نيال فيرجسون، ذلك المؤرخ الثري الأنيق بشكل يثير غيظ الكثيرين، وصاحب الفكر اليميني الناضج منذ سن مبكرة، هو رجل يميل الليبراليون إلى كرهه. هذا الفتى الذهبي، الذي لم يتعد عمره 42 عاما والمنتمي إلى المجتمع الأكاديمي البريطاني، يُهاجمه منتقدوه بلا هوادة ويتهمونه بعشق الظهور الإعلامي وتبني كل ما هو مستغرب ومناقض للأفكار السائدة، حيث إنه يعرف قيمة معسول الكلام وارتداء البزات المصنوعة من الكتان ووضع النظارات الشمسية الباهظة الثمن.
وفيرجسون هو أستاذ في جامعة هارفارد الأميركية، كان معجبا في سنوات شبابه برئيسة الوزراء البريطانية السابقة مارغريت تاتشر، وكان يكتب لصحيفة «ديلي ميل» (بالطبع تحت اسم مستعار، بحسب إدعائه، وإلا فإن الأمر كان كفيلا بالقضاء على عمله الأكاديمي). لقد قال فيرجسون للعالم إنه يتعين عليه التزام الحكمة والعقلانية ويبدأ في الشعور بالامتنان لما صنعته الإمبراطورية البريطانية من أجله.
كما إنه خاطر بإثارة حنق قدامى المحاربين ضده عندما قال إن الحرب العالمية الأولى لم تكن تستحق أن تخوضها بريطانيا، وأنه كان ينبغي السماح لألمانيا بتكوين إمبراطورية في القارة الأوروبية. كما تتميز آراؤه بشأن الولايات المتحدة الأميركية والعراق بالجرأة والحماس الشديدين، إذ يقول إن المشكلة الخاصة ب«الإمبراطورية» الأميركية تتمثل في أن واشنطن لا ترمي بثقلها بشكل كاف وراء طموحاتها، وإنه ينبغي لها أن تحتل العراق لمدة أربعين عاما.
إن شخصية الشاب المراوغ التي يجسدها فيرجسون وكتاباته الغزيرة وقدرته على جسر الهوة بين الصحافة والعمل الأكاديمي، كل تلك العناصر أكسبته شهرة وثروة وجاها ونفوذا كبيرين. وفي اللقاء معه في أحد الفنادق، وبينما كان يحتسي القهوة ويوقع على أحدث إصداراته وهو كتاب: «حرب العالم: عصر الكره في التاريخ» الذي يقع في 746 صفحة،
قال فيرجسون: «لا أتصور أنني أقدم على إفساد الأجواء أو إجهاض الخطط المتفق عليها بشكل مسبق أو أميل إلى أن أكون معارضا- لا أتصور أنني أقوم بهذا لمجرد المعارضة. إن الاستقصاء التاريخي يعني السعي وراء الحقيقة. واحتمالية وصولك لتلك الحقيقة تزيد عندما تُقدم على مساءلة الثوابت من الأفكار والمبادئ».
ويعتقد فيرجسون المولود في مدينة غلاسجو الاسكتلندية، أن من يصفونه بأنه «مُعلم تلفزيوني» يغارون منه. ويقول في هذا الشأن: «لا أرى أن هناك فرقا بين عملي الأكاديمي واشتغالي بالصحافة. فهما مجرد وسيلتين مختلفتين للتعبير عن الأفكار. فإذا أردت أن تصل بأفكارك إلى ثلاثة ملايين شخص، فعليك أن تذهب إلى شاشات التلفاز».
ويأتي كتابه الجديد ليُفند حقيقة تاريخية ثابتة تقول إن القرن العشرين كان قرن أميركا وكان قرن انتصار الغرب على الشيوعية والفاشية. يقول فيرجسون: «الكتاب يبحث عن إجابة للسؤال التالي: (لماذا كان القرن العشرون يتسم بكل ذلك القدر من العنف على الرغم من أنه كان عصرا شهد تقدما علميا وماديا هائلا)
ويحاول فيرجسون أن يفسر أبرز أحداث العنف الهائلة - وهي تلك التي وقعت في شرق أوروبا وآسيا وأفريقيا- بربطها بتلك المناطق التي تجتمع فيها العوامل الثلاثة التالية: التفكك العرقي وعدم الاستقرار الاقتصادي وتهاوي أركان الإمبراطورية. إن القرن العشرين لم يكن في الحقيقة قرن انتصار أميركا وأوروبا، وإنما كان على حد تعبيره قرن «صعود نجم آسيا وسقوط ثروة الغرب وقيمه».
يقول فيرجسون إننا في قلب عالم يمر بحالة هائلة من إعادة التوازن، إنها مرحلة انتقالية مؤلمة للغاية. الهيمنة الصينية والهندية على العالم ليست أمرا مؤكدا. ولكن التوقعات الخاصة بالغرب واضحة كل الوضوح: النمور الآسيوية انطلقت، فاحذروها.
والأمر الذي يبعث على مزيد من القلق من وجهة نظر فيرجسون هو أن «الحرب الأهلية الكامنة» في العراق يمكن أن تكون نذيرا للعالمين بقدوم قرن دموي آخر في الشرق الأوسط وما هو أبعد من الشرق الأوسط. ويضيف في هذا الشأن: «إذا انتقلت تلك الفكرة السامة للغاية الخاصة بصراع الحضارات- أي الصراع بين الإسلام والغرب- إذا انتقلت إلى الدول الأوروبية ذات الأنظمة الديمقراطية والتي تعيش فيها أعداد كبيرة من المسلمين فإن العواقب ستكون مريعة بشكل أفظع. فالمجتمعات المتنوعة عرقيا يمكن أن تنفجر إذا وقعت تحت ضغوط اقتصادية أو جيوسياسية».
و يستدرك فيرجسون في هذا الصدد بالقول: «أنا لا أقول هنا إن جميع المجتمعات المتنوعة عرقيا ستنفجر. فمثل هذا الانفجار يمكن أن يحدث تحت ظروف خاصة للغاية. ولكن لا ينبغي لنا أن نرضى بالأمر الواقع. فإذا لم نتعلم من الدروس التي تفسر لماذا اتسم القرن الماضي بذلك القدر من الدموية، فإن فرصة تكرار مآسي ذلك القرن ستزداد».
و عند مقابلته بشكل شخصي، لا تجد في فيرجسون تلك الهالة التي يحيط نفسه بها أثناء ظهوره في اللقاءات التلفزيونية، وإنما هو - على العكس تماما- إنسان مهذب متواضع؛ فهو أكثر شبها بالمشرف الخفيف الظل الذي يتذكره طلابه السابقون عندما كان يشاركهم احتساء القهوة من أجل التخفيف من روعهم.
و لا تمت بزته الرمادية اللامعة ورابطة عنقه الزرقاء المحكمة بصلة للزي الأكاديمي المفترض أن يرتديه. يقول فيرجسون ضاحكا: «كان يتعين أن تراني في الثمانينيات. كنا جميعا نتسوق من خلال هيئة أوكسفام. لقد كانت لدي تشكيلة مريعة من البزات التي لم تكن تناسبني على الإطلاق، وكنت أرتدي ملابس أكل الزمن عليها وشرب. بالتأكيد الأمر له علاقة بالتركيبة النفسية للمؤرخين».
ولم يكن النجاح الذي حققه فيرجسون بلا مقابل. فقد اضطر إلى التخلي عن إقامته الدائمة في منزله بأوكسفامشاير الذي كان يسكنه مع زوجته وأولاده الثلاثة كي يلتحق بالعمل في جامعة هارفارد. وقال إن السبب وراء انتقاله إلى هارفارد هو ذلك الراتب الضعيف الذي يتقاضاه أساتذة الجامعة في بريطانيا. والتزاماته في أميركا آخذة في الزيادة لدرجة أنه يقضي أكثر من نصف وقته هناك مما يؤثر بالسلب في حياته العائلية.
و يعود فيرجسون إلى تفجير قنبلة أخرى من قنابله الفكرية، أثناء حمى كأس العالم، وهي هذه المرة تتعلق بالهوية الإنجليزية التي يرى أنها عبارة عن «هجين مريع من أشخاص على شاكلة سيمون هيفر وواين روني... هناك حنين قلبي إلى رؤية بريطانيا حالمة تسكنها كائنات خيالية أسطورية في مدنها ومقاطعاتها بدلا من تلك الشوارع الحُبلى بتقيؤ البشر والبلدات الريفية الغارقة في الرذيلة». ويضيف في هذا الصدد أن هذا التحرر من القيود يمكن أن يؤدي إلى عودة جديدة للحزب الوطني البريطاني ذي التوجهات اليمينية المتطرفة.
ويقدم فيرجسون حلا راديكاليا في هذا الصدد يتمثل في تصفية المملكة المتحدة. فعن طريق تنحية الويلزيين والاسكتلنديين والأيرلنديين الشماليين جانبا سيُمكن للإنجليز أن يستمتعوا بقدر من قوميتهم بشكل صحي.
ترجمة: حاتم حسين
عن: «إندبندنت»
