مهما تعددت أشكاله وصوره سيبقى بجوهره احتفالاً سنوياً معهوداً عند أصحابه الخارجين بفرحتهم ومشاركتهم الفاعلة عن روتين الدراسة والانتظام، ولكن الطابع الإنساني أو العاطفي كان هذه المرة الإطار الأشمل الذي أحاط بذلك الحدث، والذي تواصل بفعاليات متنوعة على مدار يومين بفعل جهود مضاعفة لأيد ناعمة صنعت الكثير من صور الحنان والعطف وفعل الخير الراسخة عند الجنس الناعم.

مئات الطالبات من كليتي دبي للصيدلة والطب امتزجت جهودهن في قوالب أشبه بالمعسكرات الخيرية التي أبقت على التفاؤل مرسوماً على وجوه الطالبات في مرحلة هن أقرب إلى من يقف إلى جانبهن ويخفف عنهن عناء الضغط الدراسي ويواسيهن في حياة اجتماعية بعيداً عن المعادلات الكيميائية أو الجثث البشرية.

كلية دبي الطبية ونظيرتها الصيدلة التابعتان للمؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم التي يتبناها الحاج سعيد لوتاه تفرغتا في يومين من الدراسة من أجل أعمال أخرى لا تقل أهمية عن التعليم أو العمل في إطار تلك المهن الإنسانية، وبفعل المشاركة الأنيقة والابتسامة الرقيقة التي ظلت تلازم الطالبات اللواتي أبين إلا أن يدخلن البسمة لدى الحاضرين كان ما يسمى باليوم المفتوح في تلك المؤسسة يوماً غير تقليدي أو مكرر بطابعه الذي أخذ منحى أكثر عمقاً تجاه أعمال الخير.

* الجوهر الإنساني

ذلك اليوم صنعته طالبات من تخصصين اثنين هما الطب والصيدلة اللذان يمثلان قطبي العلم وتغزوهما العاطفة والمشاعر الإنسانية الجياشة التي تقدس العمل الإنساني وإن كانت على حساب الراحة الشخصية، وترسيخاً للجوهر الإنساني الذي تغنت به الطالبات ضمن احتفالهن المتواضع والدال على سمو فعل الخير ومساعدة الآخرين أحضرت القائمات على الاحتفال أطفال مركز دبي للتوحد في يومي الفعاليات، إذ أن ريع ذلك الاحتفال بكل ما يجنيه سيذهب لصالح أطفال ذلك المركز.

ومن أجل ترسيخ الهدف المنشود لتلك الفعالية أخذت الطالبات على عاتقهن إشراك الصغار بأكبر قدر ممكن من الفعاليات الاجتماعية، وضمن الحاضرين أيضاً كان أكثر من مئة طفل يتيم احتضنتهم المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم من مختلف الدول الإسلامية.

الطالبة الصيدلانية شيماء جمال إبراهيم كانت واحدة من أولئك الطالبات المفعمات بالعمل والنشاط ضمن تلك المناسبة، ووحدها جسدت قالبا كبيرا من الإنسانية والعاطفة تجاه من يحتاجونها، عملت بكل إخلاص كما فعل فريق العمل ووقفت إلى جانب زميلاتها وأمسكت بيد الصغار من أطفال التوحد واليتم وسارت بكل أمل وتودد نحو بلوغ هدف أسمى من التعليم والعمل وأكثر قدسية من أي فعل، إنه عاطفة الإنسان بمعناها الأشمل.

الطالبة شيماء هي نفسها مسؤولة اللجنة الإعلامية في كلية دبي للصيدلة عرفت يوم الطالبات المفتوح بأنه مناسبة خيرية تشتمل على فعاليات وأنشطة كثيرة، تقوم خلاله الطالبات بعرض وبيع العديد من الحاجيات التراثية إلى جانب بعض المنتجات والأعمال اليدوية، سواء عن طريق أكشاك خارجية تمثل عدداً من الجاليات أو عبر تأجير محال أخرى لمطاعم وشركات خارجية، إضافة إلى عدد من العروض التي تتبناها وتنفذها طالبات من مختلف الجنسيات أمام الحضور الذي شهد افتتاح فعاليات اليوم الثاني لهذه المناسبة.

* عروض هادفة

في يوم الاحتفال الثاني كانت الطالبات على أتم الاستعداد ليجسدن واقعاً مغايراً عن النمط التعليمي البحت الذي يعشنه، فجاءت مشاركتهن لتعكس أسمى صور الإنسانية والتراث «البلدي» الذي ينتمين إليه في واقع هادف ضمن المسرحيات والتمثيليات والاستعراضات المختلفة لفرق العمل المتوزعة على عدة جاليات.

الجالية الإماراتية واحدة من أركان الاحتفال الفاعلة، وضمن «أوبريت في القلب زايد» استعرضت الطالبات لماضي المغفور له بإذن الله الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بنى وأسس دولة الإمارات وجعلها في أبهى صورها، ثم قدمت مجموعة من المشاركات في أمسية شعرية تنافسية عبر مباريات من الشعر الذي جسدته قصائد هادفة، ثم عرضت مجموعة من الطالبات رقصات فنية ضمن إيحاءات إماراتية قديمة تعبر عن جوهر ومضمون التراث الشعبي لهذا البلد.

الدكتورة مايا عباس المنسقة الإدارية في كليتي دبي للصيدلة وللطب أشارت إلى أن فعاليات الاحتفال متشعبة وهادفة، ومن ضمنها الفقرة الرئيسية التي تشارك فيها جاليات مختلفة تنتمي إليها الطالبات في الكليتين، لافتة إلى أن نسبة الطالبات المواطنات في كلية الطب هي الأكبر بين الجنسيات الأخرى.

أما الفقرة الرئيسية فاشتملت على عروض متنوعة، وبالإضافة إلى العرض الإماراتي تألقت مجموعة من الطالبات في فقرة فلسطينية أخرى، حيث جسدن بالتمثيل واقع العرس الفلسطيني التقليدي في أجواء احتلالية، وبينما كانت الطالبات تحتفل في «زفة» فلسطينية للعريس والعروس، فإن ذوي وأصدقاء العريس يطلقون الأعيرة النارية في الهواء تعبيراً عن فرحتهم التقليدية.

ولم تكتمل الفرحة الفلسطينية حين بادر جنود إسرائيليون يراقبون المشهد من بعيد بإطلاق النار على المحتفلين ظناً منهم أن الابتهاج بإطلاق النار كان يقصد الإسرائيليين، ولم ينته الموقف عند هذا الحد إذ كانت النهاية استشهاد العريس، وبذلك المشهد التراجيدي الذي تصاحبه موسيقى أكثر حزناً ينتهي تصور الطالبات لحياة الفلسطينيين، رغم العرض الآخر الفكاهي الذي جسدته الفتيات في مسرحية «ساندريلا» باللهجة الفلسطينية.

* نقد وإسقاط

وفي العراق لم تكن تراجيديا المشهد بأقل تعبير عن نظيرتها فلسطين، ففي مسرحية مفعمة بالحزن سردت واقع وروتين الحياة اليومية لأهل ذلك البلد اكتفت الطالبات بتعبيرهن تجاه بلاد الرافدين، حيث كان للقدر كلمة أخرى حرمتهن من أدنى صور الابتهاج.

الطالبة آلاء دامر كانت عنصراً فاعلاً ضمن فريق العمل السوري في الاحتفال، إذ قالت ان السوريات جسدن أموراً كثيرة في فقرة العرض لمسرحية «أبو عنتر» التي زركشت بالهيئة المعروفة عن شخص أبوعنتر، وعن طريق نقد بناء وإسقاطات للواقع المعاش ضمن قالب تعليقي ساخر سياسياً واجتماعياً وتعليمياً تمكنت الممثلات من لفت انتباه الحاضرات بأسلوب فني تقليدي.

طالبات الكويت تألقن في عرض كويتي اصطبغ بطابع الخليج، إضافة إلى عرض صور على «البوربوينت» تمثل الكويت قديماً وحديثاً، ثم مسرحية «خليجنا واحد» التي تجسد فكرة وأهداف مجلس التعاون.

أما الطالبات المصريات فقدمن مسرحية فكاهية ساخرة ضمن فقرات عرض تقليدية تخللها عرض للأزياء كما كان عند جميع الجاليات، ومثلها عرضت الجالية الهندية أزياءها الشعبية والمعروفة إضافة إلى عرض سوداني هادف جسدته طالبات تلك الجالية.

الدكتورة مايا عباس عادت وتحدثت عن أن تمويل هذه الفعاليات كان مفتوحاً من قبل مجموعة لوتاه، وجهود الطالبات انصبت بكل ثقلها من أجل إخراج عمل فني وتراثي وإنساني وعاطفي يجسد واقع المهنة أو التخصص الذي ينتمين إليه، وبأسلوب إنساني فيه الأمل والتسلية استطاعت الطالبات التأثير في نفوس الحضور على اختلاف مشاربه.

* رحلة فلكلورية

الحاضرات استمتعن بوقت أطول من التسلية والمتابعة الشيقة لفقرات اليوم الثاني الرئيسية على خشبة المسرح، وعبر رحلة استعراض فلكلورية تمكن فريق الطالبات العامل في ذلك الاحتفال من كسب قدر كبير من التشجيع والتأييد لجمهور كبير من الإناث، سواء كن أولي أمر أو طالبات جامعيات أو طالبات مدارس ورياض أطفال من دبي والإمارات الأخرى.

اليوم المفتوح خصص بفقراته المنوعة من أجل إزاحة شيء من الروتين عن حياة الطالبات من جهة، وإدخال البسمة والسرور إلى نفوس الأطفال الأيتام في المؤسسة الإسلامية للتربية والتعليم أو القادمين من مركز دبي للتوحد من جهة أخرى، وبالتالي استفز المشهد طالبات الطب والصيدلة إثباتاً لسمو تخصصهن أو عملهن المستقبلي والمبني على تبادل المشاعر الإنسانية ومساعدة الآخرين.

وكما تروي الطالبات فإن العشرات من أطفال التوحد حضروا إلى الكلية في يومي الاحتفال، حيث شاركتهم المستضيفات في ألعاب مختلفة توزعت على ساحات الكلية، وبعد انتهاء يوم الاحتفال الأول المليء بالمرح والتسلية رجع الأطفال إلى أماكنهم ثم عادوا في اليوم الثاني حاملين معهم ابتسامات طفولية تعبيراً عن المتعة التي ينتظروها.

وكما توضح المنسقة الإدارية في الكلية فإن مجموعة لوتاه تتبرع باستمرار لمساعدة الفقراء والمحتاجين وذوي الاحتياجات الخاصة، وفي هذا الاحتفال كان التبرع على طريقة أخرى وهي المشاركة وإطلاق المواهب والأفكار بالنسبة للطالبات، ومساعدة واستقدام الأطفال المحتاجين لمثل هذه الفعاليات،.

وتضيف أن الترفيه والمشاركة في الأنشطة المتنوعة هو ما تحتاجه طالبات كليتي الطب والصيدلة لما تمثله المواد العلمية التي يدرسنها من ثقل وضغط يومي، وبالتالي فإن اليوم المفتوح يمثل بوابة تتنفس من خلالها الطالبات في أجواء استرخاء ومرح وإبداع، هن أكثر الطالبات حاجة إليها.

علاوة على هذه الأركان والفعاليات فقد عرضت الطالبات المنظمات في عدد من الأكشاك التي احتوتها الساحة الرئيسية للكلية مجموعة من القطع التراثية لعدد من البلدان إضافة إلى بعض الإكسسوارات والأعمال اليدوية الأنيقة، في أجواء حولت المكان إلى ما هو أشبه بحديقة عامة تتنزه فيها العائلات والفتيات، لاسيما وأن عدداً من المطاعم كانت حاضرة في ذلك المكان بالإضافة إلى مجسمات للألعاب استقطبت كثيراً من الأطفال، في خضم لفتات مسلية ومحفزة كان أبرزها كهف الرعب الذي حاز على إقبال كبير من الطالبات والحاضرات.

* «يا فرحة ما تمت»

فريق عمل الطالبات المنتمي إلى الجالية العراقية كان على درجة عالية من الاستعداد لإخراج فقرات العرض المخصصة لهن بأبهى صورها، وظلت الطالبات وعلى مدار فترة طويلة تعمل بجد في مسرحية تروي الواقع العراقي المرير وفق تراجيديا محزنة ممزوجة بالأمل والفرح ضمن فقرة أخرى عنوانها الدبكة العراقية العريقة، وبعد أن أوشكت الطالبات على الانتهاء من عملهن الاستعدادي، بلغ إحداهن أن خالها الشاب توفي في العراق نتيجة عمل تفجيري، ووفق المثل القائل «يا فرحة ما تمت» اضطرت المشاركات على قطع فقرة الفرح والأمل الذي تمثله الدبكة، واكتفين بالمسرحية الحزينة والتي زاد حزنها حزناً.

* أمومة بكل معانيها

العنصر الأبرز في احتفال الطالبات والذي ظل على مدى يومين يرسم صوراً أخرى للفرحة والأمل كان الأطفال الصغار من مركز دبي للتوحد أو الذين تتبناهم المؤسسة الإسلامية، وبالرغم من الكثير من الطالبات لم يبلغن مرحلة الأمومة، إلا أن ذلك المسمى كان بارزاً لديهن بصورة كبيرة، حيث ضحى الكثير منهن بأوقات طويلة رأفة منهن وحباً في إدخال السرور إلى قلوب الأطفال الزائرين، الذين راحوا يمرحون ويلعبون في مشاهد إنسانية أزاحت عنهم بعض المسميات وأبقت الفرحة تسكن في داخلهم، حتى وصل بعضهم إلى درجة الرفض في ترك المكان أو بالأحرى الانفصال عن الطالبات اللواتي جسدن الأمومة بكل معانيها وأروع صورها.

مهما تعددت أشكاله وصوره سيبقى بجوهره احتفالاً سنوياً معهوداً عند أصحابه الخارجين بفرحتهم ومشاركتهم الفاعلة عن روتين الدراسة والانتظام، ولكن الطابع الإنساني أو العاطفي كان هذه المرة الإطار الأشمل الذي أحاط بذلك الحدث، والذي تواصل بفعاليات متنوعة على مدار يومين بفعل جهود مضاعفة لأيد ناعمة صنعت الكثير من صور الحنان والعطف وفعل الخير الراسخة عند الجنس الناعم.

متابعة : عنان كتانة