ميس أحمد طالبة في الصف التاسع في مدرسة العلا الخاصة في الشارقة ورغم فقدانها نعمة البصر إلا أنها تغلبت بشجاعة وإصرار على الإعاقة وبدأت حياة لا يوجد لمصطلحات اليأس أو الحزن وجود فيها، فهي تؤمن بان هذا قضاء الله وعليها تقبله. ميس مرهفة الأحاسيس وقد تكون من الحالات الطبية النادرة فإصابتها منذ الولادة بسبب عدم اكتمال نمو أجزاء العين شكل صدمة لأسرتها التي عملت برباطة جاش لجعلها فتاة عادية تستطيع الاعتماد على نفسها في كل تفاصيل الحياة والتواصل مع المجتمع المحيط دون خوف أو تردد ،
وبرغم تضحيات الأسرة في بداية الأمر كانتقال الأم بصحبة ميس إلى القدس لتلتحق بمدرسة خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وبقاؤهما لمدة أربع سنوات مخلفة في إمارة الشارقة أسرتها التي كانت بأمس الحاجة لها إلا ان مي والدة ميس قررت منح ابنتها سلاحا في الحياة لذا أخذتها كي تتأسس دراسياً في واحدة من أقوى المدارس على مستوى المنطقة، خاصة أن ابنتها أبدت نبوغا منذ صغرها في مختلف المواد الدراسية وكانت الأولى على صفها.
وبعد عودة ميس إلى الشارقة بذلت والدتها جهودا لتدرس في مدرسة عادية لدمجها مع الأسوياء لتألف عالمهم وتعتاد عليه إلا أن الرفض كان الحليف الدائم لها حتى قبلت مدرسة العلا الخاصة ميس باعتبارها حالة نادرة ونموذجا مشرفا للتفوق و منذ خمس سنوات وهي لا تزال طالبة في المدرسة ذاتها وتحصل بشكل سنوي على التفوق مع مرتبة الشرف.
وترى ميس أن أفضل ما تعلمته هو الاعتماد على النفس وعدم الركون إلى الفشل والاتكال على الآخرين مؤكدة أنها تؤدي كل ما يطلب منها دون اعتبار لعدم قدرتها على الإبصار فهي تساعد والدتها في أعمال البيت المنزلية وحتى كي ملابسها فهي تقوم به معتمدة على حاسة اللمس.
وقالت ميس يظن البعض ان الإنسان الكفيف هو إنسان عاجز غير قادر على القيام بواجباته مع العلم ان فاقدي نعمة البصر هم أكثر الناس اعتمادا على أنفسهم وحرصا على ان لا يكونوا عالة على الآخرين فانا مثلا ارفض ان يقودني احد إلى أي مكان في المنزل وأحفظ مواقع الأشياء كراحة يدي وامثل مصدر عون للأسرة وليس العكس ، مشيرة إلى ان المشكلة في المجتمع نفسه وعدم تعاونه أو تقبله لشخص ضرير في العمل أو في أي موقع كان لذا فان المجتمعات العربية كلها ودون استثناء تحتاج إلى توعية فهي جاهلة بكيفية التعامل مع فئة المكفوفين ويصل الأمر أحيانا إلى إقصائهم أو قول الكلام الجارح.
وتحدثت ميس عن علاقتها بزميلاتها في المدرسة معتبرة جميع الطالبات صديقات لها يساعدنها إذا احتاجت شيئا ويلازمنها في غالبية الأحيان كظلها ليس بدافع الشفقة بل حبا لها ولشخصيتها التي وصفتها بعض معلماتها بأنها شفافة وصادقة مثمنة في الوقت ذاته تعاون إدارة المدرسة ومدرسيها إذ أن حالة ميس تستوجب طريقة وأساليب خاصة في التدريس، ومع أن الهلال الأحمر الإماراتي يوفر لها الكتب المدرسية بنظام بريل الخاص بالمكفوفين إلا أن تقديم الامتحانات يتم عبر لجنة خاصة.
فايزة خميس وكيلة المدرسة أكدت ان ميس التي كرمت على أنها الطالبة المثالية في المدرسة تعد مصدر فخر لأسرة العلا كاملة فهي من الخمسة الأوائل على مستوى صفوف التاسع إضافة إلى الذكاء المتقد الذي حباها الله به، والأخلاق العالية التي تتصف بها جعلتها نموذجا يحتذى به من قبل الطالبات اللواتي لمسن فيها تشبثها بحياة أفضل وعزيمتها وطموحاتها التي لا تحدها سماء ولا ارض ، مضيفة ان الإعاقة ليست إعاقة الجسد بل هي إعاقة العقل فكم من مبصر هو في الحقيقة أعمى البصيرة وميس تبصر بالإيمان.
والدة ميس قالت انني أؤمن بالآية الكريمة، قال تعالى «فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور..» هذه الآية تجسد فعلياً واقع المكفوفين وعلى الرغم من حزني الشديد لمعرفة ان ابنتي لا تبصر كغيرها من الصغار إلا انني صبرت وشكرت الله على هذا الابتلاء الجميل ومع تفتح وعي ميس لمست مدى ذكائها وقوة شخصيتها واعتمادها واستقلاليتها بذاتها مما أعطاني شعورا بأنها أكثر تميزا من الأسوياء
ولعل هذا الشعور الذي لازمني هو الذي خفف عني حدة المصاب خاصة بعد ان رزقني الله بطفلة أخرى تعاني ذات المشكلة فهي لم تبلغ الرابعة من العمر الا انني استطعت بمساعدة ميس وشقيقتيها ان نتغلب على المشكلة ورنيم ابنة الأربعة أعوام تسير على درب شقيقتها وهي ذكية تحفظ الأناشيد والأشعار ولديها قدرة عالية على التواصل مع الآخرين دون خوف أو حرج.
الأم تبذل كل جهد لتؤهل ابنتيها بكل أسلحة العلم ولان الثورة التكنولوجية هزت العالم ولم تصل فقط للمبصرين بل وصلت بتطورها للمكفوفين إذ تم ابتكار جهاز خاص بالمكفوفين وضعاف البصر ومعه هاتف صوتي وبرامج صوتية إلا ان هذا الجهاز الذي يتجاوز ثمنه الثلاثين ألف درهم اكبر من إمكانيات الأسرة المتواضعة.
ميس تتمنى ان تحصل على جهاز الكمبيوتر لتتمكن من مواكبة أقرانها ومشاركتهم عظمة هذه التقنية خاصة وان هذه الأجهزة تساعد المكفوفين على القراءة بنظام بريل المعروف مما يسهم في زيادة قاعدتهم المعرفية وإثراء عقولهم بسيل من المعلومات تتيحه الشبكة العنكبوتية.
الفتاة الكفيفة تتمنى ان تكمل دراستها في مجال الشريعة لتصبح من الداعيات لرسالة الدين وهي تعلل توجهها إلى هذا التخصص دون غيره بان الدين خلاص للبشرية من كل المشاكل التي تحيق بها كما انها تحب الدين الإسلامي وتعتبر ان الله كرم المسلمين بان جعل دينهم الإسلام ،
لافتة الى ان قراءة القرآن تمثل طقسا يوميا في حياتها فلا يمكن ان يمر يوم دون ان تقرأ أجزاء منه عدا عن حفظها للعديد من السور القرآنية خاصة في شهر رمضان فهي تتكبد عناء حمله من البيت يوميا لتستغل أوقات الفراغ في قراءة القرآن مشيرة إلى انها وقبل ان تتمكن من شراء القرآن بنظام بريل من جمهورية مصر العربية كانت تسمع للقرآن من خلال الأشرطة المسجلة ومن والدتها أو شقيقاتها ، وترى ميس ان القرآن يغذي الروح ويشعر المرء بطمأنينة وسكينة.
وقالت ميس :المكفوفون لهم عالمهم الخاص يعيشون ويختبرون عوالم أخرى يتخيلون العالم ويرسمون له صورة قد تكون مطابقة للواقع أو مغايرة له إلا أن خيالهم خصب ورؤيتهم للأمور ثاقبة وفيها نوع من الحكمة ، مشيرة إلى أن هذه الفئة منتجة فحرمان نعمة البصر لا تعني بأي شكل من الأشكال فقدان القدرة على العطاء والإبداع وخير مثال الأديب المصري طه حسين .
يذكر أن ميس لديها موهبة الرسم حيث تتلمذت في مركز الفن الخاص في الشارقة وأقامت قبل سنوات معرضا فنيا ضم أكثر من 25 لوحة تجسد الطبيعة وجمالياتها إلا أن هذه اللوحات بقيت في القدس التي تتمنى ميس أن يأتي اليوم الذي ترفع فيه راية التحرير فيها لتصبح فلسطين المحتلة كأي بلد آخر يستنشق عبير الحرية ويعيش في حبور ووئام
الشارقة ـ نورا الأمير:

