يجد القارئ نفسه هنا على موعد مع عمليتين من عمليات الموساد يفصلهما مدى زمني بعيد، وبالتالي فإنهما تتيحان إلقاء نظرة على تطور الأساليب التي يعمل بها والإمكانات الموضوعة تحت تصرفه، العملية الأولى هي اختطاف أدولف ايخمان في الأرجنتين والثانية هي تجنيد جوناثان بولارد والحصول من خلاله على ألوف الوثائق الأميركية ذات الأهمية البالغة التي تكشف أدق أسرار المنطقة وأكثرها حساسية.
تعلّم سكان ضاحية أفيكا في شمال تل أبيب رؤية رافائيل إيتان بنظارتيه السميكتين والأصم تماما بأذنه اليمنى وهو يحمل تحت ذراعيه أنابيب قديمة أو سلاسل دراجات صدئة أو أشياء معدنية أخرى عتيقة. وما إن يصل إلى بيته حتى يلبس بزة العمل الزرقاء ويضع على وجهه قناع السبّاكين قبل لحم المعادن أو فكّ لحامها.
كان جيرانه يتساءلون عمّا إذا لم يكن يريد بذلك الهروب من ماضيه، لاسيما وأنهم كانوا يعرفون أنه قد قام بالقتل عدة مرّات، ليس في أرض المعارك وإنما في عمليات سرّية. ولم يكن أحد من أولئك الجيران يعرف عدد الذين قتلهم أحيانا رفسا بحذائه. يقول هو نفسه: «في كل مرّة كان علي أن أقتل أحدهم، كنت أحسّ بحاجة الى النظر إليه وجها لوجه، في بياض عينيه، ثم أشعر بالارتياح والتركيز. ولا أعود أفكر إلا بما ينبغي علي عمله، وكنت أفعله، هذا كل شيء».
كان رافي إيتان خلال ربع قرن نائب مدير عمليات الموساد. لم يكن من النوع الذي يجلس وراء مكتبه كي يقرأ التقارير بينما يقوم الآخرون بالعمليات في أرض الميدان. لذلك لم يكن يترك أية مناسبة للمشاركة في أية عملية وذلك تحت شعار: «عندما لا يشارك المرء في الحل، فهذا يعني أنه يشارك في المشكلة». وكان من أهم العمليات التي قام بها وجلبت له شهرة كبيرة عملية اختطاف أدولف إيخمان، أحد كبار مسؤولي النظام النازي الألماني.
عملية إيخمان
في عام 1957 وصلت إلى الموساد معلومة تفيد أنه تم رصد أدولف إيخمان في الأرجنتين، وتمّ تكليف رافائيل إيتان بخطف النازي السابق وجلبه إلى إسرائيل. لقد زيّنوا له العملية وأفهموه أنها سوف تضع جهاز الموساد في طليعة الأجهزة السرية العالمية، إذ ربما ليس هناك أي جهاز آخر يمكن أن يفكر بمثل هذه العملية. كانت المخاطر هائلة، فإيتان سيقوم بالعملية على بعد آلاف الكيلومترات وبهوية مستعارة ومن دون أي دعم وبوسط معادي إلى حد ما فالأرجنتين كانت ملاذ النازيين، وبالتالي يمكن للفشل أن يؤدي إلى السجن، وربما إلى المقبرة.
انتظر إيتان مدة عامين كاملين قبل أن تتأكد المعلومة الأولية التي تثبت حقيقة أن الرجل الذي كان يعيش في إحدى الضواحي البورجوازية لمدينة بيونس أيريس تحت اسم ريكاردو كليمانت هو بالفعل أدولف إيخمان. تجمّد الدم في عروق رافائيل إيتان عندما أعطوه الضوء الأخضر للشروع بالعملية. فالعواقب المترتبة على العملية قد تكون شديدة الخطورة.
