا بالغبار من دون أن يدرك أحد حقيقة الأمر.
في الصباح وبينما كنت ذاهبا لأخذ الحافلة إلى العمل، قال لي الجيران: «احذر يا فيكتور لأن هذا الغبار المشع هو الأخطر من نوعه وربما تصاب بالمرض». لكن كان لا بد من الذهاب إلى بريبيات (الواقعة في منطقة تشرنوبل) .
حيث كان لبنكي فرع هناك وذلك لجلب الأموال. أنا أردت الذهاب، لكن كمسؤول عن القروض لم أكن الشخص المتخصص المناسب، لأنه كان يتعين إرسال محاسب إلى منطقة النشاط الإشعاعي وذلك على رأس مجموعة كبيرة لسحب الأموال وإتلافها. الآن وقد مر الوقت، تبدو تلك القصة حزينة وأكثر جانب محزن فيها هو كيف تجاهلوا مصالح المواطنين السائرين على أقدامهم.
* ما هو الاستنتاج الرئيسي الذي يمكن استخلاصه اليوم من ذلك الحادث النووي؟
- يجب ألا يتم التفكير بالحادث على قاعدة أنه جزء من ماض ولن يعود، بل على قاعدة أنه يشكل جزءا من الواقع الأوكراني الحالي. وبالتالي يجب أن يصار إلى فتحه أمام كل من يرغب برؤيته.
* على خلاف روسيا، تبدو أوكرانيا ملاذا للملاحقين من الأنظمة الدكتاتورية التي أتت بعد الحقبة السوفييتية، لكنكم طردتم مع ذلك أكثر من عشرة أوزبكيين متهمين من قبل نظام طشقند.؟
- قرار محاكم الإبعاد قام على أن أولئك الأشخاص لم يكونوا يتمتعون بوضعية اللاجئين ولا المقيمين، لكن لم يتم أي شيء على أساس اتفاق مع نظام سياسي محدد. المؤسف في الأمر هو أن الرأي العام العالمي وأصدقاءنا الغربيين ينظرون إلى العمل القضائي بطريقة مغايرة.
ونحن لا نضع على بساط البحث المبدأ الديمقراطي المتعلق بوجود اللاجئين في أوكرانيا، لكن حدث أن أولئك الأشخاص كانوا موضوع قرار قضائي لم يحتجوا عليه ولقد تجمعت عدة حوادث عرضية انتهت بهذه الصورة التراجيدية.
* مهما كان لون الحكومة المقبلة، يبدو أنه مقدر لكم أن تعيشوا ممتطين حصانا يجري بين جماعة اللون البرتقالي المعارضة، ممثلة بمنافسكم السابق فيكتور يانوكوفيتش.
- كما قال ديغول، فإن المعارضة ليست مريحة لكنها كذلك في فرنسا أيضا. بالطبع سيكون هناك ائتلاف برتقالي،لكن سيكون ائتلافا حساسا، لأنه لدينا 243 برلمانيا (لتشكيل أغلبية في مجلس مكون من 450 عضوا) .
حيث يكفي أي خلل كي يتفكك البرلمان من جديد، و كي لا يحدث هذا يجب وضع برنامج يبين كيف نتقدم باتجاه الناتو وكيف نخصص الأرض وكيف نعيد تخصيص الشركات ومن علينا معالجة وثيقة تبين ما هو موقفنا من السوق الاقتصادية مع روسيا وحول شراء الغاز ولا بد من تعداد المخاطرة وإعطاء إجابات على كل منها.
ترجمة: باسل أبو حمدة