يعتبر وزير الخارجية الاسباني ميغيل أنخيل موراتينوس رجل سياسة شديد التفاعل في عالم متسارع. فهو لا يتوقف عن التأثر وبسهولة عند سماع نبأ آت من هنا أو هناك، سواء كان الأمر يتعلق بالأزمة التي تشهدها جزر الكناري، التي يعتبرها إحدى ثمار العلاقة الجديدة بين اسبانيا والمغرب أو بالموجة الشعبوية في فنزويلا وبوليفيا، التي يقول بصددها:

«لنكن موضوعيين ولنراجع المعطيات، وسنجد أن هذين البلدين ليسا محور سياستنا في أميركا اللاتينية، فالمكسيك أهم منهما بكثير». صحيفة «لا فانغوارديا» الاسبانية التقت عميد الدبلوماسية الاسبانية وكان لها معه الحوار التالي:

* اسبانيا لديها مشكلة جسيمة عند حدودها الجنوبية، فالتوافد المتواصل للمهاجرين على سواحل جزر الكناري يجبر السلطات على اتخاذ تدابير طارئة وتصعيد العمل الدبلوماسي باتجاه أفريقيا جنوب الصحراء، ويبدو مجددا أن الواقع يتحرك بشكل أسرع من خطط السياسة والسياسيين.

ـ لقد تقاطعت قضيتان في جزر الكناري. الأولى هي ضرورة أن تحل وبأسرع ما يمكن أزمة مفصلية وفورية تتمثل وصول المهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، الذين من المنطقي أن تصلهم رسالة رادعة.

وهذا يتطلب ، على المدى القصير، اتخاذ إجراءات رقابية فورية، ومن ثم هناك سياسة ذات مدى أبعد تتدارك التحديات والتهديدات على المديين المتوسط والطويل. أي أنه لا بد من مواءمة التحرك الفوري والمباشر مع الإجراءات الهيكلية ذات البعد المستقبلي لمواجهة الوضع المأساوي الذي تعيشه أفريقيا.

* هل الاهتمام بأفريقيا شرعي فقط لأن أوروبا لديها مشكلات فيما يتعلق بقضية الهجرة؟ ألا يمكن أن تدرك قضية تقديم المساعدة مقابل اتفاقات إعادة المهاجرين على أنها نوع من الابتزاز؟

ـ هذا ليس ابتزازا ، وهو شرعي بالمطلق. ولا يمكن إنكار ما ينطوي عليه من توق إلى الازدهار والكرامة والحرية وبالتالي فإن ما يحتاجونه هو امتلاك القدرة على إعطاء مجتمعهم أملا في المستقبل ولذلك هم يحتاجون المساعدة والتعاون الدوليين، ولا يجوز النظر إليه كابتزاز، بل كمساعدة ذكية. ولهذا السبب لابد من أن يستكمل أسلوب معالجة اتفاقات إعادة المهاجرين بأساليب معالجة أخرى.

ولا يجب التخلي عن مطلب إعادة المهاجرين، لكن كي يجد ذلك طريقه إلى حيز التطبيق، فإن البلدان المصدرة للمهاجرين بحاجة إلى سلسلة من المحفزات لقبول إعادة مواطنيها.

وهذا يندرج في إطار التعاون في موضوع تأهيل الشرطة وأمن الحدود والتعاون في ميدان التطوير والمساعدات المالية. فإذا تلقت البلدان الأصلية مبالغ مالية من الذين يذهبون، فإن الناس هناك سيخفضون بدورهم الضغط الاجتماعي الداخلي عندما يغادرون، فالهجرة الجماعية إلى أوروبا ستتواصل في حال لم تبادر أوروبا إلى طرح تعويضات أخرى.

* أنتم تتكلمون عن خطط وتوجهات، بينما ينتظر الرأي العام أجوبة ملموسة أكثر وذلك على ضوء الوضع الآخذ بالتأزم في جزر الكناري.

ـ الأزمة المعاشة في جزر الكناري هي ثمرة نجاح علاقتنا الجيدة مع المغرب. في ظل الحكومة السابقة، كان يدخل عن طريق سبته ومليلة آلاف المهاجرين بصورة غير شرعية من دون أن يكون لذلك وقع مأساوي كالذي نشهده اليوم لكن بأعداد أكبر بكثير.

وذلك لأن العدد الأكبر من المهاجرين غير الشرعيين سجل في عام 2003، واعتبارا من ذلك التاريخ راح العدد يتضاءل تدريجيا كما يسجل الآن انخفاضا ملحوظا في دخول الأشخاص الذين لا يحملون وثائق ثبوتية، لكن حساسية القضية والضغط الناجم عنها إنما مردها إلى مأساويتها .

وبالتالي، فإن ما علينا القيام به هو مواجهة المشكلة على أساس احترام حقوق الإنسان. وبقول ذلك فإنه ينبغي علينا إرسال رسالة حازمة بأن من يدخل بطريقة غير شرعية عليه العودة.

هذا النظام متبع في المغرب، حيث تم تطبيق سلسلة من الإجراءات والتدابير القائمة على التعاون في موضوع الشرطة والأمن والحدود ، سواء كان ذلك بصورة ثنائية مع اسبانيا أو مع الاتحاد الأوروبي، كما بدأ تسيير دوريات مشتركة في موريتانيا أيضا. ولقد تم تعزيز الوجود الدبلوماسي في أفريقيا جنوب الصحراء.

إنه برنامج لتقارب شامل لا يزال قادة أفريقيا يعتبرونه جديدا، ويتبنونه بصورة أفضل لأن الشيء الوحيد الذي كانوا يسمعونه حتى الآن هو أن التعاون كان خاضعا لاتفاقات قائمة على أساس إعادة التوزيع.

* يلمح في منطقة إيبرو أميركا، حيث لدى معظم الحكومات فيها توجهات يسارية، نموذجان سياسيان، أحدهما يكمن في التيارات الاشتراكية الديمقراطية الأوروبية ـ تشيلي على سبيل المثال - والآخر تظهر قمة جبله الجليدي في فنزويلا وبوليفيا ومن الواضح أنه نموذج شعبوي. واسبانيا هي اليوم أحد أكبر الضامنين لحكومتي بوليفيا وفنزويلا.

ـ نريد سياسة قائمة على مبدأ حسن الجوار مع كل بلدان أميركا اللاتينية، لكن لدينا روابط أكبر مع بعضها، وذلك لأسباب تتعلق بالتقارب السياسي والمصالح الاستثمارية والاجتماعية.

تربطنا علاقة ممتازة مع المكسيك ، مع حكومة من يمين الوسط ، كما تجمعنا مع المكسيك نقاط تقارب كبيرة في مفهوم المجتمع الإبيروأميركي وهو بند أساسي في سياستنا الأميركية اللاتينية ، مع أن الحكومة التي تحكم فيه، تنتمي إلى يمين الوسط . وتربطنا مع تشيلي علاقة إستراتيجية جديدة حيث تنعم شركاتنا ومصالحنا بحالة ممتازة من الرخاء، وهذه العلاقة المتناغمة تجمعنا أيضا مع البرازيل والأرجنتين.

* طلبتم من البرلمان الاسباني أخيرا أن يتجنب استخدام مصطلح «شعبوي» لتعريف حكومتي إيفو موراليس وهوغو شافيز.

ـ ما حدث في فنزويلا وبوليفيا ولا سيما في الفترة الأخيرة هو أن جزءا كبيرا من المجتمع البوليفي كان مهمشا قد شارك لأول مرة في العملية السياسية . كما أن هذه هي المرة الأولى التي يشارك فيها السكان الأصليون في هذه العملية. هذا هو الواقع. والقضية ليست أنهم شعبويون أم لا، فهذا ليس مهما، إذ أنهم انتخبوا بشكل ديمقراطي وبالتالي،فإن أي حكومة اسبانية مسؤولة لا تستطيع تجاهل هذا الواقع.

* اسبانيا راهنت بقوة على المحور الألماني ـ الفرنسي ولم تمض سوى بضعة أشهر حتى مر الاتحاد الأوروبي بأزمة إثر الرفض الفرنسي لمشروع الدستور. تلاحظ الآن بعض التحركات لتجديد المشروع الأوروبي. هل ألمانيا واسبانيا في المقدمة؟

ـ نحن نتناقش الآن حول مستقبل الاتحاد الأوروبي، ونقطة النقاش الأولى هي الحفاظ على الالتزام بالمعاهدة الدستورية وسنبحث عن الآليات والأدوات الكفيلة بتحقيق هذا الهدف.

ويتعين علينا في الاتحاد الأوروبي أن نقوم بترتيب البيت الأوروبي بصورة نهائية عن طريق أسس دستورية ومؤسسية كي تعرف رومانيا وبلغاريا وتركيا وكرواتيا بشكل واضح ما الذي هي بصدد الانضمام إليه وأي معايير تحكم أوروبا.

* هل هناك انعكاسات لتصويت سكان الجبل الأسود لصالح الانفصال عن صربيا على اسبانيا ، وتحديدا في إقليم الباسك وبدرجة أقل في كتالونيا؟ هل سنشهد تجارب انفصالية، على غرار ما حدث في الجبل الأسود، في منطقة أيبيريا؟

ـ يجب ألا نخلط الأمور. فلقد كان هناك دولتان منضويتان تحت نظام فيدرالي، صربيا والجبل الأسود، وكان الدستور يسمح لهما باتخاذ القرار الذي يناسب كل منهما عبر استفتاء والاختيار بين الاتحاد أو الانفصال. وبالتالي، فإن الجبل الأسود لم تمارس حق تقرير المصير، وجل ما فعلته هو ممارسة أحد بنود الميثاق الاتحادي، ولقد فعلت ذلك بطريقة سلمية.

ترجمة: باسل أبو حمدة