كشفت دراسة بريطانية حديثة أن أكثر من نصف الأطفال المصابين بالتوحد في المملكة المتحدة موجودون في مدارس لا يرى آباؤهم أنها المكان الأمثل لتخفيف معاناة هؤلاء الأطفال أوأنها المكان المناسب الذي يضعهم على أول طريق العلاج.

وأفادت الدراسة المسحية التي شملت أكثر من 1400 والد ووالدة ونشرتها شبكة الإذاعة البريطانية أخيراً أن ثلثي الآباء الذين تم استطلاع آرائهم أكدوا أن اختيارهم للمدارس التي يتعلم فيها أطفالهم الآن كان أمرا مقيدا بالعدد المحدود للمؤسسات التي تستقبل تلك النوعية من الأطفال. وأشارت الدراسة إلى أن عددا كبيرا من الأطفال المصابين بالتوحد يتعرضون إلى الترهيب والاعتداء من قبل أطراف موجودة في البيئة التي يدرسون فيها.

وأشارت الجمعية الوطنية البريطانية للتوحد، التي قامت بالدراسة، إلى أنه 79% من عائلات الأطفال المصابين بالتوحد الذين لجأوا إلى المحكمة المختصة بالنظر في شؤون المعاقين وذوي الاحتياجات التعليمية الخاصة، حصل أفرادها على أحكام تؤيد مطالبهم وشكواهم. وتهدف الحملة التي تقوم بها الجمعية والتي تحمل شعار: «اصنع مدرسة تصنع شعوراً سليماً» إلى الضغط على الحكومات المحلية من أجل تحسين أوضاع ما يُقدّر بـ 90000 طفل يعانون من أعراض التوحد.

وتطالب الجمعية من خلال الدراسة التي قامت بها أن يجري تدريب المدرسين الذين يتعاملون مع هؤلاء الأطفال على كيفية الارتقاء بمهارات هؤلاء الأطفال قدر المستطاع وتوفير المناخ اللازم الذي يُسرع من عملية الشفاء. وعند التحدث عن التوحد فإن السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل للطفل التوحدي ثقافة خاصة به أم لا؟

هذا السؤال حير علماء النفس حيث لاحظوا أن بعض أطفال التوحد لا يفهمون أبعاد اللعبة كما في لعبة السيارات مثلاً حيث نرى أنهم يضعونها خلف بعضها البعض دون حركة، وإنما يقومون فقط بصفها بشكل واحد أو على هيئة واحدة، بعكس أطفال آخرين في لعبهم مع الأحجية ، فقد يُركّب أحدهم 1000 قطعة بشكل مرتب ومنظم ومحكم. وقسم ثالث من أطفال التوحد يقومون برسم أشكال وألوان يعجز الإنسان العادي عن رسمها.

وقد أوضحت أمثال هذه المشاهدات والملاحظات التي جاءت في الدراسات الخاصة بهذا الموضوع أن الخلايا والمراكز الموزعة في المخ هي المنطقة الوحيدة السليمة وغير مصابة بإعاقة المراكز التي لها علاقة بالنشاطات التي يعملها الطفل التوحدي، وأن بعض الإشارات العصبية المسؤولة في بعض أجزاء المخ سليمة وأن بعض الأجزاء تالفة أو أصابها خلل لذلك فإنها تنعكس على مدركات الطفل التوحدي وتفكيره مما يعطي انطباعاً لدى الجميع بأنه لا يعرف العلاقات في اللعب أو أنه غير مثقف تجاه اللعبة التي يلعبها،

فأطفال التوحد ثقافتهم تختلف عن ثقافة الأطفال العاديين وكذلك مدى سلامة الأجهزة العصبية والمخية والجهاز العصبي المركزي ومدى تطورهم ونضجهم النفسي والجسمي والعقلي وتناسبها مع مجريات الأحداث والخبرة العملية والتدرج لنمو العقل والخبرة في مجال الحياة.

القصور النمائي

ويُطلق على التوحديين مُسمى ذوي القصور النمائي الشامل. ويختلفون في سماتهم من مستوى إلى مستوى آخر مما يعكس إختلافاً في اللعب حسب شدة الإصابة بالمخ وشدة الأعراض المصاحبة للحالة المرضية.

إن العملية المعرفية والعقلية والرضاء الوجداني للتوحديين شيء صعب جداً مع ظروف التطور التكنولوجي الحديث ومستوى الألعاب الحديثة ومدى التعقيدات التي بها . وتجدر الإشارة هنا إلى أن الوالدين في الأسرة أو الهيئة التدريسية في المدرسة أو المعهد يجب أن تختار نوعية الألعاب ومستواها العلاجي التي تُلائم ثقافة ومستوى وحدة أطفال التوحد، علماً بأن ألعاب العصر الحديث أصبحت مُعقدة ومُتطورة وتحتاج إلى ارتياح نفسي وانعدام القلق والتحكم الجيد في اللعبة

ويمكننا أن نتدرج في الألعاب حسب تطور الطفل ونضجه العقلي وسلامته النفسية وأن تقدم إليه من خلال الوسائل التي تسمح لنا باللعب معه وحسب الجدول الوظيفي لمعززات اللعب وأن تقدم إليه كذلك من خلال أجهزة الكمبيوتر ألعاب وبرامج مُسلية وفي نفس الوقت تعليمية وترفيهية بسيطة حيث يكون التوحدي باستطاعته أن يلعب اللعبة التي يختارها مثل لعبة الأتاري أو السيجا إلى جانب أن هناك ألعاباً رياضية قد نشاهدها في التلفزيون أو الفيديو.

ولا شك أن الجهات المعنية يجب أن توفر للأفراد الذين لديهم إعاقة التوحد المرافق العامة التي تتوفر فيها الألعاب والأجهزة الترفيهية والأجهزة الإلكترونية ذات الألعاب التعليمية المتنوعة المناسبة لهم، حيث أن هذه المشاركة والتعاون والتنسيق بين وزارات التربية ووزارة الصحة ووزارة الشؤون الاجتماعية والعمل والمؤسسات الخاصة والخيرية ستكون مثمرة ومفيدة لأطفالنا من ذوي الحاجات الخاصة والتي يكون لها دور فعال في وضع استراتيجيات علاجية تُحسن وتطور وضع طفل التوحد.

ومن الضروري أن تدرك الأسرة المنزلية والمدرسية أن برامج أطفال التوحد ذات فائدة ترفيهية وذات فائدة علاجية بطريقة تعليمية وعليها أيضاً أن تعرف مدى العلاقة بين الألعاب والمشاكل والحساسية التي يعاني منها التوحدي. فمثلاً هناك ألعاب خاصة على تدريب الحواس والعقل كتلك التي قد يعاني من مشكلتها الطفل التوحدي فلا بد أن يعرف الفريق المختص العارف بالأهداف والمهارات الوجدانية والمعرفية كيف يصل إلى الطفل المصاب بالتوحد عن طريقها.

فالتدخل السريع مع تطور النمو الإدراكي لفئة التوحد أمر مهم، لمنعهم من التكسير والتخريب وهذا شيء طبيعي كما أن اختياره للعبة شرط رئيسي لراحته النفسية ولو أن الخبراء والمختصين يؤكدون أهمية التدقيق في نوع اللعبة مع مراعاة نوع الإعاقة وشدتها والاهتمام بإخضاع اللعبة للبحث العلمي بعد ملاحظة الطفل وسلوكه حيالها والأعراض الملازمة له لأن التدخل في حل مشاكل التوحديين ضروري جداً وأن الغفلة عنهم وعدم الإرشاد والتوجيه اللازم لهم أمر ضار على العلاج وعلى التطور المنتظر للطفل.

المواقف المعقدة

إن أطفال التوحد تفكيرهم غير مرن في الغالب وغير منطقي فإننا نجد أن استجابتهم بطيئة للمواقف المعقدة في اللعبة وتنعكس على تعاملهم مع اللعبة بشكل عدواني فيقومون بالتكسير والتدمير، لذلك كان مهماً أن نبين الأهداف العلاجية للعب عن طريق إدراك القدرات المعرفية والجسمية والنفسية لتقدم هؤلاء الأطفال وتطورهم النمائي الشامل، مثلاً لعبة الفك والتركيب التي تُعطي للتوّحديين بعض المفاهيم البسيطة والخاصة عن منهج الحياة التي يُمارسها الطفل التوحدي من واقع منزله أو مدرسته سواء كان ذلك في مأكله أو ملبسه أو أي جانب آخر من حياته الاجتماعية

إعداد وترجمة: حاتم حسين