تعد الروائية التركية بيرهان ماغدن من أكثر كُتاب العصر الحالي ابتكارا وصراحة. فأسلوبها المُبدع في استخدام اللغة التركية والاستمتاع الذي تبديه في تناول زخم وقوة الثقافة الشعبية، وجرأتها المذهلة في تناول موضوعات تشغل فكر الجميع ممن يريدون الكتابة عنها لكنهم يحجمون عن ذلك إيثارا للسلامة، - كل تلك المميزات أكسبتها حُب قُرائها واحترام زملائها الكُتاب.

إن ذكاءها الاستثنائي وتأنق أسلوبها كما هو باد في أعمدتها التي غالبا ما تكون مثيرة للجدل ويتابعها عدد كبير من القراء يظهران أيضا بشكل جلي في رواياتها، التي تُرجمت ونشرت اثنتان منها أخيرا باللغة الانجليزية. ففي روايتي «الفتاتان» و«قتلة الفتى الرسول» (وهما الروايتان المفضلتان لدي) استطاعت ماغدن أن تجمع بين الميل إلى كل ما هو غرائبي ومُدهش وبين الشعور الإنساني الطبيعي لتنجح بذلك في استدعاء عالم من إبداعها إلى ذهن القارئ.

و لكن بالنسبة لي وبالنسبة أيضا لعدد كبير للغاية من القراء الذين يحبون أن يبدأوا يومهم بشعور يجمع بين الغضب والفرح وبقراءة كلمات بارعة يكتبها شخص ما، فإن الإدمان الحقيقي هو على قراءة ما تكتبه ماغدن في أعمدتها الصحافية.

فعندما تستهدف في كتاباتها ممثلا ما أو مطربا شعبيا يدّعي أن ميوله غربية وأنه ينحدر من أصول أفضل من أصولها أو مسؤولا رفيع المستوى غارقا في الابتذال أو شخصية إعلامية كل همها أن تكون ظاهرة لأطول وقت ممكن على شاشة التلفزيون أو وزيرا عديم القلب يرفض أن يُبدي أي اهتمام بالمظالم أو سياسيا يستغل الأيديولوجيا لأغراض دنيئة.

أو أحدث المناورات الخاصة بمغن عربي، أو كاتب عمود يختلق أسخف الأعذار لتملق السلطة من أجل أن يُبرر ظلما لا سبيل إلى الدفاع عنه بأي شكل من الأشكال- عندما أقرأ ما تكتبه عند تناول أي من تلك الشخصيات وعلى الرغم من أنني لا أتمالك نفسي من الضحك بسبب ما تخُطه من نكات بارعة وما تبديه من صياغة أنيقة ومبدعة لأفكارها، فإنني أجد نفسي مضطرا إلى التساؤل عن شخصية ونمط هذه الكاتبة البارعة.

ولدت ماغدن في اسطنبول. وعلى الرغم من أنها درست علم النفس في الجامعة إلا أنها اختارت أن تمتهن الكتابة. والآن هي أم لفتاة عمرها 12 عاما، ومنذ طلاقها من زوجها تقوم بتربية ابنتها بمفردها ولا يُعينُها في ذلك سوى ما تكسبه من عملها بالكتابة، وهو أمر لا يمكن أن يكون يسيرا على الإطلاق. ويلعب كُتاب الأعمدة في تركيا دورا مساويا في الأهمية للدور الذي يلعبه محررو الأخبار في تكوين الرأي العام.

وفي تركيا فإن معظم كتاب الأعمدة من الرجال. والحفنة القليلة من السيدات اللواتي يكتبن أعمدة يتمتعن بشكل عام بحماية أزواجهن أو يعتمدن على صلات عائلية سرية، ومن ثم لا يُمكن اعتبارهن مستقلات.

وفي المقابل فإن كاتبة العمود التي لا تتمتع بحماية تدفع ثمنا باهظا في حالة تعبيرها عما يدور في خلدها بشكل صريح. وترى ماغدن أن هؤلاء الذين قامت بنقدهم في الماضي قد انتقموا منها عن طريق التنصت على مكالماتها الهاتفية وبجمع معلومات عن حياتها الشخصية.

وعند تناول شخصية ماغدن من خلال هذا السياق، يتبين أن الكتابات النارية التي تسطرها هذه المؤلفة (والتي يعرف الجميع أنها نابعة من القلب) وما تتمتع به من استقلالية قتالية وضمير فولاذي- كل تلك الأمور تجعلها تنتمي إلى هذا النوع من النساء المستقلات اللواتي رآهن مصطفى كمال أتاتورك في مستقبل تركيا عندما أسس الجمهورية التركية.

إن الإصلاحات الغربية التي تقوم عليها مبادئ الجمهورية التركية تدعو إلى تخليص النساء من سيطرة الرجال بالقدر ذاته الذي تدعو فيه إلى تقليص الدور الذي تلعبه الأيديولوجيا في الحياة العامة.

لكن سخرية القدر هي التي تجعل من الجيش التركي، الذي يرى نفسه في موقع «المدافع عن ثورة أتاتورك» هو نفسه الطرف الذي يهدد الآن بمحاكمة تلك الحرية التي قامت عليها الثورة.

لقد كلفت مثل تلك الكتابات ماغدن سنوات طويلة من المحاكمات العامة والخاصة في الماضي. وعدد كبير من السياسيين الذين انتقدتهم أقاموا دعاوى قضائية ضدها.

وقد قضت وقتا طويلا داخل مكاتب المحامين وساحات القضاء. وحاليا تتهمها القوات المسلحة التركية ب« تحريض الشعب ضد الخدمة العسكرية»، وذلك على الرغم من أن ماغدن في كتابات عديدة لاحقة أكدت بما لا يدع مجالا للشك أن هذا لم يكن هدفها على الإطلاق.

ترجمة: حاتم حسين

عن: «غارديان»