استأجرت شركة «العال» الإسرائيلية للطيران، طائرة إنجليزية من أجل القيام بالرحلة الطويلة إلى بيونس أيريس. يقول إيتان: «أرسلنا أحدهم إلى بريطانيا، لقد دفع المبلغ المطلوب وحصلنا على الطائرة. كانت الرحلة تنقل رسمياً وفداً إسرائيلياً للمشاركة في الاحتفال بالذكرى المئة والخمسين لاستقلال الأرجنتين. ولم يكن أي من أعضاء الوفد يعرف سبب وجودنا معهم، وكانوا يجهلون أيضا أننا كنا قد جهّزنا زنزانة في مؤخرة الطائرة من أجل وضع إيخمان فيها عند العودة».
وصل إيتان ورجاله إلى العاصمة الأرجنتينية في أول مايو 1960، ونزلوا في إحدى الشقق السبع التي جرى استئجارها من أجلهم، وبحيث يتم استخدام إحداها كسجن مؤقت لإيخمان قبل ترحيله. استؤجرت 12 سيارة من أجل العملية. راقب إيتان وفريقه إيخمان طيلة ثلاثة أيام وعرفوا أنه ينزل في محطة محددة من حافلة النقل العام عند زاوية شارع غاريبالدي.
وفي مساء العاشر من شهر مايو 1960 قرر إيتان الانتقال إلى التنفيذ يرافقه سائق ورجلان مكلفان بالسيطرة على إيخمان عندما يصبح داخل السيارة. كان أحد الرجلين قد تلقى تدريبا خاصا للسيطرة على الأشخاص في الشارع. وكان يُفترض أن يبقى إيتان داخل السيارة بجانب السائق و«تقديم المساعدة إذا دعت الحاجة».
تحدد موعد تنفيذ العملية في اليوم التالي. ويوم الحادي عشر من مايو وصلت سيارة الموساد إلى شارع غاريبالدي. لم يكن أحد ينبس ببنت شفة، إذ لم يكن هناك ما يقال. كانت حافلات للنقل تقف وتكمل سيرها وعند الساعة الثامنة وخمس دقائق رصدوا إيخمان في إحدى الحافلات. يقول إيتان: «بدا إيخمان متعباً (...). كان الشارع مقفراً.
وسمعت عميلنا الأخصائي بالخطف يفتح باب السيارة قليلا خلفي. وعندما وصلنا إلى محاذاة إيخمان كان يمشي بخطوات سريعة كأنه في عجلة للعودة إلى منزله وتناول طعام العشاء (...). كان مقررا أن تستمر العملية اثنتي عشرة ثانية، ينطلق أثناءها رجلنا من المقعد الخلفي ويمسك إيخمان من رقبته ثم يدفعه إلى داخل السيارة».
وقفت السيارة بمحاذاة إيخمان. استدار ونظر مندهشاً للعميل الذي انطلق من المقعد الخلفي للسيارة. لكن هذا العميل مشى فجأة على رباط حذائه المفكوك وكاد يقع على رأسه. وكاد إيخمان أن ينجو بسبب رباط حذاء مفكوك. أسرع إيخمان الخطى؛ فانطلق إيتان من السيارة. يقول: «لقد أمسكته من رقبته بقوة رأيت عينيه تجحظان بسببها. ولو أنني شددت قبضتي قليلا فلربما كنت قتلته. كان مساعدي قد وقف وفتح لي باب السيارة فدفعت إيخمان على المقعد الخلفي، وتبعه عميلنا. استمرت العملية كلها خمس ثوان».
أُدين إيخمان بتهمة ارتكاب جرائم ضد الإنسانية. وقبيل إعدامه في 31 مايو 1962 كان رافائيل إيتان في زنزانة تنفيذ الحكم بسجن الرملة. يقول: «نظر لي إيخمان وقال لي: سيأتي دورك أيها اليهودي!، فأجبته: ليس اليوم، ليس اليوم». وكان قد تمّ بناء فرن خاص من أجل حرق جثته؛ وألقي رماده في البحر. لقد حرص بن غوريون على أن لا يبقى أي أثر منه كي يحول دون قيام الذين يحنّون للنازية بتكريمه. نظر رافائيل إيتان يومها طويلاً إلى أمواج البحر وهو في غاية الارتياح.
