متغيرات كثيرة وبعضها خطير كانت بصمات واضحة رسمتها الظروف المعاشة على الصفحات الأولى من قاموس الحياة اليومية، وبواقعها الحالي فهي تنذر بالكثير مما ينتظر الأجيال، ولأن الأبوة مهمة ومهنة إنسانية سامية، فلا بد لممارسها من إمساك العصا من وسطها حتى لا تذهب وتروح معها آمال وطموحات الآباء المغروسة في فلذات أكبادهم الصغار.
الانفتاح وتلاشي الحدود والقيود أمام التقنيات الحديثة وأدوات التكنولوجيا الكثيرة، كلها تغيرات زادت من تعقيد العلاقة التي تربط الأب بأبنائه، وبددت نظريات التربية المثالية لدى كثير من الحالات التي قست عليها التطورات، وبين تقليد وروتين الحياة البسيطة التي عاشها الآباء والأجداد، وانفتاح وتطور الواقع نحو التعقيد الذي يمر به الأبناء، كانت الفجوة كبيرة بين جيلين يقفان على نقيض العلاقة والتفاهم، وهو ما أدى إلى كثير من السلوكيات التي كانت في وقت من الأوقات بعيدة عن قاموس الأحلام لدى الكبار.
وفي ظل هذه المتغيرات يجد الأبناء أو الآباء الصغار - إن صحت تسميتهم-، ما هو أخطر وربما أشد قسوة مما عهدوه في زمن آبائهم الذي أصبحوا على هامش العلاقة الواقعية، فاليوم يواجه الشباب المزيد من التعقيدات في ظل الانفتاح اللامحدود الذي نشهده، وحيال ذلك يجد الشباب أنفسهم في مواقع التخوف والتشكك مما يخفيه لهم القدر على الرغم من معرفتهم وتعمقهم في أدوات العصر الحديثة.
الخوف من المجهول
وعطفاً على ما تقدم يبرز الآباء الشباب مجموعة من التوجسات، ويحاول كل منهم تعديها بأقل ما يمكن من الخسارة، لا سيما وأن أدوات التكنولوجيا المتطورة منحت الطفل استقلالية مبكرة وشخصية مختلفة عما يتمناها الأب، وحتى لا تكون الضريبة التي تدفعها العائلة العربية باهظة ومكلفة، لا بد وأن يجنح رب الأسرة إلى سبيل النجاة أو المضمار الأكثر أمناً.
وفي استطلاع لآراء صغار الآباء بدت الآراء متطابقة في خشيتها من المجهول، رغم تفهمهم لواقع الحياة المعقد والمتغير، وضرورة مجاراة ذلك في سبيل الحفاظ على علاقة مبنية على التفاهم والاحترام المتبادل بين الأب والأبناء.
فجوة كبيرة
خالد حجازي موظف إداري وهو وأحد من تنطبق عليهم ملامح هذه العلاقة، يقول ان الفجوة كانت كبيرة بين جيل الشباب اليوم وآبائهم، نظراً إلى أن الآباء لم يكونوا على درجة كافية من التعليم تؤهلهم للتفاهم مع أبنائهم الذين واكبوا التطور والتعليم بأشكاله المختلفة، ورغم ذلك ظل الأب التقليدي يحاول بشتى الصور فرض رأيه القائل «كن فيكون»، ولكن للأسف لم تسعفه الظروف المعاشة على تحقيق ما يصبو إليه، فكانت الفجوة كبيرة وخطيرة.
أما اليوم فالمعطيات تشير إلى وما هو أخطر وأكبر، ورغم ذلك فإن رؤية خالد لمستقبل أبنائه تتحدد في عدم اللجوء إلى منعهم من أي شيء، لا سيما التكنولوجيا وأدواتها المختلفة، مع ضرورة مراقبة الأب لأبنائه دون إشعارهم بذلك، تطبيقاً للمثل الشعبي «احبسهم وامنحهم المفتاح»، لافتاً إلى أن بعض الآباء يبدون علاقة متشددة مع أبنائهم، وربما يمنعونهم من الخروج في وقت تقع بين أيديهم موبايلات آخر طراز وانترنت، بمعنى آخر العالم كله بين أيديهم، وذلك من شأنه أن يقود إلى سلوكيات أخطر مما يتوقعها البعض.
الصمت وسيلة علاج
ولا ينكر هذا الأب أهمية الضرب كونه من صميم ما دعا إليه الدين الإسلامي، ولكنه يقتنع في المقابل أن الصمت وسيلة علاج ناجعة وموفقة إذا استخدمها الأب مع أبنائه، موضحاً أن الأبناء يبقون بين أيدي آبائهم فترة طويلة، وهو ما يكفل للعاقل علاقة أبوية ناجحة إذا أحسن استغلالها منذ البداية، ومشيراً إلى أن الأم تلعب في كثير من الأحيان دوراً سلبياً في تربية الأبناء، ظناً منها أن ذلك تصرف إيجابي رغم أنه يمثل بداية للانحراف.
فيما يعتبر علاء عودة الذي يعمل محاسباً في دبي أن الكثير من الآباء في هذه الأيام بغض النظر إذا كانوا شباباً أو شواباً لا يملكون من عصمة هذا المسمى شيئاً، ومثلما صار الأبناء ضحية للتقنيات المتلاحقة التي أفرزتها التكنولوجيا الحديثة، فإن الآباء هم الآخرون ظلمتهم ظروف عملهم فظلموا المحيطين بهم.
الآباء الضحية
ويتابع أنه وكجميع الآباء متعلق كثيراً بأبنائه الصغار، وهو على الدوام يرسم لهم في مخيلته حياةً مستقبلية خالية من التعقيدات، رغم اعترافه بجسامة التحديات التي تقف أمامه والمتمثلة بالتغيرات الاقتصادية والثقافية والتقنية والتي في مجملها أثرت على العلاقات الاجتماعية لدى الأسر، فصار الأبناء ضحية مثل آبائهم، في إشارة منه إلى قضاء الأب في عمله مدة طويلة، وخصوصاً في دوام الفترتين المرهق بالنسبة للكثيرين من الآباء الشباب، كان له الكثير من السلبيات المرتدة على العلاقات الأسرية والتي قللت من فرص تحقيق أحلام الكثيرين الشبابية.
عتبة جديدة
عبد الكريم فؤاد شاب في العشرينات من عمره ويعمل في إحدى المكتبات في دبي، وهو أحد الواقفين على عتبة جديدة من حياتهم والتي تتمثل بالأبوة، وهو يرى أن الواقع المتغير يفرض عليه كأب أن يبني علاقة متينة مع أبنائه عنوانها الود والاحترام والصداقة، والتي تفرض عليه تقديم كل ما يطلبه الابن بحدود المنطق الذي تربى عليه ودون الانصياع وراء رغباته.
ويبدي ذلك الشاب تخوفاً كبيراً تجاه الفجوة التي أوجدتها المتغيرات بين الأب وأبنائه، وبالرغم من أن الآباء الشباب يقفون حالياً على درجة من التعلم والمعرفة، إلا أن التقدم المتسارع يخفي لهم مفاجآت من الممكن أن تخل بالعلاقة الأبوية، لكنه يؤكد في المقابل أن الأساس المتين للتربية الحسنة من شأنه أن يبدد كل ما تفرزه حداثة العصر من عوائق، ومهما تزرع تحصد، وذلك يعتمد على ثقافة الأب والفكر الذي يحمله، بالرغم من أن تطور الحياة يعني بشكل كبير الابتعاد عن قيم الآباء والأجداد التي ظلت نبراساً منيراً لمثالية احترام الابن لوالده.
معرفة مداخل الابن
ويعتبر أحمد هاشم علوي الذي يعمل مدرساً للتربية الرياضية في إحدى مدارس دبي أن مفتاح نجاح العلاقة الأبوية معرفة مداخل الابن وآلية التأثير عليه، ومن أجل ذلك لا بد أن تكون العلاقة أقرب إلى الصداقة، فالعالم متغير بسرعة وصعب على الكثيرين السيطرة على أبنائهم ولكن إذا وصلت العلاقة إلى حد الأخوة والمصادقة صار بلوغ الهدف بالنسبة للأب يسيراً.
ويوضح بأن الشخص هو من يصنع الظروف وليس العكس، إذ لا بد أن تكون العلاقة الأبوية أكثر وضوحاً وقرباً، وتبقى الأولوية للأبناء في المتابعة والاهتمام، ومتى صار الشخص يولي أشياء أخرى اهتماماً أكبر لا بد وأن يتعثر في مشواره مع أبنائه، لافتاً إلى أن الكثيرين من الشباب يقضون أوقاتاً طويلة مع الأصدقاء وفي المقاهي بعيداً عن الزوجة وعن الأبناء، وهذه التصرفات تؤدي بعد سنوات إلى تخلخل في العلاقات الأسرية، وموضحاً أن سلوك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل عام أصبح في مجتمعاتنا في عداد الموتى.
الابتعاد عن الدين
ويعترف سلطان بن جرش معلم تربية إسلامية أنه يخشى كثيراً من التغيرات الحاصلة وما يرافقها من تقنيات دخيلة على حياة الأبناء، وأن ضعف روابط الأبوة في هذه الأيام سببه الابتعاد عن الدين، مشيراً إلى أن مشاغله الكثيرة تبعده عن أبنائه كونه يعمل صباحاً ومساءً، ومبيناً أهمية وجود الزوجة في البيت إلى جانب الأبناء حتى تعوض قصور الأب، وذلك بالرغم من أن بعض الآباء يذهبون إلى المقاهي ويأخذون أبناءهم الصغار معهم، فما المستقبل الذي ينتظره هؤلاء من أبنائهم!.
أما رائد وهدان الذي يعمل مدرساً، فيتوقع هو الآخر أن يواجه الآباء الشباب صعوبات كبيرة جداً مواكبة للتطور الحاصل على مختلف الصعد، ومن المؤكد أن مهمته في الأبوة ستكون أصعب بكثير من مهمة والده، مشدداً على أن الاستثمار في الأبناء هو المكسب الحقيقي بالنسبة للآباء، رغم اعترافه أن مشاغل الحياة الكثيرة تسلب منه الوقت المخصص لأبنائه، وأن ذلك يعتبر ظلماً لهم.
حالة مختلفة
فيما يمثل سليمان موسى مدرس اللغة العربية في مدرسة خاصة حالة مختلفة من الأبوة، وبالرغم من أنه يعيش بعيداً عن أبنائه، الذين أعادتهم الظروف إلى موطنهم الأصلي، إلا أنه على اتصال يومي معهم بالصوت والصورة عن طريق الانترنت، إضافة إلى أنه يتابعهم في حفظ القرآن يومياً،
حيث يخصص لكل واحد منهم ملفاً يسجل فيه أين وصل صغاره في حفظهم للقرآن، لكنه في المقابل يؤكد قصوره عن أداء مهامه في العائلة على النحو السليم، حيث ان حاجة الأبناء الذكور لوجود الأب ضرورية، ولا يكفي تواجد الأب مع أبنائه في كل مناسبة أمر لا يكفي بالنسبة للتربية المتكاملة.
عجينة لينة
ويرى نافع مجيد، موظف حكومي في دبي أن شعور الأبوة لا يضاهيه شعور، وأن الأبناء كما العجينة اللينة بين أيدي الآباء وكيفما وجهوا ساروا، رغم ما تفرزه حداثة العصر وتقنياته من مخاطر قد تعيق الأب من الوصول إلى هدفه، وهو شخصياً يقضي معظم وقته إلى جانب أطفاله الذين يمثلون الحياة بأبوابها الواسعة بالنسبة إليه.
ومثلما كانت تربيته من والديه يثق نافع بمشاركة ومساعدة أبيه في تربية الصغار، والتي يرى بها سبيلاً آمناً لبلوغ هدفه في علاقة أبوية ناجحة، رغم أنه يعترف بأن أسلوب الضرب الذي اعتمده القدماء كانت العلامة البارزة التي صنعت من الأبناء رجالاً، وأن الواقع اللين والعلاقة الركيكة والناعمة التي تربط الأب بولده ستؤدي لا محالة إلى مزيد من الضياع والتشرذم بالنسبة للعائلة العربية.
ناصر.. نموذج آخر للعلاقة الأبوية
يمثل ناصر محمد أبو يزن الذي يعمل موظفاً إدارياً بإحدى المدارس الخاصة في دبي، نموذجاً آخر من العلاقة الأبوية، فهو أب لطفل يبلغ من العمر أربعة أعوام، ويعيش بعيداً عنه وفقاً لما تقتضيه ظروف عمله، ورغم ذلك فهو على الدوام يتابع صغيره في مشهد تعتريه العاطفة والحنان، والذي يفرض عليه تزويد صغيره بشتى وسائل الراحة والترفيه، إضافة إلى ذلك فإن تلك العلاقة تجبره على قطع آلاف الكيلومترات مرتين في العام للاطمئنان على ولده الذي يحظى برعاية كبيرة تسطرها علاقة احترام الكبير وتحمل المسؤولية والاعتماد على الذات.
