فكرة صغيرة مجردة وبدائية، تقدم بها الطالب حسن أحمد العلماء من الصف الخامس بمدرسة عمر بن الخطاب النموذجية فلاقت آذاناً صاغية وقبولاً من المدير والمعلمين، وبعد إمعان النظر فيها، اقتنعوا بجدواها وآثروا تطوير بعض أركانها، في آلية تجعل منها أكثر قابلية للتطبيق والتعميم، لتكون فيما بعد المسابقة الإلكترونية الأولى على مستوى مدارس منطقة دبي الحكومية والخاصة.
ومع انتهاء المدرسة من تفحص وتحليل للفكرة، تم إعداد مشروع مبدئي يوضح آلية طرحها والأهداف التي بنيت على أساسها، ثم نقلت إلى المنطقة التعليمية ووزارة التربية والتعليم لتخرج من هناك مباركة ومؤيدة، ويكون بذلك الصغير حسن نموذجاً سباقاً قادراً على التواصل والمبادرة، وقد أثبت للجميع أنه على قدر من المسؤولية، وصاحب نظرة ثاقبة تؤهله للإبداع والتألق.
وبعد أن عادت الفكرة بثبات التأييد والمباركة، وتم تحديد موضوعها في دورتها الأولى، الذي يتحدد في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وإظهار سيرته الحميدة، وجهت دعوة مشاركة لمختلف المدارس، بشرط أن يكون المتنافسون من طلبة المرحلتين الأولى والثانية، وأن تشتمل الأعمال المقدمة على الجانبين البحثي أو النظري والتطبيق المبني على برامج الحاسوب المتطورة.
ومتى توافرت هذه الشروط في الأعمال الطلابية المتقدمة للمسابقة البكر هذه صار الاحتفال بها واجباً، لاسيما وأن عدد الطلبة المنضوين تحت رايتها بلغ 108 طلاب وطالبات، أتوا من 32 مدرسة حكومية وخاصة للحلقتين الأولى والثانية، وجميعهم قدموا عروضاً متطورة ومتميزة تتوافق وبرامج الحاسوب الحديثة، والتي جسدت المهارات الفنية والتطبيقية إلى جانب المعرفية والبحثية.
غرس حب الرسول
هدف هذه المسابقة كما يقول القائمون عليها يتمثل في غرس حب الرسول الكريم في نفوس الطلبة والتعرف على سيرته من خلال البحث العلمي، إضافة إلى صقل مواهب الصغار في مجال تقنيات الحاسوب، إذ أنه من المهم لفت انتباه الأطفال في هذه المرحلة، وعن طريق مشاريع بحثية إبداعية، إلى الأمور الدينية والمجتمعية في مثل هذه الظروف التي تتداخل فيها الثقافات المتنوعة.
موضوع المسابقة وفي دورتها الأولى بحسب اختيار المنظمين لها تحدد هذه المرة في نصرة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو ما تطلب مشاركة من معلمي التربية الإسلامية في المدرسة، والذين رتبوا الشق المعرفي فيها، وألقي جانبها التقني والإلكتروني على عاتق معلمي الحاسوب، وفي النهاية تكاتفت لجنة مشتركة من المعلمين والإداريين وبعض الموجهين من أجل تقييم الأعمال المعروضة والمشاركة.
بحث إلكتروني
رامي دالاتي مدرس الحاسوب في نموذجية عمر بن الخطاب وعضو لجنة تحكيم الأعمال المشاركة، قال إن شرط قبول الأعمال كان إمكانية عرضها بواسطة «البور بوينت»، حيث تألفت المسابقة من عشر شرائح معروضة، وكل واحدة احتوت على عدة حركات ومؤثرات صوتية، فكانت النتيجة أشبه ببحث إلكتروني مبدع ويفوق أعمار صانعيه.
أحمد الملا مدير نموذجية عمر بن الخطاب اعتبر أن الكثير من الأفكار المبدعة عادة ما يأتي بها الطلاب الصغار، فإدارة المدرسة تبقي من جانبها باب الحوار والمشاركة مفتوحاً على مصراعيه لكافة الطلاب، حيث تدرك أن خيال الصغير واسع ومداركه خصبة أكثر من غيره، وبالتالي كانت المسابقة اللافتة تلك نتاج فكرة بسيطة لطالب صغير.
مبادرة طالب
ذلك الطالب أتى إلى مدير المدرسة وطرح عليه إجراء مسابقة إلكترونية بين طلاب المدرسة، وبعدها تمت متابعة الفكرة وتطويرها لتشمل مدارس المنطقة كافة، فهي مبادرة ناجحة كونها تحمل دمجاً تعليمياً بين التقنية الحديثة والجانب المعرفي عند الطلبة، وعلى ضوئها تم تشكيل فريق عمل يشمل عدداً من المعلمين مع موجهين من المنطقة التعليمية.
وبخصوص فكرة التطبيق فقد أجمع فريق العمل أن تكون مرتبطة بقضية آنية ترافقها أحداث متواترة، وكان للرسوم المسيئة للرسول الكريم، والتي تصدرت هذا العام الأحداث السياسية والدينية، النصيب الأكبر في تحديد المادة البحثية، حيث تعد السيرة النبوية زاخرة بالمواعظ والمواقف التي لم يتطرق إليها الكثيرون، وبالتالي فإن الهدف من هذه المسابقة المتواصلة على مدى الأعوام المقبلة لا بد وأن يظل نبيلاً.
قضية الساعة
محور البحث في كل عام سيبقى حول حدث يهم المجتمع بغض النظر كان اقتصادياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو تربوياً، إذ تعنى بتحديده لجنة مختصة تأخذ بعين اعتبارها الأحداث التي تسمى بـ «قضية الساعة»، أو الساخنة حيث يبقى الجهد منصباً على طرق أبواب قضايا لا يزال يتردد صداها في المحافل المختلفة، حتى تكون فائدة البحث أكبر وأجدى بعيداً عن الموضوعات التقليدية.
وكما يوضح الملا فإن إتاحة المجال أمام الطالب في البحث عن معلومة دقيقة أمر في غاية الأهمية، يكسبه مهارات جديدة منها انتقاء الحقائق، وبذلك يأخذ المعلومة التي يعثر عليها عن قناعة وتفهم، لاسيما إذا كان موضوع المسابقة حدثاً شائكاً تتناثر حوله المعلومات، في آلية من الشد والجذب، وبالتالي يبقى الطالب صاحب الكلمة الفصل في البحث عن الحقيقة في مختلف الظروف.
شخصية متماسكة
هذه المسابقة وكما رسمت أهدافها القريبة أو البعيدة، تسهم في بناء شخصية متماسكة تجمع بين تقنيات الحاسوب التي تغزو بيوتنا ومدارسنا، ومهارات البحث التي يحتاجها الطالب والموظف والباحث أينما وجد، فالبحث أو التعلم الذاتي مطلب عصري تتجه إليه الكثير من الدول المتقدمة، وجوهر المسابقة يصب في هذه الخانة.
ولم يخفِ مدير المدرسة إمكانية تطوير قالب المسابقة الإلكترونية عن طريق التوسع والتحفيز، بحيث يتم إدخال شروط جديدة تنص على إدراج برامج حاسوب أكثر تطوراً، وطرح موضوعات أكثر عمقاً، فالمرحلة المستهدفة هي الحلقتان الأولى والثانية، وهي الفئات التي تملك المبادرة والقابلية والتأثر بشكل كبير يفوق غيرها.
المياه الراكدة
المشاركة في تلك المسابقة وبالرغم من أنها في دورتها الأولى فاقت التوقعات، كما قال مدير المدرسة، حيث أن من شأن هذه المنافسات أن تثري الميدان وتحرك المياه الراكدة، لاسيما وأنها تتسم بجودة عالية في الأداء، والنظرة بشكل عام تقود إلى أن تكون هذه المسابقة خلال الأعوام المقبلة على مستوى الدولة أو حتى دول مجلس التعاون الخليجي.
وضمن الدورة الأولى للمسابقة الإلكترونية وفي موضوع نصرة النبي الكريم تهافتت عشرات المشاركات المتميزة، في بادرة تدل على إقبال كبير وشعبية كافية لنجاح دوراتها المقبلة، وكانت الفائزات في المركز الأول في تلك المسابقة الطالبات: روضة حسن وأمينة مرزوق وحوراء عبد الجبار من مدرسة الألفية للتعليم الأساسي.
أما المركز الثاني فكان من نصيب الطالب زياد غازي محمد هارون من مدرسة السعيدية للتعليم الأساسي، وراح المركز الثالث إلى الطالبة ميثاء إبراهيم الصفار من مدرسة جميرا النموذجية، بينما جاء في المركز الرابع الطالب حمد الحمادي من مدرسة عمر بن الخطاب النموذجية.
وفي حفل تكريم خاص أقامته المدرسة في مبنى وزارة التربية والتعليم، تم عرض الأعمال المتميزة للطلبة الصغار، وتكريم الفائزين في المسابقة، وحضر الاحتفال بالإضافة إلى مدير المدرسة واللجنة المسؤولة عن المسابقة، الدكتور جمال المهيري وكيل وزارة التربية والتعليم، وخليفة بن فارس مدير منطقة دبي التعليمية، فكانت الخاتمة لائقة بمسابقة تربوية تعالج قضايا معاشة وتنمي لدى المتبارين مهارات مختلفة، وبذلك تكون قد جسدت مقولة مشهورة عنوانها «عصافير عدة في حجر واحد»
دبي ـ عنان كتانة:


