نوال إبراهيم عبد الرحمن ابنة الواحد والعشرين ربيعاً، فتاة إماراتية حلمت وأصرت على انتهاج سبل مختلفة، والتألق في أدوار لم تلعبها مثيلتها الإماراتية، فقد تمكنت من الوصول إلى رتبة «ضفدع بشري» في مجال الغوص أو منقذة غواصين، ومع نهاية العام المقبل ستسجل رقماً قياسياً آخر وتصبح أول مدربة غوص إماراتية، وبذلك تمهد هذه الفتاة الطريق أمام زميلاتها الإماراتيات في نادي تدريب رسمي، لاكتشاف عالم مظلم ظل طويلاً حكراً على الذكور من منطلق ثقافة العيب المجتمعية، والتي ترى فيها أداة لقتل طموح الفتاة وإبداعها.
وقبل ذلك اختارت نوال ان تكون اسماً معروفاً في عالم كرة الطائرة النسائية ضمن منتخب الإمارات، ومنذ كان عمرها سبعة أعوام توفرت لها فرصة تعلم وممارسة السباحة، حيث مكان عمل والدها في البحر، والذي بدوره ظل يشجعها ويعلمها فنون السباحة، بينما هي كانت ترغب دائماً في التواجد إلى جانبه أثناء عمله في البحر، وبعد أربع سنوات أمضتها نوال إلى جانب والدها هناك رحل عنها ذلك الرجل، فتأثرت كثيراً وقاطعت مياه البحر لأربع سنوات أخرى، قبل أن تعود ثانية إلى ممارسة السباحة في أندية السيدات في الدولة.
إرادة وتحد
وعلى الرغم من المعارضة الشديدة التي واجهتها هذه الفتاة من أقاربها وزميلاتها، إلا انها استطاعت وبسلاح الإرادة والتحدي مواصلة دربها غير المعبد متسلحة بقناعتها الشخصية، وفضول تحقيق أحلامها الصعبة، فهي تقطن منطقة الراشدية في دبي، وذات يوم وقبل ثمانية أشهر تحديداً، وبينما كانت في طريقها إلى الجميرا استوقفتها لوحة تشير إلى «نادي البوم للغوص»، وكان لهذه النظرة أن تلقح فكرة السير في مجال الغوص.
تقول نوال: جئت إلى ذلك النادي وقابلت محمد حلمي المدرب المسؤول فيه، وسألته عن الرتبة الأعلى في مجال الغوص، فأجاب: المدرب، عندها قلت له أريد ان أكون أول مدربة غوص إماراتية، وكان لوقع هذه الكلمات تأثير كبير على المدرب الذي لم يواجه مثل هذا الأمر من قبل.
معارضة كبيرة
وعند هذه النقطة تحديداً اصطدم طموح نوال الفتاة الصغيرة بمعارضة كبيرة من زميلاتها اللواتي وقفن بوجهها محاولات ثنيها عن الاستمرار في هذا النهج الغريب، إضافة إلى استهجان والدتها التي نصحتها كثيراً بالتوقف، لكن وفي المقابل واصلت نوال وبخطوات واثقة مشوارها وكأنها لم تسمع شيئاً، واستطاعت في تعلمها للغوص التألق والتعلم بدرجة سريعة ولافتة، وهو ما كان سبباً في تقبل الوالدة والكثير من الصديقات لفكرتها وإصرارها، وتحولت المعارضة إلى تأييد، لا سيما وأن مدربها محمد حلمي وقف إلى جانبها بحزم ولبى رغبتها القوية في تعلم الغوص.
ضفدع بشري
وبحسب ما ترى هذه «الضفدع البشري» فإن مهنة أو هواية الغوص لا يمكن وضعها في إطار المحرمات أو المحظورات أو حتى المعيبات بالنسبة للمرأة، والفتاة قادرة على السير في هذا المجال إن امتلكت الإرادة والقوة، فالغوص لا ينتقص من دور أو أنوثة الفتاة، واللباس المخصص للغوص غير فاضح كما يتصوره البعض، ويمكن للفتاة بغض النظر عن الديانة أو الثقافة التي تعيش في إطارها أن تمارس هذه المهنة، وهي كما تقول تعرف الكثير ممن يحلمن في تعلم الغوص، ولكنهن يخشين إما من البحر أو من ثقافة العيب في المجتمع ومعارضة الأهل.
«القيل والقال»
أما نظرة نوال فكانت أكثر قوة ولا تأبه إلى «القيل والقال» كما أوضحت، وسارت في عالم آخر بكل ما فيه من متعة وتألق، وراحت تؤكد قوة أنوثتها وكيانها الخاص في أعماق المحيطات والبحار، وهي لا تنوي إكمال دراستها الجامعية، رغم انتهائها من الثانوية العامة بنجاح من مدرسة سكينة الثانوية، وفي نهاية المطاف فهي تريد تخصصاً آخر لا تعرفه الكليات والجامعات ولا حتى الفتيات الإماراتيات، وتريد أن تصبح أول مدربة غوص إماراتية، وبذلك تبني لنفسها كياناً مختلفاً، ومن خلاله تساعد الفتيات الأخريات للدخول في مجال الغوص عن طريق النادي المختص بتعليم هذه المهنة للفتيات.
نظرات متسائلة
طموح هذه الفتاة رسخ ثبات خطواتها وتماسكها في مشوارها مع الغوص، حتى صارت نجمة تزداد تألقاً في محيط معتم بالنسبة للأنوثة، وبينما كانت هذه الشابة ترتب أدوات الغوص استعداداً للنزول في الأعماق المجهولة، لم تفارقها نظرات متسائلة من الفتيات الأجنبيات اللواتي يتدربن في ذلك النادي، والتي تعبر عن استغرابها لمشهد تلك الفتاة وهي تشق طريقها بفخر وقوة (العباية والشيلة) الإماراتية بين عشرات الأجنبيات اللواتي لم يعتدن هذا المشهد من قبل، أو بالأصح لم يتوقعنه كما تشير نظراتهن المندهشة. وفي مشهد مليء بالثقة ويحرسه سلاح الطموح وقفت نوال الشابة الصغيرة تقول:
ما أراه ربما لا يتواءم مع غيري، فأنا الفتاة الإماراتية الأولى التي تصل إلى رتبة «الضفدع البشري» في الغوص، ومنذ طفولتي كان ينتابني شعور مختلف يدفعني إلى شق طرق غير مأهولة، واقتحام مجالات لم تعرفها الفتيات، وبفعل الإصرار والطموح المغروس في كياني استطعت التغلب على الرفض وتحدي الانطباعات المتجذرة في ثقافة المجتمع بأن الغوص مهنة ذكورية، وفخر لي أن أكون النواة الأولى في عالم الغوص بالنسبة للفتاة الإماراتية، وسآخذ بيد زميلاتي إلى ما يطمحن إليه بعدما أنهي مشواري مع التدريب وأتمكن من فتح نادٍ خاص لتدريب الفتيات.
سلم المحترفين
وإضافة إلى قوة الإصرار والطموح التي تتسلح فيها هذه الشابة فقد كان لمدربها الكابتن محمد حلمي دور كبير في استمرارها وقطعها لشوط كبير مع الغوص في فترة قياسية كما قالت، فهو من وقف إلى جانبها ومهد الطريق أمامها لتسير بإصرارها دون تعثر أو تردد.
وفي تعليق له أوضح حلمي أن نوال إبراهيم تمكنت بسرعة كبيرة من إثبات ذاتها بصورة غير مسبوقة، وفي مدة لا تتجاوز الثمانية أشهر اجتازت هذه الشابة دورات مختلفة، حيث بدأت بدورة المياه المفتوحة ثم دورة الغواص المتقدم ودورة الإسعافات الأولية، ودورة منقذ غواصين أي ضفدع بشري، وتسير حالياً في دورة مشرف غواصين وهي العتبة الأولى في سلم المحترفين، يلزمها بعد ذلك دورة مساعد مدرب ثم أخرى مدرب، وتكون بذلك تربعت على عرش مهنة الغوص، حيث من المتوقع أن تصل إلى خط النهاية مع أواخر العام المقبل.
أول مدربة إماراتية
ويضيف إن عدد الأندية التي تدرب على الغوص في إمارات الدولة المختلفة تصل إلى ما يقارب العشرة، وبشكل عام ظلت الفتاة الإماراتية العنصر الأقل تواجداً في هذا المكان، ونسبة قليلة جداً منهن طرقن باب الغوص، ولم تصل أية فتاة إماراتية حتى الآن إلى ما وصلت إليه نوال «الضفدع البشري»، والتي ستكون خلال فترة قريبة أول مدربة غوص إماراتية، وبذلك تسجل رقماً قياسياً وتكون ثالثة أنثى مدربة على مستوى دول مجلس التعاون الخليجي، حيث توجد واحدة في الكويت وأخرى في المملكة العربية السعودية.
العنصر الأنثوي الأجنبي
وكما يؤكد المدرب محمد حلمي فإنه وبمجرد أن زارت نوال النادي وتحدثت إليه بلغة صريحة وواثقة قائلة «أبغي أكون مدربة»، انتابه شعور مختلف وراح يفكر فيما قالت وحقيقة ما تطمح إليه، لا سيما وأنه اعتاد التعامل مع العنصر الأنثوي الأجنبي فقط، وفجأة تظهر له فتاة إماراتية من مجتمع ربما لا يتقبل بسرور مثل هذه المبادرات، لكنه لم يتوان على تشجيعها والأخذ بيدها نحو تحقيق ما تصبو إليه، بالرغم من خشيته ألا تسير مع التدريب بالشكل المطلوب، وفي تلك المرحلة بدأ معها دورة للمياه المفتوحة، وتفاجأ كثيراً من سرعة استيعابها وتميزها وإتقانها لما تتعلم، وهو ما دفعه إلى الانتقال معها إلى مستويات أعلى.
ويوضح أن تلك الشابة تملك إرادة كبيرة، وأسلوباً مرناً في تعاملها مع التدريب أو حتى مع الفتيات الأجنبيات في النادي، وصارت تتقدم بسرعة في دورات مختلفة ومركزة، وفي فترة الثمانية أشهر بدأت تمارس الغوص في رحلات منتظمة وبصورة مستمرة، في دبي والفجيرة وسلطنة عمان، وإلى الآن استطاعت القيام بأكثر من سبعين رحلة غوص على طول فترة التدريب، وهذا رقم كبير قلما تجد متدربين يصلون إليه، فطموح هذه الفتاة ساعدها على النجاح، حتى صارت حالة خاصة لا مثيل لها
دبي ـ عنان كتانة:



