ما نشاهده من أوراق ممزقة تنتشر في أروقة وساحات المدارس هو امتهان حقيقي لقيمة الكتاب الذي يحمل في داخله العلم والمعرفة، وإهدار للثروة الوطنية التي صرفت عليها الدولة الكثير من الاموال لتكون بين ايدي أبنائها في المدارس.

وقد اعتاد كثير من الطلبة عقب خروجهم من القاعة على تمزيق الكتاب المدرسي ظنا منهم ان مهمته قد انتهت بمجرد انتهاء العام الدراسي.

وعلى الرغم من تكرارالمذبحة بشكل سنوي الا ان احدا لم يقف عندها محللا اسباب اقدام الطلبة على مثل هذا النوع من التصرفات التي تحمل في طياتها مدلولات خطيرة تعكس استهتارا يحس به الطالب اتجاه وطنه ومدرسته. ولعل الخوض فيه مرة اخرى محاولة لايجاد حلول تربوية تعيد للكتاب هيبته ووقاره التي يفقدها في فترة الامتحانات حيث تذرو الصفحات الرياح لتملأ بها جنبات الساحات وحاويات القمامة دون اعتبار لما قد تحمله طيات الكتب من آيات قرآنية واحاديث نبوية شريفة.

كفا البراوي معلمة لغة عربية تحمل الأسر مسؤولية انتشار ظاهرة تمزيق الكتب المدرسية اذ تعتقد انها مسؤولة مسؤولية كاملة عن تربية أبنائها وتعويدهم منذ نعومة أظفارهم الاهتمام بالكتاب المدرسي باعتباره مرجعا وركيزة اساسية في تثقيف الطفل، كما تلفت الى خطأ شائع تقع فيه اغلبية الاسر التي تعتقد ان مهمتها تنحصر في متابعة تحصيل ابنائهم الدراسي وتوفير المستلزمات المطلوبة دون تنبيههم الى ضرورة صون الكتاب باعتباره مالا خصصته الحكومة لدعم مسيرة التعليم للطلبة.

وعن الحلول المقترحة ترى ان الحل الجذري لهذا السلوك غير الحضاري هو تهذيب خلق التلميذ داخل المدرسة وخارجها والتأكيد على القيم التربوية والأخلاقية ومعالجة مكامن القصور لدى التلاميذ وتعليمهم اهمية المحافظة على الممتلكات والثروات الوطنية.

ممتلكات الوطن

وترد نعمات طه معلمة التربية الموسيقية هذه الظاهرة الى جملة من الاسباب اولها عدم ادراك التلاميذ لعظم الأمانة والمسؤولية الملقاة على عاتقهم في صون ممتلكات الوطن والاستفادة مما يقدمه لهم من تعليم مجاني، وحياة مستقرة كريمة املا في ان يكونوا اليدالتي تبني ولا تهدم، اضافةالى الكره والضغينة التي تعتمر قلب التلميذ من مقرر دراسي معين او من المعلم الذي يقوم بتدريس المادة،

وفي اغلب الاحيان تكون العلاقة بين من يقدم على تمزيق الكتاب والمعلم شبه مقطوعة بل وفي اغلب الاحيان تتسم بالندية والتوتر، الأمر الذي يدفع التلميذ لتفريغ شحنات الغضب الكامنة في نفسه باقتراف هذاالنوع من السلوك.

وتظن ان مجانية التعليم بما فيها المقرر الدراسي تعطي الطالب نوعا من اللامبالاة حياله، لذلك لو نظرنا حولنا نجد ان تخريب الممتلكات المدرسية بما فيها الكتاب حالة عامة وبالنسبة لي اعتبره كارثة ومؤشرا خطيرا يدل على قلة الانتماء او انعدامه للوطن الذي يبذل الغالي والنفيس في سبيل رفع شأن ابنائه.

وتضيف: التلميذ وجد الدولة قد وفرت له كل وسائل التعليم ورد الجميل الانتقام بطريقة تعكس مقدار الغضب الذي يعتريه والذي جعل من الكتاب المليء بشتى صنوف العلم شيئا بدون قيمة تذكر، ومجالا حيويا للانتقام وتدعو المسؤولين للتنبه لهذه الظاهرة او الافة

كما اثرت تسميتها، والعمل على توعية الطلاب بقيمة محتوى الكتاب، خاصة ان المقررات في اغلبها تضم آيات قرآنية وأحاديث نبوية شريفة وتقترح إلزام التلاميذ بدفع رسوم رمزية للكتاب، وتسترد في نهاية العام الدراسي عقب أن يعيد التلميذ الكتاب بشرط أن يكون في حالة جيدة.

وقالت فتحية زيد رئيس قسم الإدارة التربوية في منطقة الشارقة التعليمية إن السبب وراء امتهان الكتاب وعدم المحافظة عليه هو فقدان الوعي عند التلاميذ بشكل كامل مشددة على ضرورة اتخاذ إجراءات إدارية حازمة ضد من يقوم بتخريب الكتب، أو المساس بأي من ممتلكات المدرسة. وترى انه حري بالطالب الاحتفاظ بالكتاب كمرجع علمي مهم يحتوي على قيم وعلوم ومهارات، وهو ما يكلف الدولة مبالغ طائلة يجب الحفاظ عليها .

