نحن على موعد مع لورنس هنا للقاء تحت أضواء مؤتمر القاهرة عام 1921، الذي لن يتردد، ونستون تشرشل، ضاحكاً، في إطلاق لقب «الأربعين حرامياً» على مساعديه في مداولاته، التي دارت حول إعادة رسم عدد من ملامح خارطة الشرق الأوسط التي لم تكن بريطانيا راضية عنها تماماً في صورتها التي خرجت بها من مؤتمر السلام في باريس.

وستتوالى محطات حياة لورنس الحافلة بالمفاجآت بعد محطة القاهرة، فالكولونيل المغامر سيلتحق بسلاح الطيران الملكي البريطاني في أصغر رتبة وسيبدأ حياة عجيبة تمضي به إلى كراتشي ومن ثم إلى حدود أفغانستان ليعود إلى بريطانيا ليعكف على إنتاج زوارق إنقاذ سريعة سيكون لها دور خطير في الحرب العالمية الثانية.

كان لورنس قد اعتقد أن صلته قد انتهت بالشرق الأوسط والعالم العربي إلى الأبد، لكن ونستون تشرشل عندما تقلّد منصب وزير المستعمرات في 1921، عقد العزم على إعادة النظر في التسوية غير المنصفة التي فرضتها القوى المعنية من خلال مؤتمر السلام في باريس على المنطقة.

لهذا الغرض، على وجه الدقة، قام تشرشل باستدعاء لورنس لتقديم المساعدة في إطار الجهود التي ستُبذل لتحقيق هذا الهدف. وبالطبع، لم يكن أمام لورنس من خيار إلا الموافقة والمسارعة إلى تقديم أقصى مساهمة يستطيع المبادرة بها.

هكذا وجد لورنس نفسه يعود إلى أماكن مألوفة له تماماً، ولكن هذه المرة ليس في الزي التقليدي لضباط الجيش الإنجليزي، وإنما في بدلة جيدة التفصيل وقبعة أنيقة.

من قلب المداولات والمفاوضات المكثفة التي أعقبت ذلك، خرج عبدالله بن الحسين أميراً على مجمل الأراضي التي ستشكل المملكة الأردنية، بينما جرى تعويض فيصل، الذي كان قد أعلن نفسه ملكاً على سوريا، لكن الفرنسيين مضوا قدماً بخططه التي لم يكن جزءاً منها، بإعلانه ملكاً على العراق.

على الرغم من أن تشرشل لم يكن يتردّد في أن يطلق على مستشاريه في مؤتمر القاهرة الذي عقد في مارس 1921 اللقب الضاحك «الأربعون حرامياً» في استلهام مباشر للقصة الشعبية الشهيرة، إلا أن ذلك لم يمنع لورنس من العودة إلى انجلترا بعد انتهاء أعمال المؤتمر ولديه ما يكفي من الثقة لكي يؤكد «لقد خرجنا من مغامرتنا الشرقية الخاصة بزمن الحرب بأيادٍ نظيفة».

لكن هل كانت الأمور كذلك حقاً؟

إن من يتابع كتابات لورنس في هذه المرحلة بدقة ويحللها بموضوعية لا بد له أن يخلص إلى أن الرجل كانت لديه، بالقطع، ظلال من الشك على الرغم من كل الجهود التي بُذلت.

المنعطف المذهل

في أغسطس 1922، أذهل لورنس أصدقاءه ومنتقديه على السواء بالإقدام على خطوة بدت لهم بالغة الغرابة ومستعصية على التفسير، حيث بادر إلى الالتحاق بصفوف سلاح الطيران الملكي في أكثر الرتب انخفاضاً وتحت اسم مستعار، هو جون هيوم روس.

أتاحت المشاق التي واجهها رجل أقل من لائق صحياً، وفي منتصف العمر، يواجه تحديات معسكر التدريب التابع لسلاح الطيران الملكي في أوكسبردج، للورنس مادة شائقة لكتابه الثاني الذي حمل عنوان «مصنع الرجال».

والذي حفل بأحاديث عامية مستمدة من أرض التدريب وغرف الثكنات بحيث إنه لم يقدر له أن يطبع في صورته غير المنقمة إلا في سبعينات القرن العشرين.

كان جورج برنارد شو الكاتب الأكثر حدة في التعبير عن دهشته الغاضبة حيال خطوة لورنس هذه، وكان على صلة وثيقة بلورنس إلى حد أن هذا الأخير كان قد طلب منه قراءة الصياغة المبكرة لكتاب «أعمدة الحكمة السبعة» لإبداء رأيه فيه.

ولم يتردد شو في القول في معرض التعقيب على التحاق لورنس بسلاح الطيران في هذه الظروف: «إن الأميرال نلسون لو كان قد احتل عقله قليلاً بعد ضربه على رأسه في معركة النيل وعاد إلى الوطن مصراً على أن يوضع عند صندوق تحصيل الرسوم في سفينة تعبر قناة وعلى أن يعامل باعتباره فكرة كان من شأنه أن يحرج البحرية بصورة أقل مما تسبب فيه لورنس».

وأعرب شو عن اعتقاده بأن الأمر كله «مسرحية تدعو للجنون»، ولكن الأمر بالنسبة للورنس كان عملاً ضرورياً من أعمال اذلال النفس، كان، «تنويماً للذهن» لرجل أثقلته سنوات عدة من الضغط والجهد المرتبطين بإحساس لا سبيل إلى الهرب منه بالذنب والفشل.

لا يتردد الكثيرون من الكتاب والمؤرخين في النظر إلى هذه الخطوة من جانب لورنس على أنها عرض متأخر ضمن أعراض عديدة أخرى سيفرزها حادث درعاً.

ولكن ما هو التفسير الدقيق الذي يقدمه لورنس نفسه لما أقدم عليه؟

إنه لن يتردد في رسالة بعث بها إلى دي جي. هوجارث في القول: «ولماذا تطوعت؟ لما في ذلك من أمان أولاً، حيث يضمن وجود يدوم سبعة أعوام.

حيث لم يعد لدى أي ذهن كفيل بالمحاربة من أجل الإبقاء على نفسي، وكما تدرك فإنني قد انتهيت من مرحلة (لورنس)، ولست أحب ما تصنعه الشائعات منه، وهو ليس من نوعية الرجل الذي أرغب في أن أكونه!

وقد أثارت الحياة السياسية شعوري بالإرهاق وذلك بدفعي للقلق أكثر مما ينبغي، فليس لدى ما يكفي من الطبيعة ذات النسيج الخشن لهذه الحياة، ولدى الكثير من الدقيق والضمير الذي لا يرضى بسهولة، وليس من الجيد أن ترى جانبين للمسائل عندما يتعين عليك رسمياً أن تتبع جانباً واحداً.

وداعاً للسياسة.. وعند ذلك تذهب بعيداً غالبية قيمة نقودي. وداعاً للورنس.. وعند ذلك تضيع معظم قدرتي على كسب العيش. ليست لدي مهنة أعمل بها، ولن يجدي الأمران أو الثلاثة مما أجد نفسي مؤهلاً له، ومن هنا فقد تم التدني بي إلى احتراف الجندية. إنني في الخامسة والثلاثين من عمري، كما ترى، وهذه سن أكثر تقدماً من أن تسمح ببداية جديدة في عمل بارع».

هكذا أهدر لورنس الكثير من الجر والجهد والوقت ولكن إلى أي حد يمكن أن يكون ما كتبه في هذا الصدد مقنعاً؟

إلى الهند

لم ينقض وقت طويل إلا وكان لورنس قد تحول إلى طريدة طبيعية مفضلة لدى الصحافة البريطانية، حيث مضى الصحافيون يطاردونه، ليس في أوكسبردج وإنما في المقر الثاني لخدمته في سلاح الطيران الملكي، والذي تمثل في مدرسة التصوير الفوتوغرافي في فارنبره.

أدت الضجة الكبرى التي أثارها فلين ستريت إلى إخراجه من سلاح الطيران في غضون أيام قلائل، ولكنه شأن هارب يوغل في الركض لجأ إلى اسم مستعار آخر هو توماس إدوارد شو، وهو يذهب إلى القول إن اختياره لهذا الاسم لا صلة له ببرنارد شو، حيث عاود الظهور في مارس 1923 كمجند في فيالق الدبابات التابعة للجيش وعلى وجه التحديد في مركز التدريب الخاص بهذه الفيالق في بوفنجتون بدورسيت.

كان هذا الوضع هو الأكثر تردياً الذي سيقدر له الوصول إليه في أي وقت، حيث انصبت الرسائل هادرة منه وبصفة خاصة على لايونيل كوريتس في كلية كل الأرواح، الأمر الذي يشير إلى ذهن عند أقصى طاقات احتماله على وجه التقريب.

وفي حوالي ذلك الوقت كان قد انتظم على ما يعرف في سيرة حياته بالجلد المنتظم، حيث رتب ما يكفل اخضاعه لهذا العقاب البدني وحجبه سراً طوال ما بقي له من عمر لكنه صدم بشدة كل معارفه وأصدقائه عندما طفا إلى السطح بعد ثلاثين عاماً.

أهو عقاب على ذنب حقيقي أو متخيل؟ أهو استحضار لـ «فلكة» القرون الوسطى بطريقة أخرى؟ أهو تعبير عن نزوع نفسي معين؟ أهي استجابة تأخرت طويلاً على المعاناة والعذاب والمشاعر الغامضة في حادث درعا؟

إن الإجابات الصحيحة عن علامات الاستفهام هذه ربما قدر لها أن تظل محتجبة عنا إلى الأبد.

غير أن مؤلفنا العتيد، فالكولم براون يشير هنا إلى أن عاملين محددين حالا بين لورنس وبين الوقوع الكامل في قبضة الاكتئاب المرضي، وهما:

أولاً: ولعه المدهش بالدراجات النارية، حيث كان يختار أفضل الطرز وأكثرها شهرة واستقطاباً، وهو في ذلك الوقت طراز «برو سوبيريور» والذي كانت لديه منه سبع دراجات بخارية على الأقل.

ثانياً: اكتشاف كوخ صغير قرب المعسكر الذي يخدم به، والذي أصبح بمثابة الملاذ الذي يلجأ إليه طوال حياته، والذي سيعرف باسم «كلاودز هيل».

وكان بمثابة مكان مناسب للمحاولة الكبرى التي قام بها للفراغ من كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» الذي كان قد خطط لإصداره لا كمطبوعة موجهة للجمهور، وإنما كإصدار خاص، راقي التنفيذ، يحمل العديد من الصور، يظل في إطار طبعة محدودة قاصرة على المشتركين وحدهم.

لكن حياة الجيش لم تكن بديلاً لسلاح الطيران الذي كان لا يزال يتوق إليه، وهو لم يتردد في التلميح إلى الانتحار كوسيلة للضغط على السلطات للسماح له بإعادة التطوع في صفوف الطيران، وهكذا عاد إلى الزي الرسمي الذي أحبه وإلى موقع للخدمة في كرينول، تتيح له عزلته استكمال كتابه «مصنع الرجال».

سرعان ما وجد لورنس نفسه بحاجة إلى المال لتسديد الديون التي تراكمت عليه خلال إصدار «أعمدة الحكمة السبعة»، وهكذا واتته فكرة إصدار صيغة شعبية مختصرة من الكتاب تحت العنوان المثير «ثورة في الصحراء»، وقد وافق على أن يصدر الكتاب. مشيراً إلى أنه من تأليفه ولكن مع إبعاد نفسه عنه نسبياً بوضع اسمه كمؤلف بين شولتين.

ولكن لما كان من المحتم أن يثير الكتاب في صيغته تلك ضجة كبرى فقد طلب من سلاح الطيران مساعدته على «الاختفاء»، وهكذا أبحر في ديسمبر 1926 إلى الهند حيث سيقدر له البقاء هناك لمدة عامين.

لعنة الشهرة

كان الانطلاق في الطريق الطويل إلى الهند بالنسبة للورنس تراجعاً متعمداً ومقصوداً، ولكنه تحول إلى فترة مثمرة على نحو مميز، حتى وإن كانت في إطار نفي اختياري، وخلالها غير اسمه إلى توماس إدوارد شو.

وفي هذه المرحلة كذلك طرح فكرة العودة إلى لقب تشابمان الذي كان أبوه يحمله، وذلك في مراسلات مع المسؤول التنفيذي الرئيسي لمكتبة بودليان في اكسفورد، وذلك في إطار الحديث عن تصنيف النسخة من طبعة المشتركين في كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» التي كانت في طريقها للوصول إلى المكتبة، وتنبأ بأنه قد تكون هناك صعوبات في تصنيف الكتاب مستقبلاً.

«ذلك أن اسم لورنس ليس بالاسم الصحيح ولا الأصيل الذي سأستأنف حمله بالفعل، ولقد نشرت كتباً تحت اسم شو، وروس، ولورنس، وربما أنشر كتبا تحت اسم سي. فيالها من حياة!».

في غضون ذلك كتب لورنس مراجعات كتب تحت الاسم الأدبي كولف ديل، الذي اختصره إلى سي. دي، وهو الاسم الذي اشتقه من محطة كولنويل الأكثر قرباً إلى مطار هندن التابع لسلاح الطيران الملكي البريطاني.

ولما لم يكن لديه، في ذلك الوقت، كتاب يعتزم تأليفه في المستقبل القريب، فقد قبل تكليفاً بترجمة «الأوديسة»، وعلى القدر نفسه من الأهمية كان هذان العامان اللذان أمضاهما في شبه القارة الهندية وراء دفق هائل من الرسائل.

كانت الصداقة قد أصبحت ضرورة قصوى بالنسبة له على جميع المستويات، ولم يكن الإبقاء عليها في الهند البعيدة ممكناً إلا بالقلم وكان من بين من ربطتهم به مراسلات مطولة في تلك الفترة جون بوكان، إي.إم.فورستر، جورج برناردشو، وبصفة خاصة شارلوت زوجة هذا الأخير، التي كانت في ذلك الوقت وستظل حتى النهاية أقرب المقربين من لورنس.

وراسل لورنس كذلك إريك كينجتون ورئيسه في سلاح الطيران الملكي سير هيو ترنشارد. كما كتب مطولاً كذلك إلى صديقه في كرينول سرجنت بو الذي حرص على أن يسأل عنه وعن أفراد عائلته جميعاً. وإذا كان هناك رجل لا تعرف مراسلاته ترتيباً حسب المراتب الاجتماعية في هذه الفترة، فإن هذا الرجل لا يمكن أن يكون إلا لورنس.

هكذا تقرأ أجواء هذه المرحلة في رسالة بعث بها لورنس إلى صديقة لايونيل كورتيس في 14 مايو 1923 يقول فيها: «إنني أستهلك اليوم، وكذلك نفسي، بالعكوف على التفكير والكتابة والقراءة ومعاودة التفكير من جديد، منطلقاً ركضاً في آفاق ذهني عبر عشرين طريقاً مختلفاً في وقت واحد.

إنني أنام أقل من أي وقت سبق، ذلك أن هدوء الليل يفرض السكون عليَّ، ولا أتناول إلا وجبة الإفطار فقط، وأرفض أي تشويش وأي تشغيل أو تريض. وعندما تصبح حالتي المزاجية أكثر احتراماً مما ينبغي وأجد نفسي أضرب ضائعاً متجاوزاً كل سيطرة، فإنني أخرج دراجتي النارية وأنطلق بها بأقصى سرعة عبر هذه الطرق غير الممهدة ساعة وراء أخرى.

وقد توترت أعصابي ومضت إلى ما يقرب من الموت، بحيث أنه ما من شيء يقل عن ساعات من الخطر التطوعي ستعيد هذه الأعصاب إلى الحياة، والحياة التي تصل إليها عندئذ هي نشوة كئيبة حقاً.

عجيب حقاً هو هذا التوق إلى المخاطرة، لأنني في الجمنازيوم أمقت القفز على الحصان أكثر من السمر، فهذا أمر عضوي، وذلك هو السر في مقتي له، إنني أخجل من هذا الوثب وأخجل من عدم القيام به، ولست على استعداد للقيام به، والأكثر من ذلك أنني أحس بالخجل من القيام به بصورة جيدة».

ولكي يقلل لورنس المخاطرة بالظهور العلني، فقد حرص على أن يحيا تحت ستائر التكتم الشديد داخل المعسكر الذي أسند إليه العمل فيه في كراتشي «التي كانت آنذاك جزءاً من الهند»، مقتصراً عن طواعية على التحرك داخل الثكنة وحدها.

في عام 1928 عهد إليه بالعمل في ميرانشاه، وهي منطقة نائية الحدود مع أفغانستان. وكان اكتشاف أن لورنس العرب يقبع قرب حدودها الجنوبية تحت اسم مستعار تقريراً صحافياً أكثر روعة بالنسبة لأي رئيس تحرير من أن يقاوم نشره، على الرغم من أن أبرز نشاط قام به لورنس في تلك الفترة كان ترجمة رائعة هوميروس، «الأوديسة».

أشارت عناوين الصحف الصارخة إلى أن الجاسوس العالمي العقيد، هكذا كانت تلقبه الصحف الشعبية البريطانية، كان بسبيله إلى استئناف أداء حيله القديمة قاب قوسين أو أدنى من حدود أفغانستان.

شكل هذا، بالطبع، معضلة لسلاح الطيران الملكي، أحس قادته أنه لا سبيل إلى التعامل معها إلا بإبعاد لورنس عن المنطقة بأسرع ما يمكن، وهكذا طرحوا عليه ثلاثة خيارات، فإما نقله إلى عدن، أو إلى الصومال، أو إلى الوطن، وقد اختار العودة إلى بريطانيا.

كانت حشود الصحافيين في انتظاره عندما وصلت السفينة التي تقله إلى بلايموث، وهكذا اضطرت السلطات المعنية إلى نقله سراً من السفينة قبل رسوها والانطلاق به إلى حيث يختفي عن العيون والكاميرات الفضولية.

رجل الزوارق السريعة

كان من شأن هذا كله أن يعرّض لورنس لحالة من الاضطراب وعدم الاستقرار، إلا أنه كان على وشك أن يعيش مرحلة لم يتردد في وصفها بأنها من أكثر مراحل حياته سعادة، فقد كان الضابط الذي أفلح في إبعاده عن حصار جموع الصحافيين هو قائد الجناح سيرني سميث، الذي كان قد التقاه لأول مرة خلال أنشطته في وزارة المستعمرات، والذي كان قائد قاعدة سلاح الطيران الملكي في كاتووتر.

عهد إلى لورنس بالعمل في هذه القاعدة التي تضم طائرة بحرية، والتي كان سميث يديرها بروح العائلة ويقيم فيها مع زوجته كلير وابنته مورين، وسرعان ما أصبح لورنس واحداً من هذه العائلة الممتدة.

كان سيرني سميث معجباً بلورنس، وقد عامله معاملة الند، ووقعت كلير في غرامه في التو، وهذا غرام زاد تأججه رابطة الهيام بالموسيقى الكلاسيكية التي كانت تربطها بلورنس. ولم يطل الوقت قبل أن يجد لورنس نفسه ينطلق من رحلات منتظمة بالزورق مع كلير، وهي أنشطة لم تصل، على الرغم من أي شكوك أحاطت بها، إلى ما يزيد على نزهات أفلاطونية.

ساد مناخ من البراءة في هذا كله، فلورنس لم يكن له قط الكثير من الصديقات، وكان بطيئاً في فهم طبيعة عاطفة كلير نحوه.

ولكن ربما كانت هناك عقبة أخرى من نوع مختلف تمثلت في أنه كان من رتبة أخرى في سلاح الطيران، ولم يكن مفهوم قيام علاقة حب بينه وبين زوجة قائد القاعدة التي يخدم بها مما يكن أن يخطر على باله على الإطلاق.

ومن هنا فليس من الغريب أن لورنس سيفضي إلى ليدي آستور وهي صديقة مقربة أخرى في السنوات الأخيرة من عمره بقوله في لحظة شجن: «أرادت السيدة سميث.. مني شيئاً أريد الاحتفاظ به وكان ينبغي أن تفهم ذلك».

وأضاف لورنس: هناك أناس لا سبيل إلى المساس بهم، ولله الحمد، على الرغم من غاندي هذا العالم».

أما كلير سيرني سميث نفسها فإنها سيقدر لها أن تكتب مرثية جميلة للوقت الذي أمضياه معاً، وذلك تحت عنوان «العهد الذهبي». وتلفت نظرنا إلى براءة لورنس وبلاغته معاً أن هذا العنوان هو من صياغة لورنس، وليس من صياغة كلير.

غير أن موقع عمل لورنس الجديد كان يضم ما يتجاوز هذه الأجواء الاجتماعية، فمنذ البداية شارك في عمل أثار اهتمامه إلى أبعد الحدود، وشكل تحدياً بالنسبة له، فقد أشركه سميث في الاستعدادات الجارية لكأس شنايدر لسباق عام 1929.

ولاحقاً في أعقاب كارثة تعرضت لها طائرة بحرية، حيث كان زورق البحث عن الناجين غير مناسب للمرة للتعامل مع الموقف، انهمك الاثنان في حملة جادة ومستمرة لإنتاج زوارق إنقاذ جوية ـ بحرية جديدة تتسم بالسرعة والقدرة على التعامل مع المواقف الطارئة.

وقد كتب هربرت ريد في مراجعة لطبعة 1928 من «أعمدة الحكمة السبعة» يقول عن لورنس إنه «كان رجلاً لديه حمل ثقيل يشغل ذهنه» وقد كان الاشتغال على الزوارق السريعة بدون شك عنصراً من عناصر تقليل هذا الثقل الجاثم على لورنس.

وهكذا فإن لورنس يبدو لنا في هذه المرحلة في «أوفرول» خشن بيدين يكسوهم الشحم على نحو يتناقض تمام التناقض مع صورته التقليدية المرسومة في أذهاننا بملابسه العربية على رحلة تسابق الريح.

ومما يكشف عما كان يدور بذهن لورنس في هذه المرحلة أنه كتب إلى أحد أصدقائه من الفنانين يقول ضاحكاً إنه عندما ينتهي من العمل في القاعدة، ولما كانت الكتب لا تعترضه كثيراً فإنه يميل إلى قراءة «هابي مجازين» أكثر مما يميل إلى قراءة أعمال أفلاطون، ويضيف: «وهكذا وصل إلى حل وسط هو عدم قراءة أي منهما، وبالتالي فإنني أصبح ميكانيكياً أفضل».

وفي عبارة أخرى تتحدى النسيان، يقول لورنس في رسالة بعث بها إلى زميل له في وقت الحرب، والذي أصبح الآن لورد لويد: «بعد أن انشغلت في الثورة والسياسة، من الجميل للغاية أن أصبح نافعاً على الصعيد الميكانيكي».

ينبغي أن يلفت نظرنا ما يشوب هذه العبارة الأخيرة من مشاعر، فهي قد كتبت في سبتمبر 1934، وهو الأمر الذي يعني أن وقت رحيله عن سلاح الجو الملكي يقترب مسرعاً، وكان قد قارن هذا السلاح ذات مرة بدير عادي، لكن هذا الدير كان يسرح رهبانه من الخدمة.

في 5 يناير 1935، ومن موقع خدمته الأخير في بريد لنجتون كتب إلى صديق له في كامبردج يقول: «إن صرامة سلاح الجو الملكي وروتينه كانا بمثابة مرساتين بالنسبة لي تربطاني بالحياة وبالدنيا، وأتمنى لو أنه لم يكن هناك اضطرار لقطعهما».