يتابع القارئ هنا الخطوات الأخيرة في مسيرة لورنس، حيث شاء القدر للرجل الذي أمضى أكثر سنوات عمره تألقاً وسط دوي الرصاص والانفجارات أن يلقى حتفه في طريق ريفي ساكن لا يرتاده أحد، وكأنما كانت تلك هي السخرية الأخيرة في حياة نالت كفايتها ويزيد من سخريات القدر.

لكن سنوات المغيب هذه التي ستصل إلى نهايتها بغيبوبة يدخل فيها لورنس 6 أيام ثم لا يخرج منها إلا على عالم آخر، راحلاً عن عالمنا عن 46 عاماً، ستفتح المجال أمام كتاب السيرة والمؤرخين لنقاش يمتد طويلاً، ربما وصولاً إلى اليوم، حول جوهر ما خلفه لورنس للأجيال التالية والسر في أنه يتم تذكره الآن في إطار سياق الدم المتدفق في العديد من دول الشرق الأوسط، وإلى أي حد يمكن أن يصمد مفهومه عن تقليص ما أطلق عليه اسم «دائرة الأحزان».

كل من تابع باهتمام المرحلة الأخيرة من حياة توماس ادوارد لورنس لابد أنه قد لاحظ أن سنوات الغسق تلك، التي سرعان ما تفضي إلى المغيب الكامل، تبعث إلينا برسائل غامضة، متداخلة، وملتبسة، إلى حد لا يتردد معها كتاب سيرة حياته في وصفها بأنها تستعصي على محاولات الفهم، دع جانباً محاولات التفسير والخروج برؤية كلية واضحة. فلنقرأ معا تلك الرسالة المدهشة التي بعث بها لورنس في 22 ديسمبر عام 1933 إلى عملاق الموسيقى سير إدوارد إلجار من مقره العتيد في «كلاودزهيل»، وذلك قبيل رحيل عبقري النغم عن عالمنا متأثراً بالسرطان في 23 فبراير 1934. يقول لورنس في رسالته: «أكتب إليك هذه الرسالة من كوخي، وقد عزفنا لتونا سيمفونيتك الثانية، كنا ثلاثة، بحار وجندي في فيالق الدبابات وأنا، وهكذا فإن الأسلحة الثلاثة كلها كانت موجودة، وقد أجمعنا على أنه لابد من الكتابة لك وإبلاغك إذا كنت في حالة جيدة بما فيه الكفاية بحيث تكلف نفسك عناء الاهتمام، بأن هذه السيمفونية تمضي موغلة في أعماقنا أكثر من أي شيء آخر في مكتبة التسجيلات في كلاودزهيل.

إن لدينا كونشنر الكمان أيضاً، وذلك يحدثك بالكثير، وبصفة عامة فإننا نعزف السيمفونية بعد كل شيء آخر، قرابة منتصف الليل، لأنه ما من شيء يبدو جيداً بعدها، ويبدو أن المرء يتوقف هناك. لسوف تضحك من كوخي، الذي يضم غرفة في الطابق العلوي تحتوي على جرامافون واسطوانات، وغرفة في الطابق الأرضي تضم كتباً، ولكن هناك كذلك حماماً، ونحن نرقد في أي مكان نشعر بالميل للرقاد فيه، ولذا فهو يناسبني، واعتقد أنه بيت لرجل واحد». لأول وهلة، نلمح هنا حياة تبدو لنا مفعمة بالسعادة والمرح، ينطلق صاحبها بعيداً عن أجواء المعاناة والتمزق، ولكن هل الأمور كذلك حقاً؟

ربما قد لا يكون من المناسب أن نبادر للإجابة عن علامة الاستفهام هذه قبل أن نقرأ المقطع التالي من رسالة كتبها لورنس في 6 أغسطس 1934 إلى إريك كيننجتون يقول فيها: «من أكثر الأمور إيلاماً في الحياة الوصول إلى إدراك أن المرء ليس جيداً بما فيه الكفاية.

وربما كنت أفضل من البعض، من الكثيرين تقريباً، ولكنني لا أكترث بالمقارنة بيني وبين غيري. هناك معيار قياسي في مكان ما، وهذا المعيار هو وحده المهم، ولست أستطيع العثور على هذا المعيار ومن هنا يأتي هذا الضياع. دعنا نصل إلى قرارة الأمر. إنك لا تزال تمارس النحت، وأنا ما زلت أبني زوارق سلاح الطيران الملكي. وفي 11 مارس المقبل سيصل هذا العمق إلى نهايته.

وكلاودز هيل ينتظرني ولدي دخل يصل إلى جنيهين أسبوعيا. ولذا فإنني اعتزم هضم كل السرور الذي يمكنني الاستمتاع به، وإذا وجدت أن عدم القيام بشيء ليس أسوأ من الانشغال العبثي الراهن بفعل ما لا أهمية له، فسوف أواصل عدم القيام بشيء. ولكن إذا لم يكن عدم القيام بشيء جيدا، فسوف أنطلق مجدداً وأتبين إلى أين تمضي بي الأمور.

متاعب الغسق

في 26 فبراير 1953 انطلق لورنس مرتديا زياً مدنيا إلى الجنوب من بريدلنجتون على دراجة هوائية قاصداً كوخه العتيد «كلاودز هيل»، ولكن على امتداد الأسابيع التالية وجد نفسه في صراع محزن من أجل ضمان الخصوصية التي كان يتوق إليها.

في غمار هذا الصراع وصل لورنس إلى حد التقدم بمناشدة على نحو مباشرة إلى رابطة الصحافة، بل والمضي بالدراجة الهوائية إلى شارتويل لحشد تأييد صديقه ونستون تشرشل له في صراعه مع الصحافيين الذين يطاردونه حيثما ذهب، غير أن تشرشل لم يستطع إلا أن يقدم له قدحا من الشاي وأن يعرب له عن تعاطفه، حيث كان تشرشل نفسه، في ذلك الحين، رجلاً يعيش في متاهة، بعيداً عن أي نفوذ أو تأثير حقيقي.

ولكي تكتمل الدائرة، فإن لورنس عندما عاد من هذه الرحلة المجهدة إلى كلاودز هيل وجد نفسه محاصراً بحشود من رجال الصحافة، وفي إحدى المناسبات وصلت الأمور إلى حد التضارب مع بعضهم باللكمات، الأمر الذي تركه في حالة بالغة من الغضب والاستياء.

وتزداد في هذه الأسابيع الأخيرة من حياة لورنس ظاهرة المعاني المتضاربة والغامضة والملتبسة الصادرة عن رسائله، فهو يقول إن سلاح الطيران الملكي ترك «فراغاً هائلاً لا سبيل إلى تجاوزه» وإنه: «كان هناك شيء مكسور في الأعمال وكثر استخدامه لتعبير «الحيرة الخالصة» في صدد وصف حالته المزاجية.

وهو يمضي في التعبير عن هذه الحالة المزاجية خطوة أبعد، حيث يقول: «أتصور ان أوراق الشجر لابد أنها تحس بهذا الشعور بعد ان تكون قد سقطت من شجرتها وإلى أن تموت».

وكتب يقول فيما يبدو أنها رسالته الأخيرة: «إنني أجلس في الوقت الحالي في كوخي وأعود نفسي على حياة خاوية». ولكنه يضيف في الرسالة نفسها إنه يتطلع إلى الوقت الذي تنتهي فيه هذه «الرقية السحرية» وإلى أن «أبدأ في الإنطلاق من جديد».

ويبدو ان لورنس كان قد ضاق ذرعاً بالصحافيين الذين كانوا يطاردونهم ومعهم حشود من المصورين في كل مكان يذهب إليه وحتى خلال عكوفه على القراءة والاستماع إلى الموسيقى في كلاودزهيل.

لهذا فإننا نجده يكتب في احتجاج غاضب آخر إلى سي بي روبرتسون في وزارة الطيران في أوائل 1935 قائلاً: «اللعنة على الصحافة! أي خط آمل ان تنحاز إليه! إنني آمل، مثل نيرون، أن يكون للصحافة عنق واحد وأن تضغط على هذا العنق.

آمل.. ما الذي آمله؟ أتمنى لو كنت ميتاً، فيما أعتقد. فنهايات الحياة العملية هذه هي أمور مؤلمة، ولم تكن لدى أي فكرة عما هو وراء تسريحي من الخدمة، بدخل لا يتجاوز خمسة وعشرين شلناً في الأسبوع وباختصار للشجاعة لا يمكنني من الحصول على وظيفة أخرى، لأن أولئك الصيادين سوف يصل إليهم الأمر، ويعمدون الى مطاردتي. اللعنة عليهم، كما قلت، إن الطريقة الوحيدة لتجنب إيراد اسمي هي الانضمام إلى جموعهم، وقبل ان يحدث هذا فإنني أتمنى أن أراهم وقد تم غليهم في زيت البرافين».

نهاية أسطورة

نجح لورنس في إعادة استخراج ترخيص لدراجته النارية، التي كانت تناسبه أكثر من الدراجة الهوائية التي كان ينطلق بها في المنطقة الريفية التي يسكنها ويشير المؤرخون إلى انه ربما لم تكن السرعة الكبيرة بهذه الدراجة النارية هي التي أسفرت عن ذلك الحادث الذي وقع في 13 مايو 1935، فكفل أغرب النهايات لأعجب قصص الحياة في هذه المرحلة من تاريخ الإمبراطورية البريطانية.

كان لورنس قد انطلق بدراجته النارية من الكوخ الذي يقطنه إلى مكتب البريد في بوفنجتون كامب ليبعث بطرد بريدي إلى صديق له في سلاح الطيران الملكي تعود معرفته به إلى أيام الخدمة في فارنبره، والذي كان من الزوار المداومين على القدوم إلى كلاودر هيل، وهو جوك تشيمبرز، ولكي يبعث ببرقية يدعو فيها صديقه الكاتب هنري وليامسون لتناول طعام الغداء في اليوم التالي.

وفي طريق عودته صعوداً للمرتفع المفضي إلى كلاودز هيل صادف صبيين على متن دراجتين هوائيتين، وبشكل ما، ربما بفعل فقدان التركيز، ارتطم بإحدى الدراجتين، فسقط أرضاً، حيث أصيب بجروح في الرأس، وظل في غيبوبة في المستشفى العسكري القريب امتدت ستة أيام، ولفظ أنفاسه الأخيرة وسط مشاعر الصدمة والحداد التي سادت بريطانيا في 19 مايو عن 46 عاماً.

شيعت الجنازة في مورتون، التي لا يفصلها إلا مرج فسيح عن كلاودز هيل، بعد ذلك بيومين. وكان هناك حشد من المشيعين يضم ونستون تشرشل وزوجته، لورد لويد، ليدي أستور، جنرال ويفل، اوجستوس جون وسيجفريد ساسون. وحمل النعش سير رونالد ستورز، كولونيل نيوكوم، إيريك كيننجتون، العريف برادبوري من سلاح الطيران الملكي، أرثر راسل من فيالق الدبابات وبات نولز جان لورنس ومساعده في كلاودز هيل.

كان أرنولد، الأخ الأصغر للورنس، هو الوحيد من العائلة الذي شهد تشييع الجنازة، حيث كانت أمه وأخوه الأكبر في طريق عودتهما من الصين، ولسوف يقدمان مساهمتهما في التشييع في وقت لاحق عندما تم تكليف كيننجتون بنحت شاهد لقبر لورنس. وقد كانت الإشارة الوحيدة إلى لورنس التي تم إبرازها على شاهد القبر هي إلى كونه «زميلاً لكلية كل الأرواح بجامعة أكسفورد» إلى جانب مقتطف من أنجيل يوحنا.

ويشير بعض كتاب سيرة لورنس إلى أنه ربما كان مما يفسر الإشارة إلى كون لورنس زميلاً بالكلية العتيدة في أكسفورد أنها توضح اعتزاز عائلة كانت قد جاءت إلى أكسفورد مغمورة في الظلال، لم يسمع أحد بها، وبمقدورها الآن التباهي بأن أحد أبنائها قد أحرز أحد أبرز أشكال التكريم من الكلية العريقة.

أما فيما يتعلق بالمقتطف المنقوش على شاهد القبر فإن كتاب سيرة لورنس لا يترددون في الإشارة إلى أن الرجل لم يحسم قط المسألة المتعلقة بقناعاته الدينية، حيث ظل في المجال، كما في العديد من المجالات الأخرى، الرجل الذي يثير أسئلة تستعصي على الرد. ومع ذلك فقد كان هذا أيضاً هو الرجل الذي قال عنه جون بوتشان إنه يمكنه أن يتبعه إلى حافة العالم، والذي قالت عنه سيلاندين، زوجة إريك كيننجتون إنه: «يضيء الكثير من المواقد في الغرف الباردة».