وبالرغم من بعد المسافة التي تفصل ناصر عن صغيره، إلا أنه لا يخشى عليه من شيء، وهو على قناعة تامة بأن ولده يحظى برعاية متكاملة، توازن بين توفير مختلف المتطلبات العصرية، والمحافظة على تقاليد العائلة العربية، لا سيما وأن مستقبل حياته ترسمه بيئة العائلة الممتدة التي تحافظ على غرس الخصال الحميدة في نفوس أبنائها.
ذلك الشاب يؤمن بأن وجود الأب القدوة في حياة ولده اليومية أمر له وقعه الخاص، ويعترف أيضاً أنه أحد المقصرين من جانب الأبوة، لكنه لا يتوجس كثيراً حول مستقبل ولده، فهو كما يقول ورغم بعده يظل يبني في مخيلته أسساً متينة لعلاقته مع صغيره، وذلك رغم أنه يوفر له من واقع حنان الأبوة كل ما يطلبه.
ناصر على يقين تام بأن مستقبل صغيره سيكون واضح المعالم، ومثلما هو مقتنع بالنهج القويم الذي تربى في ظلاله، فهو كذلك على قناعة تامة بصلاحية تلك البيئة بالنسبة لولده الصغير، رغم عدم إنكاره لأمنيته بأن يصل ولده إلى أبعد مما وصل إليه، في ظل ما يحظى به من وسائل معرفة ورعاية.الأب فقد العصا السحرية والأبناء انسحبوا وتمردوا
يعتبر الدكتور أحمد العموش أستاذ علم الاجتماع في جامعة الشارقة، أن التغيرات المتسارعة التي أثرت على البنى والهياكل المجتمعية في العقود الثلاثة الماضية، انعكست جلياً على الأسرة العربية، والذي أدى إلى تغير نمط السلطة الأبوية المرتكزة على أساس الهرمية الطبقية، مشيراً إلى أن ظاهرة الآباء الصغار موجودة على الدوام في المجتمعات العربية، إذ أن الكثير من الدراسات كشفت أن سن الزواج بالنسبة للذكور هو 21 عاماً وللإناث 17 عاماً.
وكما درجت العادة سابقاً فإن جميع أفراد العائلة يولون لرب الأسرة سمعاً وطاعة، فهو السيد والمرجع الأخير في اتخاذ القرارات الاجتماعية والمالية في العائلة، ولم تكن هناك فرصة للحوار بين الآباء والأبناء في نمط الأسرة الممتدة.
ويضيف أن التغيرات التي يشهدها عالمنا المعاصر قلب الموازين في العلاقات الأسرية، ولعل ذلك عائد إلى التعليم والتحضر وانتشار التقنية، وذلك كان له أثره الكبير على علاقات الأسرة وخاصة بين الآباء والأبناء، وأصبحت تسود هذه العلاقة حالة من العصيان والتمرد والانسحاب، حتى فقد الأب العصا السحرية التي كانت تؤنسه، وصار يعيش في أزمة تجمع بين واقع عصيان الأبناء وتمردهم ومثالية الأب في السيطرة والطاعة.
ويعزو العموش سبب هذه الأزمة إلى بروز «مؤسسات» أخرى أخذت على عاتقها الكثير من أدوار الآباء مثل المدرسة والرفاق والموبايل والسيارة والانترنت، لافتاً إلى أنه نتج عن هذه الأمور مشكلات كثيرة، منها جنوح الأحداث والعنف الأسري والديون، إضافة إلى مخاطر عدة مثل الانترنت والبرامج التلفزيونية الهابطة، ثم المخدرات والتدخين والغزو الثقافي المتصل باللغة والدين.
ويؤكد أستاذ علم الاجتماع أن الآباء الشباب يبقون الضحية والخاسر الأكبر نتيجة لهذه الظروف، وفي سبيل الخروج من هذه الأزمة لا بد من تعزيز شبكة الروابط الأسرية، بما فيها من روح المبادرة وطرح المشكلات، علاوة على تحديد ساعات عائلية تمكن الآباء من البقاء إلى جانب أبنائهم، والاستماع إلى أفكارهم، واعتبارهم أصدقاء وليس أندادا بحكم الواقع المتغير، الذي يفرض على الآباء مزيداً من المكاشفة والمصارحة حتى يضمن إبقاء عائلته على الرصيف الآمن


