في قرية هونغشينغ، شعر لي فورونغ بالخوف والتوجس عندما تم استدعاؤه ذات يوم في أغسطس 1966 إلى اجتماع عاجل. فلقد كان قد تعرض للشجب باعتباره «ذا توجهات رأسمالية»، وظنّ أن رفاقه القرويين اجتمعوا لقتله. لكن بدلاً من ذلك وجد نفسه تحت ضغوط عنيفة للمساعدة في جريمة قتل ملاك أراض سابقين في الثمانينات من أعمارهم في واحد من أكثر طقوس العنف دموية داخل وحول العاصمة الصينية خلال الثورة الثقافية.

وحتى الآن بعد مرور أربعين عاماَ على تلك الأحداث لا تزال السلطات تحاول كبت الحديث عما حدث في هونغشينغ والقرى المجاورة بمنطقة داكسينغ في بكين. وفي الواقع إن عدم استعداد الحزب الشيوعي لمواجهة أهوال الثورة الثقافية، التي انطلقت في 16 مايو 1966 وانتهت رسمياً بعد ذلك بعشر سنوات بموت ماو وسقوط «عصابة الأربعة»، يعني أن تلك الفترة خط أحمر محرم بالنسبة للمؤرخين الصينيين وبالنسبة لملايين الضحايا على حد سواء.

ويقول الأكاديميون الصينيون إن الحكومة تبدو أكثر تصميماً على وقف الاحتفالات الجماهيرية بذكرى الثورة الآن مما كانت قبل عقد مضى. ولم يتم حتى التطرق إلى ذكر الموضوع في وسائل الإعلام الرسمية. وتعمدت مجموعة من الأكاديميين أقامت ندوة خاصة في بكين شهر مارس الماضي لمناقشة الثورة الثقافية ـ تعمدت تفادي استخدام البريد الإلكتروني خشية تجسس المسؤولين على اتصالاتهم.

ويعود هذا جزئياً إلى الشعور بالإحراج من حجم ووحشية العنف الذي مورس تحت اسم ماو. في هونغشينغ، يقول لي، البالغ من العمر الآن 75 عاماَ، إن مسؤولي القرية قالوا خلال ذلك الاجتماع في 1966 إن ملاك الأراضي والقرويين الأثرياء السابقين الذين تم تجريدهم من ممتلكاتهم بعد تولي الشيوعيين السلطة في 1949، كانوا يخططون للقيام بتمرد.

ولم يتم تقديم أي دليل على هذه المزاعم. وكانت الخطة التي وضعت في ذلك الاجتماع تقضي بقتل المتآمرين وكل عائلاتهم في تلك الليلة. وخشي لي أن يطاله القتل أيضاً باعتباره متهماً بتبني توجهات رأسمالية تحت ضغط الطبقة البرجوازية، ووافق على استخدام مهاراته المعروفة للجميع في استخدام الحبال لتقييد الضحايا. وتم التعامل أولاً مع ملاك الأراضي السابقين المسنين الذين ناهزوا الثمانين من العمر، ولم يكد لي يفرغ من مهمته الخاصة بالتقييد، حتى تم جر هؤلاء الكهول وضربهم حتى الموت.

وكان من الممكن أن تؤول الأمور إلى أسوأ مما آلت إليه، إذ يقول لي إنه لو لم يسأل رئيس فرع الحزب المحلي في القرية ما إذا كان قد أصدر أمراً مكتوباً بهذا، لتمّ قتل أعضاء آخرين من أسر ملاك الأراضي في تلك الليلة أيضاً. وشهدت بعض القرى المجاورة إراقة دماء بقدر أكبر من الفظاعة والوحشية. وكان أصغر ضحية عمره شهر واحد فقط.

وتم إلقاء الجثث في الآبار أو في قبور جماعية. وفي المنطقة الإدارية التي توجد فيها هونغشينغ، تم ذبح 110 أشخاص خلال 24 ساعة. وكانت هذه منطقة واحدة فقط من أصل 13 منطقة في إقليم داكسينغ اشتركت فيما صار يسميه السكان المحليون بـ «مذبحة 31 أغسطس». وطالب مسؤولو المدينة بوضع حد للعنف بعد أن سافر مسؤولان قرويان شجاعان إلى مقر الحزب الرئيسي في بكين، على مسافة 35 كيلومترا للشكوى.

وحتى يومنا هذا لا تعلم سوى قلة قليلة من الناس في بكين بهذه المجزرة، مع أن إحصاء القتلى الرسمي، البالغ 324 قتيلاً، يتجاوز عدد القتلى في قمع احتجاجات ميدان تيانانمين عام 1989 والذي بلغ 200 حسب التقديرات الحكومية. وورد ذكر المجزرة بشكل مقتضب في كتاب عن الثورة الثقافية نشر عام 1986 وسرعان ما تم حظره.

وتم نشر تقرير حكومي مفصل عما حدث قبل 4 سنوات فقط في ملحق دورية «داكسينغ كاونتي غازيت» التي لا يقرؤها سوى القليلين في الوطن، لكن الخبر لم ينشر في أي صحيفة. ويقول الكتاب إن من بين القتلى كان هناك 91 امرأة، و19 عائلة أبيدت بالكامل.

