فتيات مواطنات لم ينتظرن وظائفهن المستقبلية حتى يسطرن من خلالها لوحات إبداع وتألق، ومن على مقاعد الدراسة كانت رسالتهن لا تنسى، حين أصرت مجموعة من طالبات قسم الإنتاج والإخراج التلفزيوني في كلية دبي التقنية للطالبات، على القيام بعمل غير تقليدي ينطق بالكثير من القضايا، يتجنب الخوض فيها كثيرون، فسؤال «أين نحن من الغد؟»

كان عنواناً بارزاً وقوياً لذلك العمل، وهو ما منحهن سلاحاً من الجرأة للإجابة عنه قدر ما تسمح لهن الظروف، خاصة وأنهن يتمتعن بمتابعة وإشراف وتحفيز أستاذهن السينمائي شاكر عيادي.

هذا الفيلم الجريء يسلط الضوء على قضايا مجتمعية وتغيرات على صعيد العلاقات الاجتماعية في دولة الإمارات، بنظرة جريئة وصادقة لفتيات مراهقات يعشن هذا الواقع، وكما يوضح شاكر عيادي فإن الفائدة ستكون أكبر تأثيراً إذا قام أصحاب الشأن بهذه المهمة، خاصة وأن الساسة في الغالب يرسمون خططهم للمستقبل دون الاستعانة بآراء المعنيين وهم الشباب الصغار، فكانت الفكرة أن يقوموا بهذا الدور، من منظورهن الخاص.

الفيلم يناقش حرية الفتاة الإماراتية ونظرة المجتمع إليها، رسم لأصحابه مكانة خاصة لدى عشرات الإعلاميين المشاركين في جلسات المنتدى الثاني للإعلام والطفولة الذي عقد مؤخراً في دبي وناقش قضية تعليم الفتيات، حيث تم عرضه كاستطلاع لنظرة الفتاة الإماراتية ورأيها في بعض الوقائع التي تعيشها ورؤيتها للمستقبل ضمن واقع المجتمع الإماراتي.

ولتوضيح هذه الرؤية الشبابية الجريئة، التقى «الجيل» بعض الطالبات اللواتي تناولن في رحلتهن البحثية مع الفيلم الوثائقي قضايا مجتمعية مهمة، إضافة إلى مدرسهن شاكر عيادي، والذي قال إن مركز «كوتر» لدراسات المرأة العربية طلب من إعلاميين عرب إنتاج الفكرة نفسها والتي تتحدد في فيلم وثائقي يروي نظرة الفتيات العربيات إلى واقعهن المعاش ومستقبلهن المنتظر.

رؤية واقعية

وعندما طلب من عيادي إنتاج مثل هذا الفيلم، آثر أن يمنح طالباته فرصة للتعبير عما يعشنه من واقع من منظورهن الخاص، لا سيما وأنهن يملكن الكثير من الإمكانيات والمهارات، «وأهل مكة أدرى بشعابها»، وبالتالي كان فريق مكون من 18 طالبة موزعات على خمس مجموعات تناولن في الفيلم خمس قضايا لتشكل في مجملها رؤية واقعية لثقافة مجتمع.

وكما تقول الطالبة الريم الطنيجي المسؤولة عن إنتاج وإخراج الجزء الذي يتحدث عن الهوية الإماراتية، فقد عرضت الطالبات قضايا متنوعة ومهمة وهي بالإضافة إلى الهوية الإماراتية، زواج المواطنة من الأجنبي، والتفريق بين البنات والشباب من منظور ثقافة العيب، ثم الرياضة النسائية والتطورات الحاصلة على «العباية» كزي إماراتي تقليدي.