شهرة مدوية

«فيما يتعلق بالشهرة بعد الموت، فإنها شيء جدير بأن يبصق عليه المرء، فالعقول الوحيدة الجديرة بأن يكتسبها المرء هي العقول الدافئة المحيطة بنا، وإذا فقدنا هذه العقول فإننا نكون قد منينا بالفشل».

هذه الكلمات كتبها لورنس في رسالة بعث بها إلى الناشر بيتر ديفيز في 25 فبراير 1935 قبل أقل من اثني عشر أسبوعاً من موته. مع ذلك فإن الشهرة المدوية بعد الموت كانت أمراً حتمياً في حالة لورنس، وقد ظل نطاقها يتسع منذ ذلك الحين.

في البداية كانت هناك مشاعر حزن جارف، ولم يكن ذلك في بريطانيا وحدها، حيث كان في ذلك الوقت قد أصبح شخصية معروفة على نطاق عالمي، وانتشر الشعور بالصدمة حيال موته على امتداد العالم.

ومن الذين كان حزنهم مؤثراً الشيخ حمودي الذي كان شخصية بارزة في العمل في كركميش والذي زار عائلة لورنس في أكسفورد عام 1913، حيث كتب ديفيد جارنيت عنه في صور مجموعة مقالاته بعنوان «الكتاب الأساسي عن تي.إي.لورنس» يقول إنه لدى إبلاغه بوفاة لورنس: «مضى حمودي جيئة وذهاباً في قاعة في حلب معرباً عن حزنه قائلاً: آه، لو أنه لقي حتفه في معركة فحسب! لقد فقدت ابني، ولكنني لم أحزن عليه حزني على لورنس..

إنني أعد من الشجعان، الأكثر شجاعة في قبيلتي، حيث كان فؤادي من حديد، ولكن فؤاده كان من فولاذ. إنه رجل كانت يده مبسوطة دائماً، قل لهم.. قل لهم في انجلترا ما أقوله، لقد كان رجلاً في مجال الرجولة وحراً في ميدان الحرية، وعقلاً بلا نظير، وليس بمقدوري أن أجد فيه شائبة».

وسرعان ما بدأت عملية تخليد ذكرى لورنس. وفي 29 يناير 1936 أزيح الستار عن تمثال نصفي له من إبداع إيرك كيننجتون في كاتدرائية سانت بول بلندن.

وكان المتحدث الذي ألقى كلمة بهذه المناسبة واحداً من أبرز الشخصيات الإنجليزية في ذلك العصر، وهو لورد هاليفاكس، نائب الملك السابق على الهند ومستشار جامعة أكسفورد، والذي سيغدو وزيراً لخارجية بريطانيا وسفيراً لها لدى الولايات المتحدة، وكان قد عمل وكيلاً برلمانياً لوزارة المستعمرات عندما كان لورنس ملحقاً لها في عامي 1921 ـ 1922.

وكانت الكلمة التي ألقاها لورد هاليفاكس حافلة بالإشادة بلورنس، حيث أشار إلى تلك النيران الملتهبة التي جعلته مختلفاً عن غيره من الرجال وإلى قوته التي تثير الذهول وإلى تملكه لناصية الحياة.

بل إن إحدى فقرات هذه الكلمة توشك أن تفسر لورنس باعتباره شخصية طالعة من أسطورة قديمة، حيث يقول لورد هاليفاكس: «ما أغرب حبه للأماكن العادية، من الزخرف في الأرض، والتي بدا أنها تعادل تقشف الحياة على نحو ما كان يظن أنها ينبغي أن تعاش، وهكذا فقد أحب الصحراء حيث الفضاءات الرحبة تترامى إلى البعيد، ولما كان هو نفسه جواب آفاق، فقد وجد قرابة طبيعية تربطه بالشعوب جوابة الآفاق التي تعيش في الأرض التي وجد فيها وطناً ثانياً».

وفي وقت لاحق نصبت نسخة من هذا التمثال في كلية اليسوع بجامعة أكسفورد، ولكن كيننجتون كان قد بدأ العمل في أبدع تمثال نحته للورنس، والذي يجسده راقداً بالملابس العربية، والذي سيوضع في كنيسة سانت مارتن في ورهام في 1939. وفي وقت لاحق، وعلى وجه التحديد في 1954، ستصب نسخة من هذا التمثال لتوضع في التيت جاليري بلندن.

