قد تلجأ بعض الأسر إلى حذف بعض القنوات من جهاز التلفاز ومنع مشاهدة بعض البرامج، ولكن هل فطن المربون إلى الخطر القادم من بعض برامج الرسوم المتحركة التي لا تقل خطرا عن غيرها من البرامج المحذوفة؟ تابع معي قراءة المقال وشاركني مصداقية النقد والحديث. يزعم آريل دورفمان ان المجتمع يطوع بالأدب المقروء والمشاهد وذلك عن طريق القيم والمفاهيم التي تنفذ خلال جلودنا دون أن نشعر حتى تشكل تلك المفاهيم والقيم مجتمعا مطوعا دون ان يشعر،

لقد تربت أجيال كثيرة على بياض الثلج وزوجة أبيها الشريرة، ونام أطفالنا وهم يحلمون أن يصحبوا سلاحف للنينجا. تلك الثقافة وذلك الأدب الأجنبي أصبح جزءا لا يتجزأ من مجتمعنا العربي، ولو توقفنا قليلا عند بعض القصص التي شاهدناها أو قرأناها صغارا واختبأت في اللاشعور لاكتشفنا ان ذلك الأدب يتجاوز فكرة انتصار الخير علي الشر في النهاية إلى قضايا أخلاقية وعرقية ودينية تشربناها دون أن نشعر.

فلم تعد الرسوم المتحركة مجرد صور متحركة نضع أمامها أطفالنا حين نضجر منهم بل هي أدوات تطوع المجتمع وتصيغ فكره، وعلينا كمربين ان نقرأ تلك الرسوم المتحركة بعين عربية وأن نقف عند فكرة الرسوم ونتفحصها بدلا من «المشي على الكلمات» كما يصورها التربوي البرازيلي باولو فريري.

منذ نعومة أظفارنا علمتنا الرسوم المتحركة كيف نشتري ونبيع وكيف نحارب وكيف ندافع عن آرائنا ومن هي المرأة الجميلة وما هي مواصفات الفارس، كما تشربنا كره زوجة الأب وعرفنا ان المجتمع لا يستقيم إلا بالطبقية وأن الطبقة الغنية العليا تنتمي للعرق الأبيض وبقية الأعراق خلقت للسخرة، وتعرفنا على مجموعة من الآلهة لكل واحد منها اختصاص، كما اقتنعنا أنه لا خطر من الخروج من المنزل بمفردنا ما دامت سندريلا وساندي بل بخير، باختصار لقد علمتنا الرسوم المتحركة كل شيء عن الدنيا وأهم من ذلك كله علمتنا ألا نقاوم. صورة المرأة في الرسوم المتحركة العالمية:

كانت المرأة كبطلة في الرسوم المتحركة مغيبة لفترة طويلة وكان النمط السائد هو البطولة الذكورية المرأة في الرسوم المتحركة العالمية غالبا فتاة ضعيفة مغلوبة على أمرها كسندريلا وبياض الثلج ورابونزل، وهي فتاة فائقة الجمال تقع تحت اضطهاد زوجة أبيها، فزوجة الأب دائما شريرة متربصة ببنات الزوج المسكينات،

وتلك الفتاة الضعيفة هدفها في الحياة انتظار الفارس الذي سيخلصها من مشاكل منزلها وذلك الفارس كما تصوره الرسوم المتحركة فارسا قوي البنية غنيا، فأصبح الخلاص لكل مشكلة تواجه الفتاة هو البحث عن ذلك الفارس الذي سيتحدى جميع الصعاب من أجلها بحصان أبيض. فالسعادة والهدف بالنسبة للمرأة كما تصورها الرسوم المتحركة هو الظفر بالفارس أو الأمير وحصول التغير في المظهر عن طريق ارتداء ملابس فاخرة وتسريحة جميلة.

والمرأة في الرسوم المتحركة العالمية كذلك امرأة شقراء بيضاء رشيقة كباربي ولا يمكن بأي حال أن تكون بطلة قصة امرأة آسيوية أو افريقية أو حتى من الهنديات الحمر، فنمط المرأة الحلم نمط ثابت ومتوقع، فالمرأة البدينة لا مكان لها في القصة إلا أن تكون شريرة وقبيحة ومترصدة لبطلة القصة البيضاء الرشيقة، ونستطيع أن نتوقع إذن من أين أتت إلينا صورة أن كل فتاة بدينة بلهاء غيورة.

وقد أدت تلك النظرة السطحية إلى المرأة إلى تشييئها، كما أدت تلك الأفكار إلى انتشار ما يسمى بمتلازمة باربي وهو الهوس بالحصول على جسد مشابه لجسد باربي، ونظراً لأن باربي شخصية مقاسة بموازين شبه مستحيلة فقد أدت تلك المتلازمة إلى إصابة الكثير من الفتيات بأمراض التغذية مثل الأنوركسيا والبوليميا.

وتأتي صورة المرأة كذلك بصورة المستعرضة لمفاتنها المرتدية من الثياب أقلها كصورة المرأة في قصة الأرنب السريع «لوني ذا تون» فالمرأة في تلك النوعية من القصص لا هم لها، ولا هدف إلا الظهور بين فينة وأخرى مبدية مفاتنها وهي كما نتوقع امرأة بيضاء رشيقة فائقة الجمال.

وإذا كانت بطلة القصة قبيحة كقصة البطة السوداء القبيحة فإنها حتماً لن تجد من يصادقها إلا لو تحولت في النهاية إلى بجعة فائقة الجمال، ففكرة تلك الرسوم تشي أن في هذه الدنيا لا مكان لمن لم يحظ بقدر كبير بل كبير جداً من الجمال، والعجيب أننا لو حاولنا أن نقص تلك القصة على أطفالنا سنجدنا نقول كلاماً لا معنى له ويفتقر للقيم الأخلاقية ولكننا تقبلنا تلك الرسوم دون جدال وتفكير ومقاومة ونحن نشاهدها من خلال الشاشة الصغيرة.

العنف وسلاحف النينجا

تحظى سلاحف النينجا بشعبية فائقة وهذه الرسوم تصور في كل حلقة مجموعة من سلاحف النينجا تحارب الشرير في شوارع المدينة دون أن يصابوا بأي أذى. تصور تلك الرسوم للطفل بأن العنف لا ضرر منه وهو الحل الوحيد للتعامل مع من لا نتفق معهم، كما تصور تلك الرسوم عدم احترام السلاحف لأمن المدينة وسكانها فهم يفعلون ما يحلو لهم بالتذرع باسم محاربة الأشرار، وسلاحف النينجا نموذج واحد فقط على نماذج العنف المتنوعة التي تزخر بها الرسوم المتحركة، وأثر العنف على الأطفال والمراهقين كبير جداً، فقد أثبتت الدراسات أن مشاهدة الكثير من العنف في التلفاز يقود المشاهد إلى الجريمة في الواقع،

كما يؤثر العنف سلوكياً على الأطفال من خلال تحويلهم إلى فتوات في المدارس والحي، وتعليمهم وسائل السرقة والعنف المختلفة، هذا بالإضافة إلى المشاكل النفسية مثل التبول الليلي، ناهيك عن المشكلات الاجتماعية. ومن أكثر الرسوم المتحركة التي أثرت في أطفالنا «بيكاتشو» ذلك المخلوق الأصفر العنيف والذي أودى بمشاهديه الصغار إلى أكثر من حالة انتحار منها واحدة في الدول العربية.

الطبقية والعرقية في الرسوم المتحركة

من هم العمال والكادحون في الرسوم وينتمون لأي عرق؟ ومن هم الأغنياء وينتمون لأي عرق؟ وهل رسم الطبقات الاجتماعية بأعراق مختلفة باختلاف الطبقة جاء صدفة أم يرمي لرسم خطوط للمجتمع وتوضيح ساداته وعماله؟

على سبيل المثال قصة الخنازير الثلاثة التي تطلب منها أمها أن تفعل كل ما بوسعها لتتمكن من العيش في هذا العالم فتقوم الخنازير ببناء بيوت لها أولها بني من قش والثاني من عصي والأخير من طوب، فداهم الذئب. وهذا الذئب بغض النظر عما يرمز إليه في القصة يستطيع بنفخة واحدة الإطاحة بالبيتين الأولين وأكل الخنزيرين،

والنتيجة أن التمتع بالحياة والخلود لا يكون إلا من نصيب أهل البيت المصنوع من الطوب، ولا يجوز أن تمر تلك القصة دون تأمل لما وراء رموزها. ليندا كريستينسن في مقالها «فك رموز الرسوم التي تلوي عنقنا» تشرح كيف أن بيوت الطوب معروفة في أوروبا وأميركا، بينما يعيش سكان بعض بلدان آسيا في بيوت من قش للتتناسب مع البيئة، وليس لكسلهم أو جهلهم.

ولا تعلم هذه القصة الأطفال التنوع البيئي واختلاف شكل البيوت تبعاً لها، بل تثبت فيهم أن البقاء للأقوى لسكان الطوب، وكل من سكن القش والعصي يذهب هباء. ولأن الانتقادات زادت على الرسوم المتحركة الأميركية بشكل خاص التي تفضل عرقاً على آخر فإن شركة ديزني جعلت بعض شخصياتها الحديثة من أعراق متباينة أخرى كمولان وبوكاهونتاس عسى أن تغفر تلك الشعوب تجاهل الأدب لها فترة طويلة من الزمان.

لقد كان هدف هذه الدراسة لفت النظر إلى أخلاقيات وسلوكيات تتسرب إلى أطفالنا دون وعي، فقضية تشييئ المرأة، علاقة الخادم والمخدوم، صورة جسد المرأة المثالي، هدف المرأة في الحياة، سيادة العرق الأبيض، تنميط صورة زوجة الأب والفتاة البدينة، إباحة العنف وغيرها قضايا لا يمكن تجاهلها.

علينا كمربين أن نراقب ما يشاهده الطفل والمراهق وأن نصحح له المفاهيم فليس من حق علي بابا أخذ مال اللصوص باسم الفضيلة، ولا يصح أن تبحث الفتاة عن حيل لإدخال الفارس منزلها كما فعلت رابونزل مثلا. وعلينا كأسر أن ننشر الوعي بين بقية الأسر حتى يميزوا الخبيث من الطيب. ولله الحمد فإن البدائل الطيبة متوفرة ولكن علينا أن نبذل المزيد من الوقت للانتقاء والتقرب من عالم الصغار.