وكانت عمليات القتل في داكسينغ جزءا مما كان يتباهى البعض بتسميته «الإرهاب الأحمر» الذي خيم على بكين بين أغسطس وأكتوبر 1966. وتقول وانك يوكين من جامعة شيكاغو إن المسؤولين لم يقروا قط بحجم سفك الدماء الذي شهدته العاصمة. وتضيف أن رجال الحرس الأحمر، تنفيذاً لنصائح ماو باستخدام العنف، قتلوا حوالي 2000 شخص في من سكان بكين في غضون أسبوعين.

ومن بين الأسباب وراء التكتم الحكومي على الموضوع أنه خلال هذه المرحلة من الثورة الثقافية، كان العديد من قادة الحرس الأحمر أبناء مسؤولين رفيعي المستوى طردوا إثر ذلك لكنهم عادوا إلى دوائر السلطة بعد موت ماو. ومنع مرتكبو أعمال العنف من تولي مناصب مهمة بعد تولي دينغ سياوبينغ السلطة في 1978.

لكن وانغ تقول إن علاقات عائلاتهم كانت في أحيان كثيرة تحميهم من العقاب. وتقول «داكسينغ كاونتي غازيت» إن 348 شخصاً كانوا «مسؤولين بشكل مباشر» عن جرائم القتل التي وقعت هناك، ثلثاهم تقريباً أعضاء في الحزب. وحكم على 38 منهم فقط بالسجن لفترات لم تتجاوز 12 عاماً، بينما صدر عفو رسمي عن 243 آخرين.

ويخشى المسؤولون أن التمحيص بشكل أدق في الثورة الثقافية قد يزعزع استقرار البلد بإلهاب عداوات مكبوتة من زمن بعيد. ويعتقد العديد من الباحثين أن أكثر من مليون شخص قتلوا أو دفعوا للانتحار في الصراعات السياسية التي حدثت بين 1966 و1976.

ولقد عمت الفوضى والتشويش حياة جميع سكان المدن تقريباً، حيث أغلقت الجامعات والمدارس وأجبر الأشخاص المتعلمون على مغادرة المدن والعمل في المزارع. وتحول أفراد العائلة الواحدة ضد بعضهم البعض. وينتمي الكثير من هؤلاء الذين أصبحوا في الخمسينات من أعمارهم الآن إلى «جيل ضائع» أفسدت عليه الثورة الثقافية تعليمه ومسيرته المهنية.

في عام 1981 أصدرت قيادة الحزب شجباً رسمياً مطولاً للثورة الثقافية وللعديد من «الأخطاء الأخرى» التي ارتكبها ماو، وإن كانت هذه الأخطاء قد صورت بأنها ثانوية بالمقارنة مع إنجازاته الكبيرة. وتم تحميل «عصابة الأربعة» بقيادة زوجته جيانغ كينغ مسؤولية الفظائع التي حدثت خلال الثورة الثقافية، وحكم عليهم بالسجن لفترات طويلة(توفي آخر الأربعة في ديسمبر الماضي). ومعظم أولئك الذين حوكموا تمت «إعادة تأهيلهم» رسمياً بحلول اوائل الثمانينات.

لكن ليس هناك أي نصب تذكاري رسمي للضحايا. وتم تجاهل التماسات بعض المفكرين بإقامة متحف مكرس لتلك الأحداث. وفي الأشهر القليلة الماضية تم تأسيس صناديق خاصة لمعالجة هذا الموضوع. ولقد افتتح العام الماضي متحف الثورة الثقافية بإدارة خاصة قرب مدينة شانتو الساحلية في مقاطعة غواندونغ الجنوبية. وفي بلدة أنرين، قرب شينغو، عاصمة إقليم سيشوان في الجنوب الغربي، يقول رجل أعمال ثري يدعى فان جيانشوان إنه يستعد لافتتاح متحف آخر هذا الشهر.

ولا تزال هذه المشاريع متواضعة. فمتحف شانتو يعرض صوراً لمسؤولين وشخصيات بارزة أخرى تتم محاكمتهم، لكنه يلتزم بالرواية الحكومية. وسيركز فان في البداية على القطع الخزفية من تلك الفترة. ويضم مجمعه الأنيق الفخم الذي افتتح السنة الماضية معروضات ذات دلالات تاريخية جريئة.

حيث يوجد بناء كامل من المعروضات التي تخص الإسهامات (الإيجابية) للحزب القومي الحاكم في حينها، حزب الكومنتانغ، في الحرب ضد اليابان. وفي الروايات التاريخية التي أشاعها الحزب الشيوعي يتم تصوير حزب الكومنتانغ على أنه تهرب من الحرب.

لكن فان لا ينوي عرض أشياء تتعلق بالحرب الحزبية ومظاهر العنف الأخرى في الثورة الثقافية. ويقول: «الأمر لا يعود فقط لكوني جباناً ولا أريد المتاعب، لكني أعتقد أيضاً أن ذلك لن يكون جيداً لسلام المجتمع». ربما يقوم بذلك بعد 20 عاماً من الآن.

ترجمة: علي محمد

عن «إيكونوميست»