في غضون ذلك بدأ احتفال بلورنس عبر دفق هائل من الإصدارات، وعلى الرغم من أن بعض من أتيحت لهم فرصة نسخ من «أعمدة الحكمة السبعة» في طبعة المشتركين أصروا على أن هذا العمل الفريد لا ينبغي أن يكون متاحاً للجمهور العريض، إلا أن الكتاب سرعان ما احتل مكانه على رفوف المكتبات وسط نجاح هائل، وسيقدر له أن يصبح ظاهرة في عالم النشر، فهو لن يخرج من دائرة النشر قط، وسيعاد إصداره في العديد من الأشكال وسيترجم إلى سبع عشرة لغة عالمية.

وسرعان ما أدرك أخوه أرنولد أن هذا الكتاب قد أطلق موجة من الاهتمام لا يمكن لكتاب واحد أن يحيط بها، ولذا بدأ في إعداد كتاب هائل يضم ذكريات الكثيرين عن لورنس، وقد نشر هذا الكتاب بالفعل في 1937 تحت عنوان «لورنس وأصدقاؤه». وكان عدد من أقرب المقربين من لورنس، ومن بينهم فيصل بن الحسين وهوجارت، قد رحلوا عن الدنيا، وعلى الرغم من ذلك فقد استجاب أكثر من ثمانين مساهماً لدعوته بالكتابة عن أخيه.

كان في مقدمة هؤلاء المساهمين بالكتابة ونستون تشرشل، برنارد شو، إي. إم. فورستر وروبرت جريفز، بالإضافة إلى زملاء للورنس من أيام المدرسة والجامعة ورفاق سلاح سابقين في سلاح الطيران الملكي وفيالق الدبابات وأدرج خطاب لورد هاليفاكس في كاتدرائية سانت بول باعتباره مقدمة الكتاب.

كان لورنس قد كتب في عام 1929 إلى صديق له في سلاح الجو الملكي يقول: «إنني أحاول أن أعود نفسي على الحقيقة القائلة إنني ربما سيجري الحديث عني طوال عمري، بل وبعد مماتي أيضاً، وسيصدر مجلد من الرسائل بعد موتي».

وقد تحققت هذه النبوءة بصورة مضاعفة في عام 1938 عندما صدر مجلد يقع في تسعمئة صفحة بعنوان «رسائل تي.إي لورنس» من إعداد ديفيد جارنيت، حيث قوبل بنجاح كبير فور صدوره.

وفي وقت لاحق، وعلى وجه التحديد في عام 1939 أصدرت مطبعة الجولدن كوكيربل، وهي في مقدمة الدور المتخصصة في إصدار الطبعات الفخمة في ذلك الوقت، طبعة محدودة من تقارير لورنس في زمن الحرب تحت عنوان «رسائل سرية من شبه الجزيرة العربية». ولما كانت هذه التقارير في ذلك الوقت لا تزال محظورة النشر قانونا من جانب وزارة الخارجية البريطانية فإن من الواضح أن الأذن بنشرها قد صدر من دون احتجاج كبير من جانب الوزارة.

كيان من الأدب

لم يكن ذلك إلا البداية فحسب في ظهور كيان من الأدب بأسره حول لورنس، بما في ذلك العديد من الأعمال والكتب من مختلف الأنواع بالإضافة إلى المسرحيات والأفلام والمقالات والرسائل الجامعية فضلا عن سير حياة عدة وكتب للأطفال، بل إن الأمر يصل إلى أن القائمة التي أعدها الباحث الأميركي المميز فيليب أوبريان بهذا كله يصل طولها إلى ضخامة كتاب جارنيت عن رسائل لورنس حيث يقع كتاب أوبريان في 894 صفحة.

صحيح أن الحرب العالمية الثانية أخرجت لورنس من دائرة اهتمام الرأي العام إلى حين، لكنه لم يتعرض للنسيان، فقد كان هناك جنرالات ينتمون إلى أمم عديدة يعرفون لورنس ويقدرون عمق بصيرته ورؤاه العسكرية، ومن بينهم القائد الألماني إروين روميل والجنرال الأميركي جورج باتون وكان تشرشل خلال توليه رئاسة وزراء بريطانيا حريصا على العثور على قادة من عيار لورنس.

وقد وجد تشرشل ما يبحث عنه في أوردونجيت، الذي وصفه جون مارتن، السكرتير الخاص لتشرشل بأنه «شخص مثير للاهتمام، لا يختلف كثيراً عن فكرتي عن تي.إي لورنس».