مهام مختلفة
تابع رافي إيتان عمليات الاغتيال في أوروبا بواسطة القنابل التي يجري تفجيرها عن بعد، أو بواسطة مسدس «بيريتا»، السلاح المفضل بالنسبة لجهاز الموساد. وكان إيتان يقوم بعمليات القتل من دون أن يهتز له جفن. وكان في كل سفرة إلى الخارج ينتحل هوية مزورة مختلفة من بين المخزون الهائل لدى الموساد من جوازات سفر وهويات مزورة أو مسروقة. وأظهر إيتان براعة كبيرة في تجنيد المتطوعين «سيانيم» لمساعدة الموساد من بين اليهود في الخارج.
وكان يستجلبهم، كما شرح قائلا: «كنت أشرح لهم أن شعبنا قد أمضى ألفي عام وهو يحلم. وأننا صلينا نحن اليهود خلال تلك المدة كلها كي يأتي يوم الخلاص. واحتفظنا بذلك الحلم في أغانينا وكتاباتنا وقلوبنا، واليوم أصبح حقيقة. ثم كنت أضيف: كي تستمر هذه الحقيقة نحن بحاجة لأناس من أمثالكم». وفي المحصلة وجد إيتان نفسه على رأس أكثر من مائة شخص بينهم المحامي والطبيب والتاجر وربة المنزل وكلهم مستعدون لتنفيذ أوامره في مختلف أنحاء أوروبا.
حرص رافائيل إيتان على أن يبقى بعيدا عن الخصومات السياسية التي ظلّت متأججة بين الأجهزة السرية الإسرائيلية. وهكذا كان جهاز الاستخبارات الداخلية «شين بيت» وجهاز الاستخبارات العسكرية «أمان» يريدان التخلص من وصاية الموساد. لكن ما كان لموقع الموساد أن يهتز في ظل إدارة مائير أميت الذي استطاع إفشال جميع محاولات هز أسبقيته.
لكن عندما ترك أميت منصبه سعى العديد من الضباط إقناع إيتان بترشيح نفسه وأكّدوا له أنهم وراءه. لكن قبل أن يتحرك جرى تعيين زافي زامير مديراً جديداً للموساد. فاستقال إيتان وفتح مكتبا للاستشارات الأمنية.بعد عام فقط أعرب إيتان عن استعداده للعودة إلى صفوف أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية، ذلك أنه في عام 1974 عيّن إسحق رابين المدعو إسحق هوفي على رأس الموساد وربط الجهاز الأمني بأرييل شارون مستشاره للشؤون الأمنية.
اختار شارون رافي إيتان كمساعد له. بعد ثلاث سنوات أصبح مناحيم بيغن رئيسا لوزراء إسرائيل فاختار إيتان كمستشار أمني شخصي عنده. المهمة الأولى التي حددها إيتان، في هذا الموقع الجديد، هي اغتيال أعضاء منظمة إيلول الأسود الفلسطينية. وبعد عمليات اغتيال في روما وباريس ونيقوسيا لمن اعتبرهم الموساد بين منفذي عملية ميونيخ عام 1972 التي قُتل فيها أحد عشر رياضيا إسرائيليا، حدد رافي إيتان هدفه الجديد: علي حسن سلامة الذي استطاع أن ينجو في الدقيقة الأخيرة من محاولات لاغتياله أثناء تنقله بين العديد من العواصم وقبل أن يستقر في العاصمة اللبنانية بيروت.
ذهب رافائيل إيتان إلى بيروت بصفة رجل أعمال يوناني حيث استطاع التعرف على عنوان إقامة علي حسن سلامة. عاد بعدها إلى تل أبيب وأرسل ثلاثة من عملائه إلى العاصمة اللبنانية استأجر أحدهم سيارة وقاموا بحشوها بالمتفجرات وأوقفوها في الطريق الذي يسلكه هدفهم كل يوم وهو في طريقه إلى مكتبه. وفي لحظة مروره جرى تفجيرها وقتله.
وتقديرا من مناحيم بيجن لمواهب رافائيل إيتان عيّنه مديرا لمكتب العلاقات العلمية «لاكام» الذي تأسس عام 1960 في إطار وزارة الدفاع مع مهمة محددة هي «جمع المعلومات بكل السبل الممكنة». أثار هذا المكتب عداء جهاز الموساد في البداية إذ رأى فيه منافسا وحاول مائير أميت وقبله إيسر هاريل حذفه أو «امتصاصه». لكن شيمون بيريز الذي كان نائبا لوزير الدفاع أصرّ على بقائه، بل وفتح «لاكام» مكاتب له في نيويورك وبوسطن وواشنطن ولوس أنجلوس؛ أي في الأماكن الرئيسية لتواجد التكنولوجيات المتقدمة.
وفي عام 1968 حُكم على أحد مهندسي طائرة الميراج-3 الفرنسية بالسجن لمدة 4 سنوات بسبب تسليمه معطيات كافية لبناء مثل تلك الطائرة لمكتب «لاكام». وعلى أساس هذا «النجاح» في الحصول على أسرار الطائرة المقاتلة الفرنسية قبل «إيتان» تولي رئاسة المكتب المعني مع طموحه في أن يجعل منه جهازا متميّزا في عالم التجسس.
وفي الوقت نفسه أعاد الصلة من جديد مع جهازه السابق «الموساد» الذي كان قد تولّى إدارته ناحوم ادموني الذي كان، مثل إيتان، يحذر كثيرا من النوايا الأميركية حيال الشرق الأوسط، وكان يرى بأن وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية لا تقدم له سوى معلومات متواضعة.
وزاد قلق مدير الموساد الجديد بعد تلقيه تقارير من عملائه في واشنطن أن مسؤولين كبار في وزارة الخارجية الأميركية قد التقوا بزعماء عرب قريبين من ياسر عرفات وأنه يجري البحث من أجل إرغام إسرائيل على قبول المطالب الفلسطينية. وشرح ادموني لإيتان أنه لم يعد يستطيع اعتبار الولايات المتحدة ك«حليف له مصداقيته طيلة الوقت».
بالإضافة إلى هذا وصل إلى مسامع عملاء للموساد في شهر أغسطس 1983 أن عملية يتم تحضيرها ضد القوات الأميركية العاملة تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة في بيروت. وكان أولئك العملاء قد رصدوا وجود شاحنة مرسيدس قد تكون مفخخة. كان ينبغي على الموساد حسب الاتفاقات المبرمة إحالة المعلومات فوراً إلى وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية.
لكن أثناء اجتماع للقيادة الإسرائيلية تلقى جهاز الموساد الأمر التالي: افعلوا كل ما هو ضروري لمراقبة شاحنة المرسيدس. أمّا بالنسبة لليانكي - الجنود الأميركيين - فليس مهمتنا هي حمايتهم، ويستطيعون أن يتكفّلوا هم أنفسهم بذلك. ولا مجال لعمل أكثر من ذلك لهم».
وبتاريخ 23 أكتوبر 1983، وتحت أنظار عملاء الموساد، انطلقت الشاحنة المفخخة بسرعة وصدمت قيادة المارينز بالقرب من مطار بيروت لتقُتل 243 جندياً أميركياً في الانفجار. وينقل المؤلف عن فكتور اوستروفسكي، العميل الإسرائيلي السابق، قوله أن رد فعل الموساد كان: «لقد أرادوا دسّ أنفهم في الورطة اللبنانية، وهم يدفعون الثمن».
التجسس على أميركا
في هذا السياق، جعل رافائيل إيتان من التجسس العلمي والتكنولوجي في الولايات المتحدة هدفا له، وكانت العقبة الأولى أمامه هي إيجاد مخبر فني في موقع رفيع. بحث في قائمة «المتطوعين» لخدمة إسرائيل مجانا التي كان قد أعدّها عندما كان في الموساد، وأشاع حوله أنه مهتم بكل شخصية علمية مقيمة في الولايات المتحدة ومتعاطفة مع إسرائيل.
ولم يحصل على أية نتيجة خلال عدة أشهر. لكن في شهر أبريل عام 1984 أخبره العقيد سيللا الذي كان يدرس المعلوماتية في نيويورك، وقائد السرب الذي كان قد قصف المفاعل الذري العراقي قبل ثلاث سنوات، إنه تعرّف على المدعو جوناثان بولارد أثناء حفلة عشاء نظمها ثريّ يهودي.
كشف له بولارد يومها أنه متحمس للصهيونية من جهة، ويعمل لصالح الاستخبارات البحرية الأميركية. واستطاع سيللا أن يعرف بعد فترة وجيزة أن بولارد يعمل في المركز السرّي لمكافحة الإرهاب التابع للبحرية الأميركية والموجود في سويتلاند بولاية ماريلاند. وكان من بين مهماته تحليل الوثائق المصنفة «أسرار دفاعية» والخاصة بجميع المنظمات الإرهابية في العالم.
كان منصبا شديد الحساسية سمح لبولارد أن يطلع على أعلى مستويات السرية في إطار أجهزة الاستخبارات الأميركية. ولم يصدّق سيللا أذنيه وهو يسمع محدثه يقدم له تفاصيل دقيقة حول قضايا رفضت فيها المصالح الأميركية التعاون الوثيق مع الأجهزة الإسرائيلية. وقد أشار سيللا أنه اعتراه الشك آنذاك بأن الأمر قد يتعلق بفخ نصبه مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. لكن رئيس أركان سلاح الجو الإسرائيلي أعطاه الأوامر بتعميق الصلة مع بولارد.
تعددت لقاءات سيللا وبولارد بعد ذلك في ملاعب رياضية أو في أحد المقاهي. وفي كل مرة كان بولارد يجلب معه وثائق في غاية السرية من أجل إثبات إخلاصه، وكان سيللا يرسلها مباشرة إلى تل أبيب. كانت دهشته شديدة عندما عرف أن الموساد قد اتصل قبل عامين ببولارد ولكنه وجده «شخصية غير مستقرة».
وذات يوم قام سيللا بدعوة يوسف ياجور، الذي كان يعمل بصفة ملحق علمي في القنصلية الإسرائيلية في نيويورك والتابع لمكتب «لاكام» الذي كان يديره رافائيل إيتان، لتناول طعام العشاء مع بولارد. في ذلك العشاء كرر بولارد أن الولايات المتحدة تبخل بمعلوماتها على إسرائيل لأنها تريد المحافظة على علاقات جيدة مع البلدان المنتجة للنفط في منطقة الشرق الأوسط.
وفي نفس ذلك المساء اتصل يوسف ياجور، بواسطة خط هاتفي محمي من عمليات التنصت، بمعلمه رافائيل إيتان الذي طلب منه أن يعمق صلاته أكثر مع بولارد وزوجته المقبلة، آن هندرسون. هكذا تكررت دعواتهما لتناول وجبات الطعام في المطاعم الفاخرة ولحضور حفلات العروض السينمائية الخاصة للأفلام الجديدة. وبنفس الوقت كان الجاسوس الذي تمّ تجنيده يقدم لإسرائيل وثائق في غاية الأهمية والتي اولاها إيتان أهمية كبيرة ورأى أنه حان الوقت للتعرف على مصدر معلوماته الثمين الجديد.
في نوفمبر 1984 قام سيللا وياجور بتقديم هدية إلى بولارد وآن هندرسون تمثلت في رحلة إلى باريس مدفوعة التكاليف بشكل كامل. وشرح ياجور لبولارد أن هذه الرحلة كانت بمثابة «مكافأة متواضعة بالقياس إلى الخدمات الجليلة التي تقدمها لإسرائيل«. لقد سافرا إلى فرنسا بالدرجة الأولى وكان في استقبالهما بمطار باريس سائق قادهما إلى فندق البريستول الشهير حيث كان بانتظارهما رافائيل إيتان.
في نهاية اللقاء اتفق إيتان مع بولارد على أن لا تعود اللقاءات مع عملاء الموساد مجرد لقاءات صداقة وفي مناسبات وإنما أصبحت لقاءات «عمل». خرج سيللا من الصورة وأصبح ياجور هو العميل المسؤول رسميا عن جوناثان بولارد. وتمّ الاتفاق على نظام جديد لتسليم الوثائق بحيث أصبح بولارد يجلبها إلى شقّة المدعوة «ايريت ايرب»، السكرتيرة في السفارة الإسرائيلية بواشنطن، وحيث كانت قد وُضعت في مطبخها آلة تصوير ذات سرعة كبيرة لأخذ نسخ عن جميع تلك الوثائق وكانت زيارات بولارد لهذه السكرتيرة تتعاقب مع مروره إلى عدة مغاسل للسيارات، حيث كانت سيارته بصدد الغسيل آليا،
كان يعطي الوثائق التي بحوزته سرا ليوسف ياجور الذي تكون سيارته أيضا بصدد الغسيل في الآلة المجاورة. وكان ياجور قد زوّد سيارته بآلة تصوير مخفية تحت المقود. بكل الحالات كانت شقة ايريت ومغاسل السيارات قريبة من مطار واشنطن مما كان يسهّل انتقال ياجور بين العاصمة الفيدرالية ونيوروك. وما إن كان يصل إلى القنصلية حتى يبعث ما لديه من وثائق عبر «فاكس محمي» إلى تل أبيب.
تجاوزت المعلومات المحصلة توقعات رافائيل إيتان إذ وصلته ذات يوم معلومات مفصّلة عن آخر الأسلحة التي قامت روسيا بتزويد سوريا بها مع تحديد دقيق لمواقع صواريخ اس.اس-21 وسي.آ-5، وكذلك خرائط وصور للترسانات العسكرية السورية والعراقية والإيرانية، بما في ذلك صور مصانع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية.
وفضلاً عن الحساسية الكبرى للمعلومات المحصّلة توضحت أيضا بالنسبة لإيتان طرق التجسس التي تتبعها الأجهزة السرية الأميركية في الشرق الأوسط ولكن أيضا في جنوب إفريقيا. وكان بولارد قد سلّم للإسرائيليين تقريراً أعدّته وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية عن البنية الكاملة لشبكة جواسيسها في تلك البلاد ـ جنوب إفريقيا.
كذلك سلّمهم وثيقة أخرى تشرح بأدق التفاصيل كيف قامت جنوب إفريقيا بأول تفجير ذرّي يوم الرابع عشر من شهر سبتمبر 1979 في جنوب المحيط الهندي. لكن حكومة بريتوريا نفت باستمرار امتلاكها للقدرة النووية. وتصرّف رافائيل إيتان بطريقة قام من خلالها عملاء الموساد بتسليم حكومة جنوب إفريقيا جميع الوثائق الأميركية التي تخصّها، مما أدّى إلى تفكيك كامل مباشر لشبكة وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية فيها. وتوجب أن يغادر 12 عميلا البلاد بأقصى سرعة ممكنة.
سقوط بولارد
قام جوناثان بولارد خلال الأحد عشر شهرا التالية بتسليم الإسرائيليين أخطر المعلومات التي جمعتها الأجهزة السرية الأميركية. وتمّ هكذا تحويل أكثر من ألف وثيقة «سرّية للغاية« إلى إسرائيل، حيث كان رافائيل إيتان يدقق فيها بإعجاب قبل أن يسلمها بدوره إلى إدارة جهاز الموساد. وبالاعتماد على المعلومات المجمّعة قام ناحوم ادموني مدير الموساد بتقديم توصيات إلى الحكومة الائتلافية التي كان يتولى رئاستها آنذاك شيمون بيريز حول أفضل طريقة للتصرف حيال السياسة الأميركية في الشرق الأوسط.
وينقل المؤلف عن محضر للاجتماعات الوزارية الإسرائيلية آنذاك ما يلي: «عندما يتم الاستماع إلى ناحوم ادموني، يسود تقريبا الشعور أن المرء يجلس مع الرئيس الأميركي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض. ولم نكن على اطلاع فوري بآخر الأفكار التي تنبثق في واشنطن حيال القضايا التي تهمنا من قريب أو بعيد فحسب، ولكن كان لدينا أيضا الوقت من أجل التأمل والتفكير قبل اتخاذ أي قرار.
أصبح جوناثان بولارد عنصراً حاسماً في السياسة الإسرائيلية وفي اتخاذ القرارات الإستراتيجية. وقام إيتان بتزويده بجواز سفر إسرائيلي تحت اسم داني كوهين وقرر له مرتباً شهرياً كبيراً. بالمقابل طلب منه معلومات وتفاصيل إضافية عن نشاطات التجسس الإلكتروني لوكالة الأمن القومي في إسرائيل وعن طرق التنصّت المستخدمة حيال السفارة الإسرائيلية في واشنطن، وعلى البعثات الدبلوماسية الأخرى للدولة العبرية في الولايات المتحدة الأميركية.
لم يتمكن بولارد من تزويده بالمعلومات المطلوبة إذ جرى اعتقاله بتاريخ 21 نوفمبر 1985 أمام السفارة الإسرائيلية في واشنطن. وبعد عدة ساعات فقط كان يوسف ياجور والعقيد سيللا والسكرتيرة ايريت ايرب في الطائرة بالطريق إلى إسرائيل قبل أن يسائلهم مكتب التحقيقات الفيدرالي الأميركي. أما بولارد فقد صدر عليه حكم بالسجن المؤبد وصدر على زوجته حكم بالسجن لمدة خمس سنوات.
أطلق مؤتمر المنظمات اليهودية بالاشتراك مع أكثر من خمسين مجموعة أخرى في عام 1999 حملة مكثفة لإطلاق سراح بولارد. وروّج اللوبي اليهودي لفكرة تقول أنه لم يقترف جريمة الخيانة العظمى حيال الولايات المتحدة «ذلك أن إسرائيل كانت آنذاك ولا تزال اليوم حليفا قريبا». ودعمت المنظمات اليهودية الدينية تلك الحملة. وصرّح أستاذ القانون في جامعة هارفارد الان م. ديرشفيتز محامي بولارد أنه لا يوجد في الملف ما يثبت أن الجاسوس قد مس «قدرة أجهزة استخبارات الأمة» أو «نشر معطيات حولها على الصعيد العالمي.
في مواجهة تلك الحملة المسيّرة من إسرائيل عرفت أجهزة الاستخبارات الأميركية مبادرة غير مسبوقة إذ خرج عدد من أعضائها إلى النور وحاولوا إثبات خيانة بولارد. وأدّى هذا إلى تعبئة أكبر من اللوبي اليهودي القوي. وخشيت الأجهزة السرية الأميركية أن يقوم بيل كلنتون في إحدى أزماته الدونكيخوتية، حسب تعبير أحد ضباط وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، بإطلاق سراح بولارد قبل نهاية ولايته الرئاسية.
وقال جورج تينيت، رئيس الوكالة آنذاك، لكلينتون: «إن إطلاق سراح بولارد سيثبط من عزيمة الأجهزة السرية». وهذا ما أجاب عليه كلنتون بالقول «سنرى، سنرى».كان رافائيل إيتان يراقب كل ما يجري حول قضية بولارد بانتباه كبير لكنه كان مشغولا أيضا بقضية أخرى أكثر أهمية وتخص الملف النووي الإسرائيلي.
عرض ومناقشة: د. محمد مخلوف