الهوية الإماراتية

الريم واحدة من الطالبات اللواتي أبدعن في ذلك الفيلم، فهي عملت باقتدار ضمن القسم الذي يتحدث عن الهوية الإماراتية، ولهذا الغرض سعت إلى استطلاع للفتيات المراهقات اللواتي تحدثن عن إهمال اللغة العربية واللجوء إلى الإنجليزية، والسبب كما رواه أصحاب الشأن في الفيلم المدارس الخاصة، أو الزواج من أجنبيات،

رغم أن الكثيرات من الفتيات ارتأين أن التحدث باللغة الإنجليزية عموماً لا يعني التنازل عن الثقافة الإماراتية، فمعنى مواطنة أكبر من التحدث بلغة أخرى حسبما تعبر الفتيات، رغم أن بعض الأصوات كانت تطالب بضرورة التمسك باللغة العربية بغض النظر عن الظروف المعاشة.

الفيلم عرض أصواتاً أخرى تقر أنه متى كانت الإنجليزية لغة الأجيال المتعاقبة وأداة التفاهم التي تنتقل إلى داخل البيت الإماراتي، فمعنى ذلك انه انسلاخ عن الثقافة وإضاعة للهوية المحلية، لا سيما إذا دعمت هذه العناصر بتخلي الأجيال عن ارتداء العباية والكندورة، فالكرم والجود والسماحة التي يعرف بها شعب الإمارات لا تكفي لتحدد الهوية الإماراتية.

وقال شاكر عيادي أن الفيلم أتاح للشباب التعبير عما يجول في خاطرهم ضمن المنطق والحجج التي يتذرعون بها، فالآراء تناثرت حول ما يجسد الهوية الإماراتية ويبقيها، وخلاصة القول كانت أن الهوية ليست بالشيء الجامد الذي يأبى التغير أو مواكبة المتغيرات،

فالإمارات دولة تعيش واقعاً خاصاً، حيث أن أعداد الأجانب تفوق المواطنين، والإنجليزية هي اللغة التي تجمع بين هذا الكم المتجانس من الجمهور، فحماية الثقافة مسؤولية مشتركة، والبيت يمكن أن يساهم في الحفاظ على ثقافة ولغة الأبناء عن طريق الإبقاء عليها حية ومفعلة في ذلك الركن.

ثقافة العيب

الطالبتان ميثاء إبراهيم ومريم العور عملتا خلال فقرة محددة في الفيلم على موضوع التفرقة بين الشباب والبنات ضمن ثقافة العيب وكلمة (المنقود) حسب الثقافة الإماراتية، وركزتا على قضايا كثيرة تمس المرأة الإماراتية، ونظرة الفتاة المراهقة وهموم الجيل، وتطلعاتهن نحو المستقبل، وفي هذا الإطار تساءلتا: لماذا على الدوام يبقى الشباب مصرحا له بكل شيء، في حين تمنع البنات من أمور كثيرة!.

وعالجت الطالبات أمورا أخرى تصب في صميم العلاقات الأسرية والنظرة المختلفة إلى الأنثى أو «الخوف عليها»، فالشاب مثلاً يتأخر عن البيت كثيراً ولا أحد يلتفت إلى ذلك، في حين لو حصل ذلك مع الفتاة لأقيمت الدنيا ولم تقعد، إضافة إلى الصلاحيات الأوسع التي تمنح للشاب مقابل البنت، وهذه النظرة أو السلطة منحته إياها الثقافة السائدة في المجتمع.

وأكدت الطالبات أن هذه النظرة البالية لا تخص العادات والتقاليد، التي لا تقلل من شأن المرأة أو تحرمها من أخذ حقوقها كاملة، ومن خلال حديث الشباب حول هذه الأمور بدا واضحاً الخوف على الأنثى في ظل التصورات المتوارثة جيلاً بعد جيل، ولكن أكثر ما تحتاجه الفتاة اليوم هو الثقة، ومتى حصلت الأنثى على ثقة عائلتها استطاعت السير في دروب الحياة متسلحة بهذه الثقة التي تمنحها تعهداً خفياً بالحفاظ عليها.

وعلق عيادي على ذلك بأن الدين لا يقف عائقاً أمام تحقيق الفتاة لحلمها وطموحها، ففهم الدين لا يجب أن يكون جامداً أو فلكلورياً، والنساء في عهد الرسول عليه الصلاة والسلام كن يخرجن إلى الجهاد، ويمارسن التجارة، وهذه أمور يجب أن ينظر إليها بأعين أكثر اتساعا حتى لا تسلب المرأة حقوقها.

الزواج من أجنبي

وفوق ذلك فقد عرضت الطالبات موضوع زواج الفتاة الإماراتية من أجنبي، والذي جاء على شكل استفسارات أجاب عنها القانوني خليفة المحرزي، المستشار في العلاقات الأسرية.

مخرجة هذا الجزء من الفيلم الذي يطرق باب الزواج من الأجانب هي الطالبة وفاء فيصل، والتي اتصلت في لقطة من الفيلم مع إدارة الجنسية والهجرة تسألهم حول وجود قانون يمنع الزواج من أجنبي، وكما تقول الطالبات فإن ارتفاع نسبة العنوسة دفع بعض الإماراتيات إلى الزواج من الوافدين.

وفي فقرة أخرى من ذلك الفيلم تحدثت الطالبة المخرجة ندى سالم عن الرياضة النسائية، وبدايتها في دولة الإمارات، لا سيما وأن مثل هذه الألعاب ظلت ولمدة طويلة حكراً على الجنس الذكوري، وأشارت الطالبات إلى ظهور أول فريق نسائي لكرة القدم في أبو ظبي، إضافة إلى إقبال بعض الفتيات على رياضة الفروسية، وهذه مؤشرات على أن الفتيات بدأن الظهور والتألق في المجال الرياضي.

العباية الإماراتية

فيما تطرقت الطالبة حنان الملا في زاويتها من الفيلم الوثائقي إلى العباية الإماراتية، كيف كانت وإلى أي حد تطورت، حتى وصلت إلى درجات متنوعة تحمل فيها الكثير من التصاميم والأشكال والماركات الغريبة، في إشارة إلى العباية ليست وسيلة أناقة واستعراض بقدر ما هي أداة أو دلالة على الاحتشام المغروس في ثقافة الإماراتيات.

ذلك الفيلم الوثائقي الجريء يركز على هموم وقضايا متنوعة تعيشها الفتيات المراهقات، مع السعي لطرح حلول منطقية وتوعية المجتمع، وبحسب ما قالته الطالبات فإن الفيلم يعتبر طفرة إعلامية كونه يعرض القضايا المهمة من منظور خاص، في قالب واسع من المصارحة والمكاشفة.

بناء الشعوب

وكما يوضح عيادي السينمائي في تقنية الطالبات فإن رسالة الفيلم تبين وبسهولة تصور المرأة لمستقبلها في إطار الحاضر والواقع الذي تعيشه، وأي واحد يمكن له تصور مستقبله في إطار هذا النمو الاجتماعي والثقافي، والذي يحاول مواكبته بعيداً عن القوانين التي تشل الحركة والتطور، وفي هذا الأمر لا جدوى من الشعارات بعيداً عن التطبيق، فالواقع أن الدول تبني شعوباً وليس بنايات وأبراجا صامتة، ومن هذا الإطار فلابد لنصف المجتمع الآخر أن يقول كلمته.

في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة الأميركية إحدى أعرق الجامعات العالمية في المجال السينمائي، تم عرض هذا الفيلم، وكانت النتيجة مبهرة للموجودين سواء كانوا مدرسين أو طلبة، الذين أكدوا تفوق هذه الفكرة بالرغم من الإمكانيات المحدودة المتوفرة لهم.

هذا الفيلم فاز في مسابقة أفلام الإمارات كأفضل فيلم وثائقي للعام 2006، وتم عرضه في منتدى الطفل العربي والإعلام الذي عقد في دبي مؤخراً ونال إعجاب عدد كبير من الإعلاميين على مستوى العالم العربي، وبحسب ما تقول مخرجات الفيلم فهن يسعين الآن إلى عرضه في دور السينما المحلية، حتى يتسنى للجمهور الإماراتي الحكم عليه، كونه يعالج قضايا مجتمعية من منظور جريء وواقعي

دبي ـ عنان كتانة: