لو أن أزمة مثل فضيحة كليرستريم التي تزلزل الآن المؤسسة السياسية في باريس حدثت في بريطانيا، «لاستقالت الحكومة ولأجريت انتخابات جديدة»، كما قال نائب بريطاني معتدل في حديث مع التلفزيون الفرنسي الأسبوع الماضي.

وقد تبدو هذه النتيجة بديهية على الطرف الآخر من بحر المانش، لكنها لا تروق للفرنسيين على ما يبدو. وبحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، فإن الناس خارج النخب الباريسية والدوائر السياسية ينظرون إلى القضية بمزيج من الحيرة وربما اللامبالاة التشاؤمية.

والواقع أن حيرة هؤلاء مبررة، فتعقيد مكيدة كليرستريم يجعل حتى حبكة رواية «دافنشي كود» تبدو بسيطة بالمقارنة. وهي تتضمن ادعاءات زائفة عن تعاملات مالية غير مشروعة، متورط فيها ساسة وموظفون مدنيون كبار، يفترض أنها تمت عبر مركز خدمات اجتماعية يقع في لكسمبورغ.

والرئيس جاك شيراك، ورئيس الوزراء دومينيك دوفيلبان ووزير الداخلية نيكولا ساركوزي (الذي هو نفسه موضوع لبعض هذه الادعاءات)، جميعهم متهمون باستغلال القضية لمآربهم السياسية الخاصة.

وفي كل يوم، تتكشف أمور جديدة لتزيد الحيرة والإرباك، لكن هناك تباينا بين التعقيد الشديد لهذه القصة والوضوح الشديد لمغزاها السياسي والأخلاقي. لأن الرهان هنا كبير جداً ويتعلق بدور فرنسا في أوروبا والعالم ومستقبل النظام السياسي الفرنسي، إذا لم نقل مستقبل الإيمان بالديمقراطية في البلد الذي اخترع مبادئ «الحرية، والمساواة والاخوة».

ومن الصعوبة بمكان أن نتصور، بخلاف تأكيدات شيراك، أن قضية كليرستريم - التي جاءت بعد الـ «لا» الفرنسية في الاستفتاء على الدستور الأوروبي واندلاع أحداث العنف في شوارع فرنسا الخريف الماضي.

وإخفاق الحكومة في تطبيق بداية إصلاح لقوانين العمل - من الصعب تصور أن هذه القضية لن تتسبب بمزيد من الضرر لصورة فرنسا في العالم وقدرة دبلوماسيتها على إسماع صوتها للعالم. ويمكن القول، على صعيد سيكولوجي على الأقل، إن أوروبا اليوم تشهد عودة ألمانيا وخروج فرنسا، على الأقل في الانتخابات الرئاسية التالية المزمع إجراؤها خلال أقل من عام من الآن.

وما تظهره قضية كليرستريم خارج نطاق الجانب المظلم لتجارة السلاح - حيث تتضمن ضرائب مزعومة في صفقات بيع سفن حربية فرنسية إلى تايوان في 1991 هو علاقات الارتباط الخطرة التي قد توجد أحياناً بين أوساط الأعمال والوسط السياسي والاستخباري. ويتجاوز حجم المخاطر هنا القضية نفسها.

ويكشف المفارقة التاريخية لألاعيب النفوذ التي تمارسها النخب السياسية والصناعية والإدارية - في مناخ يذكّر بالنظام السياسي البائد لبلاط الفيرساي، لكن بدون فتنته وسحره - المفارقة التي تتناقض مع الحاجة للتواضع والشفافية في السلطة الديمقراطية في عصرنا العالمي الحالي. من الواضح أن فرنسا تحتاج حقاً إلى هذه التوليفة من التواضع والشفافية، لكن هل يمكن تحقيق هذا؟

زعماء المعارضة أطلقوا على القضية اسم «ووترغيت الفرنسية». لكن السيناريو الأكثر ترجيحا، ما لم تحدث إفشاءات جديدة مثيرة، هو أن القضية برمتها ستؤول إلى ما آلت إليه فضيحة «رينبو واريور».

ففي منتصف الثمانينات، خلال رئاسة فرانسوا ميتيران، لم يتأثر نفوذ السلطة التنفيذية، باستثناء وزير الدفاع الذي كان عليه أن يستقيل، بعد الكشف عن تورط عناصر من الاستخبارات الفرنسية في حادثة إغراق سفينة منظمة السلام الأخضر «رينبو واريور» قبالة السواحل النيوزيلندية.

وإذا نظرنا للموضوع من زاوية أخرى، نجد أننا نوشك أن نشهد في فرنسا عملية «أمركة» لحياتنا السياسية، أم أن علينا أن نشدد مرة أخرى على الفوارق الجوهرية بين البلدين؟

( بالطبع قد يتساءل المرء ما إذا كان ما حدث في السبعينات في الولايات المتحدة وانتهى باستقالة الرئيس ريتشارد نيكسون يمكن أن يحدث اليوم في أميركا جورج بوش.).

في الحقيقة أن هناك فوارق كبيرة بين النظامين السياسيين الفرنسي والأميركي. وما يجعل النظام الفرنسي مخيباً للآمال إلى هذا الحد هو الافتقار الكلي للتوازن بين السلطة التنفيذية والتشريعية، من ناحية، والضعف النسبي للسلطة القضائية من الناحية الأخرى. فالضوابط والموازين الوحيدة على السلطات الهائلة التي يملكها الرئيس الفرنسي تأتي فقط في وقت الانتخابات.

وعندما لا يكون هناك انتخابات، فإن الشوارع، كما رأينا أخيراً في تظاهرات الطلاب والاتحادات العمالية، هي التي تستطيع التأثير في أفعال الرئيس. وهو وحده من يستطيع أن يقرر إبقاء رئيس وزرائه أو إقالته.

وفي هذا الوقت الذي تفصلنا فيه سنة كاملة عن الانتخابات الرئاسية، من المستحيل معرفة من سيستفيد من الفضيحة الراهنة، أو حتى معرفة ما إذا كانت القضية ستؤثر بأي شكل من الأشكال على مواقف الناخبين الفرنسيين.

من سيكون أفضل من سيجسد الرغبة في التغيير والتجديد: المعارضة الاشتراكية أم ساركوز ي أو حتى أقصى اليمين بقيادة جان ماري لوبان، زعيم الجبهة الوطنية، وهو السيناريو الأسوأ لكنه أيضاً الأقل احتمالاً ؟

من الأسهل أن نعرف من سيخسر من هذه الفضيحة من أن نعرف من سيكسب. والخسائر في هذه الحالة هي الاحترام للسلطة والدولة ومكانة فرنسا في العالم والإيمان بالديمقراطية.

وفي حديثه أخيراً عن فضيحة التلاعب بنتائج المباريات في كرة القدم الإيطالية، أكد رئيس الوزراء الجديد رومانو برودي أن تقويم هذا الاعوجاج قد يتطلب «تسونامي أخلاقياً».

ولحسن الحظ أن الصيغة المنطبقة على السياسة الفرنسية ربما تبدو مفرطة. ويبقى أن نأمل بألا تثبت الإفشاءات الجديدة في فرنسا بأن المقارنة كانت مبررة في نهاية المطاف.

ترجمة: علي محمد

عن: «فاينانشيال تايمز»