واعتبرت وجود حالة من الفتور في العلاقة بين الطالب والكتاب الذي عادة يربطه بالمدرسة تدفعه الى التخلص منه بمجرد انتهاء العام الدراسي، باعتباره امرا طبيعيا حسب وجهة نظره، مشيرة الى ان تعويد الطالب على القراءة وإيضاح أهمية ما يحويه أي كتاب على معلومات مهمة قد تفيد الطالب وتدفعه الى الاحتفاظ بالكتاب خاصة إذا ادرك انه قد يحتاج اليه في مراحل دراسية اخرى.

وقالت رئيس قسم الادارة التربوية في منطقة الشارقة التعليمية ان افتقار الكتب المدرسية لمواضيع شيقة وصورا جاذبة تؤدي الى انعدام دافعية الطالب لمطالعة الكتاب او الاستفادة منه لاحقا.

قلة الوعي بقيمة المعلومات بحسب رأي فخريه احمد معلمة الجيولوجيا في مدرسة الزهراء للتعليم الثانوي هي السبب الرئيسي لإتلاف الطلبة للكتب، إضافة الى قلة الوعي بقيمة المعلومات التي يحتويها، مؤكدة ان غالبية الطلبة يظنون ان حاجتهم للكتاب تنتهي بانتهاء المرحلة الدراسية المقررة عليهم،

وذلك لعدم وعيهم بان المعلومات المستقبلية في المراحل الدراسية الاكثر تقدما مبنية على ما سبق وورد في هذه الكتب. وتدعو المؤسسات التعليمية وادارات المدارس التركيز على هذه الظاهرةالتي لا تقتصر على دولة الامارات العربية المتحدة، بل هي هم مشترك في المنطقة العربية ان لم يكن في العالم كله ومحاولة تقزيمها بإفهام التلاميذ ان مهمة الكتاب لا تنتهي

بوقت محدد وان هناك حاجة ماسة لما يضمه من معارف وعلوم لذا يلزمنا حملات توعوية مكثفة تبدأ من الصفوف الدنيا لتغرس في نفوس التلاميذ اهمية ووجوب المحافظة على الكتاب كقيمة تربوية واخلاقية اولا وقيمة علمية ثانيا.

انعدام الدافعية

واوضحت فاطمة السجواني الاختصاصية النفسية في منطقة الشارقة التعليمية ان التلاميذ الذين يميلون لمثل هذه التصرفات الشاذة هم في العادة من التلاميذ ضعاف التحصيل الذين لا يمتلكون أي دافعية للتعلم، بل هم من المستهترين الذين لايعون قيمة الكتاب ومحتواه،

وتدعو للحد من هذه الازمة التي تتفاقم اثارها بالزام التلاميذ بتسليم المقررات الدراسية بعد انتهاء العام الدراسي وربط المناهج بعضها في نوع من التكامل حتى يشعر التلميذ باحتياجه لكل كتاب فلا يعمد لاتلافه. وتتأسف السجواني لهذه الظواهر التي اخذت تزيد في الميدان التربوي، مشيرة الى ان كتب التربية الاسلامية لم تسلم من ايدي التلاميذ.

واعتبر اشرف محمود اختصاصي نفسي تمزيق الكتاب رد فعل لعدم فهم التلاميذ لطبيعة المادة او الطرق الخاصة بمذاكرتها، او كراهية المدرس التي تنعكس بصفة عامة على الكتاب. ويرى ان المشكلة كبيرة ويتوجب مقاومتها بشيء من الوعي والدراسة العلمية المبنية على البحث والتقصي، مؤكدا ان الحل يكمن في زيادة نسبة الدافعية للتعلم والتي يراها وفقا لدراسات ميدانية مفقودة بنسبة 70 بالمائة، كما يقترح جعل البيئة المدرسية بيئة جاذبة تتسم فيها علاقة المعلم بطلابه بالمرونة والاحترام.

نبيلة علي معلمة تربية رياضية لاتنكر دور المدارس ذاتها في ازدياد الظاهرة مؤكدة ان اتخاذ المدارس لتطبيق عقوبات رادعة بحق من يمزقون الكتب يجب ان تدخل حيز التنفيذ والتطبيق، عوضا عن التراخي والتهاون بحق الذين يمزقون كتبا احتضنتهم طوال العام الدراسي واستقراوا منها العلم مشددة على ضروروة ايجاد قوانين حازمة في هذا الجانب.

وتعتقد ان مجانية الكتب هي احد العوامل التي تؤدي الى تمزيق الطالب للكتاب دون اكتراث ولا ينظر الى ابعاد الامر وما توفره له دولته وتتكبده لضمان حقه بمجانية التعليم، مطالبة بفرض رسوم رمزية على الكتب تنهي حالة الاستهتار التي يظهرها الطالب حيال الكتاب المدرسي مؤكدة ان القصد من هذا الاقتراح هو تعليم الطالب ان هذا الكتاب مادة ثمينة وذات قيمة اقتصادية وعلمية فيقدرها ولا يفرط فيها، او يمتهنها باي شكل من الاشكال.

وذكرت ان الهيئات الادارية والتدريسية في مختلف المدارس تسعى بجهود ذاتية الى توجيه الطلبة نحو فعل الخير والابتعاد عن السلوكيات غير المتحضرة خاصة فيما يتعلق بهذا الجانب، لان الكتاب الذي يوضع بين يدي الطلبة هو جهد علمي وبذل مالي من قبل الدولة ومن يقدم على تمزيق كتابه فهو بلا شك سيقوم مستقبلا بتخريب باقي الممتلكات، كالمرافق العامة، وان دل ذلك على شيء فانه يدل على ضعف الانتماء والشعور الوطني النزيه حيال ما تقدمه الدولة لأبنائها.

ذكرت وحيدة على أمينة المكتبة في مدرسة الشيماء للتعليم الأساسي في الشارقة أن الكتاب المدرسي هو مصدر العلوم كلها، فيه مختلف القيم الدينية والثقافية والعلمية، مشيرة الى ان ماتتحمله وزارة التربية والتعليم من تكاليف مادية لامداد الطلبة بالكتب اللازمة لهم وبشكل مجاني يجب ان تقابل بصون هذه الثروة لان الكتاب ثروة حقيقة لو علم الطالب اهميتها لما امتهنها، مضيفة ان الشعور الوطني يلزم الجميع بوقف هذا الهدر المادي الذي يستنزف الدولة بشكل سنوي عبر ايجاد حلول تشارك فيها كافة القنوات والأطراف المعنية.

وأشارت الى قيامها بتوجيه الطالبات اللواتي يزرن المكتبة بالمحافظة على الكتب من التمزيق او الاتلاف بالكتابة عليها، لان الكتاب ضروري جدا ويجب على الطالب ان ينشأ مدركا لقيمته وحاجته اليه.

شقاوة طالبات ثانوية

رغم ارتفاع حدة الظاهرة بين الذكور الا انها تنتشر بصورة كبيرة بين الطالبات، خاصة في المرحلة الثانوية، حيث لافرق هناك بين ذكر وانثى بل على العكس تتساوى الرؤوس، والواقع يكون اشد حلكة في ساحات وأروقة مدارس الطالبات اللواتي لا يجدن غير الكتاب وسيلة للتعبير عن غضبهن.

وبسؤالهن عن جملة الاسباب التي تدفعهن لامتهان الكتاب المدرسي، قالت الطالبة علياء محمد عبيد ان حالة من الحقد والضغينة تسود نفوس الطالبات، لاسيما من المواد التي تنطوي على صعوبة عالية، فتراهن ينفثن غضبهن اما بتمزيق الكتاب او تخريبه بالرسومات والكتابة.

واعترفت الطالبة ساره محمد وهي طالبة في الثانوية العامة بانها تسيء بشكل كبير الى كتبها، ولا تنتظر حتى نهاية العام الدراسي لتجدها وقد باتت بصورة يرثى لها.

وتعتقد ان ما يحدث ليس امرا جديدا بل هو وضع اعتيادي يعيشه الطلبة بشكل سنوي، ولا يرون فيما يقومون به اهدارا للمال العام او انعدام الشعور الوطني، لأن ذلك ليس في حساباتنا ولا ننظر للامر بشكل عميق.

انتقاد لرتابة المناهج وضعف طرق التدريس

وقالت ان الظاهرة تزيد حدتها في فترة امتحانات الثانوية العامة اذ يخرج غالبية الطلبة يتملكهم شعور بالنشوة لانتهاء كابوس الامتحان، وبالتالي يفرغون ضغط العام الكامل والسهر والاجتهاد في الدراسة لااراديا في تمزيق الكتاب بشكل يوحي للمتفرج ان هناك ثارا بين الطالب وكتابه، وكأن الطالب بتمزيقه للكتاب يزيح عن كاهله حملا ثقيلا اتعبه عاما كاملا وآن الاوان للتخلص منه.

وترى امينة المكتبة ان المشكلة لها عدة اسباب اولها رتابة وضعف المناهج التي تعتمد على العقلية التي تحفظ دون وجود أي طرق تدريسية مشوقة مما يدفع الطالب كاحساس تلقائي وطبيعي بكره الكتاب ومحتواه،

وبالتالي فان التخلص منه احب الامور على نفسه، مشيرة ايضا الى ان الكتاب بشكل عام فقد هيبته وبات اخر اهتمامات الفرد خاصة الطالب الذي تنتهي علاقته بالكتب عند حدود المنهاج الذي يدرسه، لذا فانا اعتقد ان بناء علاقة جديدة بين الكتاب والطالب تحتاج الى سنوات من العمل الجاد والدؤوب،

خاصة مع الاجيال التي مازالت في مقتبل عمرها، فاعتماد المطالعة سلوك يومي في حياة الطالب تشجعه عليه المدرسة والاسرة، يغرسان حب العلم في نفوسهم وبالتالي يدركون ما يعينه أي كتاب، خاصة الكتاب المدرسي

استطلاع ـ نورا الأمير: