في ختام هذا الكتاب يجد القارئ نفسه على موعد مع تقويم شامل لما بقي من تراث لورنس، ومع محاولة جدية لاستيعاب السر في أنه اليوم يتجدد الاهتمام به ليس من جانب القراء العاديين فحسب، وإنما في المقام الأول من جانب الخبراء والاختصاصيين في شؤون الشرق الأوسط وصراعاته.
ويبرز المؤلف مالكولم براون بصفة خاصة الجهود الكبيرة التي بذلها لورنس في فهم العقلية العربية، ويعرب عن اعتقاده بأن هذه الجهود هي التي تقف وراء الإقبال الهائل، الذي أبرزته صحيفة «التايمز» اللندنية على إعادة قراءة كتاب لورنس الكلاسيكي «أعمدة الحكمة السبعة» منذ عام 2004.
وهو الكتاب الذي أصبح ضرورة بالنسبة للعديد من الكوادر العسكرية الأميركية، التي أبدت اهتماماً كبيراً بمفهوم لورنس عن «دائرة الأحزان» وتشديده على آليات تقليص الخسائر البشرية في الصراعات الحربية.
قُدِّر لشهرة تي. إي. لورنس أن تشهد انعطافة نوعية في مسيرتها مع عرض فيلم «لورنس العرب» من اخراج ديفيد لين وبطولة بيتر أوتول، الذي لعب دور لورنس، وهو الفيلم الذي عُرض لأول مرة في عام 1962 وفاز بجائزة الأوسكار، ونقل مساهمة لورنس في الحرب إلى أرجاء الدنيا، فكفل ميلاد جيل جديد من محبي لورنس والمهتمين بكل ما يتعلق به.
كان الاهتمام الجماهيري الكبير بهذا العمل وراء ظهور موجة جديدة ومتواصلة من سير الحياة، التي يتحمس بعضها للورنس، ويحمل البعض الآخر عليه بشدة. وعلى الرغم من أن الفيلم لم يكن عملاً وثائقياً، إلا أن جانباً كبيراً منه أعاد تقديم المواقع الصحراوية الأصلية التي وقعت فيها الأحداث.
مع ذلك فإن الفيلم كان أقرب إلى أجواء هوليوود منه إلى دنيا التاريخ وعلى الرغم من أن بيتر أوتول قدم شخصية لورنس على نحو متألق، إلا أنه كان أطول منه قامة بقدم كامل على الأقل، ولم يتردد الكثير من اصدقاء لورنس في الإعراب عن استيائهم وغضبهم مما شاهدوه على الشاشة.
أياً كان الأمر، فإن مالكولم براون يلفت نظرنا إلى جانب بالغ الأهمية، وهو أن الرجل، الشخص الأخير القابع وراء البريق والتألق، وراء المدح والقدح، هو الذي يثير اهتمامنا الآن، بينما الشخص الذي ينطلق على راحلته في الصحراء مسلماً أرديته للريح يحتل المرتبة الثانية بصورة متزايدة. إن لورنس الأقل استقطاباً للأضواء والأقرب إلى أرض الواقع والمنتمي إلى السنوات الأخيرة هو الذي يحظى باهتمام أكبر، حسب تأكيد المؤلف.
إنه لورنس الذي يشعر الكثير من الناس بتقارب شخصي معه، رجل يناضل في مواجهة الجوانب الإيجابية والسلبية من شخصيته المعقدة، في مواجهة دوافعه وأفكاره وميوله، رجل يواجه السؤال الكبير حول ما الذي يتعين عليه القيام به حيال حياة عملية انتهت أعظم لحظاتها مسرعة، تاركة إياه مع ظلال لا يملك هروباً منها، طالما هو على قيد الحياة. هذا الرجل يكمن جانب كبير من تراثه ليس في منجزاته ونجاحاته، وانما في إنسانيته وضعفه، في الطريقة التي يعالج بها مشكلة العيش، وبالطرق التي يعد بها، أو يبدو مثلنا، على نحو ما يعبر المؤلف مالكولم براون.
هناك لورنس آخر
يحرص المؤلف على التشديد على أن عالم اليوم المتغير هو الذي فرض تقويماً جديداً لجانب واحد، على الأقل، في سياق شهرة تي. إي لورنس باعتباره لورنس العرب، وهو جانب بارز على أي حال، من جوانب الحياة العملية لهذا الرجل، وهي الحياة التي تعد أقرب إلى الشهاب منها إلى أي شيء آخر.
كان لورنس شخصية صغيرة في الحرب التي أعطته الفرصة، حسب تعبيره الشهير «لكي يكتب مشيئته عبر السماء بالنجوم». أما الآن فقد أصبح لورنس شخصية كبرى في سياق الحروب غير التقليدية، الصراعات المناهضة للإرهاب كما يعبر الكثير من المراقبين، التي حلت محل الحرب الباردة باعتبارها التهديد الكبير للسلم والاستقرار في العالم.
في هذا المجال، وحيث لا نجد لشخصيات بارزة في الحرب العالمية الأولى، مثل فوخ، لودندورف، هندنبرج، هيج وبيرشنج ما تقوله، أو تساهم به، فإننا نجد أن ضابط الاتصال مع فيصل الذي لا تنقصه البلاغة ولا القدرة على الحركة الطليقة يبرز فجأة بحسبانه شخصية ذات أهمية كبيرة.
لقد بدأ المؤرخون والمعلقون في اقتطاف أقواله وآرائه باعتباره حجة في الموضوعات التي يناقشونها، وبحسبان أن لديه ما يقوله بشأن الحرب الجديدة التي تدور رحاها في الشرق الأوسط، والذي يعد الآن بوتقة عالمية على نحو يفوق ما كان عليه في أيام لورنس. هكذا فإن الرجل الذي لم يجد معدو «قاموس أكسفورد للمقتطفات الحديثة» ما ينقلونه عنه إلا ثلاثة مقاطع فحسب، يجري الآن اقتطاف أقواله مراراً وتكراراً، تماماً كما لو كان مؤلف كتاب بالغ الحداثة، استقطب الأضواء لتوه.
الجدل يتجدد
أطلقت صحيفة «التايمز» اللندنية ما أصبح دفقاً هائلاً من الجدل والنقاش ونشرت في مارس 2004 مقالاً بعنوان «دروس لورنس العرب حول حرب العراق»، وجعلت للمقال عنواناً فرعياً «هو حكمة لورنس العرب». أوردت الصحيفة اللندنية في هذا المقال مجموعة من أقوال لورنس التي تستحق الاهتمام والوقوف عندها طويلاً، ومنها:
* الجيوش كالنباتات، ثابتة، عميقة الجذور، تتغذى من سوق طويلة تمتد إلى الرأس، أما رجال حرب العصابات فهم كالضباب.
* بالنسبة للأتراك فإن الحرب على التمرد كانت مضطربة وبطيئة مثل أكل الحساء بالسكين.
* لكي تقود مقاتلي رجال حرب العصابات لابد لك من أن تكون واحداً منهم، وقد علموني أنه ما من رجل يمكن أن يكون قائدهم، إلا إذا أكل من طعام عامتهم، ولبس ملابسهم، وعاش معهم، ومع ذلك بدا أفضل في ذاته.
* قوة الأمل والخيال تجعل الرجال خطرين.
وذكرت «التايمز» أن هناك زيادة هائلة في مبيعات كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» وأوردت في مقال رئيسي أن الشيء القيم حقاً في منهاج لورنس هو تصميمه على فهم العقلية العربية، وأن عبقريته تكمن في المتاعب التي تحملها من أجل القيام بذلك. وقالت: «إن ضابطاً عسكرياً متجذراً في احترام لورنس للعادات العربية.. من شأنه أن ينجح إلى حد كبير في كسب القلوب والعقول مقارنة بضابط يتولى هذه المهمة من دون معرفة متخصصة».
وفي الوقت نفسه تم تناول هذه القضية بعنفوان في الولايات المتحدة، حيث أصبح لورنس مؤلفاً من المحتم قراءة أعماله في الدوائر العسكرية وكذلك موضوعاً لنقاش جاد ومطول في الصحف الأميركية البارزة. هكذا فإن هناك عاملاً آخر يتعين أن يضاف إلى تراث لورنس، وكما يعبر براون فإن هذا الرجل الذي رحل عن عالمنا قبل ما يزيد على سبعين عاماً قد برهن على أنه لا تزال لديه القدرة على ادهاشنا، وفي مجالات كانت خبرته بها خبرة فائقة، فإن من المحتم أن لديه الكثير مما يبلغنا به، ويعلمنا إياه، وبالتالي فإن قصته لم تنته بعد.
حرب بلا معركة
من المؤسف حقاًأن مؤلف كتابنا، مالكولم براون، يكتفي بالإشارة إلى أن تي.إي لورنس قد استغرق في دراسة الحرب إلى حد كبير، من دون التطرق بأي درجة من التفصيل إلى طبيعة هذه الدراسة ومصادرها وما ركز عليه لورنس وهو يقوم بإنجازها. ربما يعد هذا الجانب حقلاً لا يزال يتعين على باحث متخصص أن يقدم لنا فيه دراسة مفصلة، ولكن من الواضح في الإشارات المتفرقة الواردة في «أعمدة الحكمة السبعة» وفي تقارير لورنس الميدانية ورسائله إلى العديد من رفاق السلاح في هذه المرحلة أنه قد قرأ بتمعن الدراسات الشرقية عن الحرب، وفي مقدمتها كتاب صن تسو الشهير «فن الحرب».
لهذا ليس عجيباً أن يطالعنا تعبير «حرب بلا معركة» في كتابات لورنس، وهو التعبير الذي يلخص به مساهمته الرئيسية في ثقافة حرب العصر الذي عاش فيه. لقد كان ذلك العصر يرى في الحروب التي تتحول إلى أتون طاحن يلتهم أرواح مئات الألوف من البشر في صراع دموي على ساحات قتال غارقة في الوحل والدم وسحب البارود شيئاً طبيعياً ومألوفاً وعادياً، شيئاً لا يتردد البعض في وصفه بأنه من طبائع الأمور.
بالمقابل، فإن لورنس كان يضع في ذهنه دائماً خطة استراتيجية شاملة يكمن نجاحها في تجنب المواجهات الرئيسية، وبالتالي تجنب تكبد خسائر هائلة في الأرواح، وهو الأمر الذي كان لورنس يرى أنه غير ضروري بالمرة، للفوز في الحروب وحسم نتائجها. لهذا على وجه الدقة سنرى لورنس يركِّز على التفوق الذهني على العدد الذي يجعل قتل رجال العدو أمراً زائداً وغير ضروري.
من منظور لورنس فإنه ليست هناك حكمة في مواجهة عدد من نوعية الجيش التركي بقوته النارية التي لا يستهان بها، فالهجوم على جيش تقليدي مدرب بعناصر كالمقاتلين العرب في هجمات بالمواجهة كان من شأنه التحول الى مذبحة تودي بأعداد هائلة من المهاجمين، أيا كانت شجاعتهم وبراعتهم في القتال.
لهذا على وجه الدقة لا يفاجئنا ان نقرأ ما كتبه لورنس في هذا الصدد: «إن موت جسر وسكة حديدية أو آلة أو مدفع أو شحنة تركية من المتفجرات أكثر إفادة لنا من موت تركي». هذا المفهوم النظري الذي قام لورنس بتأصيله تحت عنوان «دوائر الأحزان» قوامه ان سقوط مقاتل في الميدان على نحو لا ضرورة له يولد دوائر من الأحزان لا تفتأ تتسع بلا انتهاء.
ومن المحقق انه في الحرب لابد من وقوع خسائر، وفي بعض الأحيان على نطاق كبير، ولكن الإصرار على تضييق نطاق دوائر الأحزان هو وحده الذي يفتح المجال أمام الحياة والسلام في مرحلة ما بعد الحرب. ربما لهذا على وجه الدقة ركز لورنس على امتداد حملة العامين على عمليات استخدام المتفجرات في تدمير خط سكة حديد الحجاز، وسنجده يكتب كثيراً عن الأساليب التي استخدمها هو ورجاله ومنها الانفجار المعروف بـ «قنبلة الزنبق».
وعن هذا الأسلوب في التفجير يقول لورنس: «ان مظهر مقطع من السكك الحديدية معالج بهذا الأسلوب هو مظهر بالغ الجمال، حيث تندفع القضبان عالياً بأشكال منوعة مثلما براعم الزنبق». كان هذا الخط الحديدي يمتد من دمشق إلى المدينة بطول 800 ميل تقريباً، وعلى الرغم من انه كان يستخدم بصفة أساسية لنقل الحجاج الى الأراضي المقدسة إلا اانه كان أيضاً خط الإمداد بالمؤن والمقاتلين بالنسبة للأتراك الأمر الذي جعله هدفاً منتظماً للهجمات العربية طوال 1917 ـ 1918.
غير أن الأمور لم تكن على مثل هذا القدر من اليسر والسهولة دوماً، الأمر الذي نجده منعكساً في موقفين يتبناهما لورنس في هذه المرحلة. يبرز الموقف الأول لدى لورنس بصفة خاصة عندما يكون قتل أعداد كبيرة من جنود العدو أمراً يتعذر تجنبه، وهكذا فإنه يكتب لصديق له في الجيش البريطاني حول هذا الموضوع على وجه الدقة قائلاً: «آمل أن يبدو هذا طريفاً على نحو ما هو بالفعل.. إنه الأداء الأقرب إلى عمل شخصيات من نوعية بوفالوبيل، والبدو هم أفضل من يقومون بإنجازه».
مع ذلك فإن في اليوم السابق لكتابة هذه الرسالة مباشرة كان قد كتب إلى زميل في أكسفورد يقول: «لن أطيل أمد هذه اللعبة أكثر من، فالأعصاب تتوتر والحالة المزاجية يغمرها الاكتئاب، والمرء بحاجة إلى رصيد غير محدود من قوة الأعصاب والمزاج المتفائل. إن هذا القتل والمزيد من القتل للأتراك أمر فظيع». على الرغم من أن لورنس في هذين الموقفين يبدو رجلاً ناجحاً دائماً في المهام التي يتصدى للقيام بها، إلا أن هذا النجاح لم يكن مواكباً له على الدوام.
المثال الشهير في هذا الصدد هو المتعلق بجسر وادي اليرموك، وهو واحد من الجسور المهمة التي يمر بها القطار في الطريق من سوريا إلى فلسطين، وقد أخفق الهجوم الذي أعده لورنس بناء على أمر مباشر من الجنرال اللنبي لنسف هذا الجسر، عندما سقطت بندقية أحد رجاله لدى اقتراب فريق الهجوم من الجسر، فبادرت الحامية التركية إلى استقبال المهاجمين بوابل من الرصاص.
ووفقاً لرواية لورنس نفسه، فإن محاولة تعويض هذا الإخفاق هي التي دفعت به إلى درعا، حيث تعرض للمحنة التي بقيت ظلالها تفرض نفسها عليه طوال ما بقي له من عمر. وإذا أردنا الاقتراب بشكل أكبر من روح هذه المرحلة، فإن علينا أن نقرأ هذا المقتطف من رسالة بعث بها لورنس إلى عائلته في 14 نوفمبر 1917، حيث كتب يقول من مقره في قلعة الأزرق في الصحراء الواقعة إلى الشرق من عمان،
وهذا المكان الذي أمضى فيه الجانب الأكبر من نوفمبر 1917: «إننا في قلعة قديمة ذات أسقف حجرية وأبواب حجرية من النوع المستخدم في باشان. وقد بعد العهد بينها وبين الإصلاح، لكنها تتحسن في هذا المجال كل يوم، وسأبقى هنا بضعة أيام، لأمنح زفاقي قسطاً من الراحة، ثم انطلق في جولة أخرى، وقد كانت الجولة الأخيرة مخصصة للانقضاض على قطارين، انفجر أحدهما متحولاً إلى ركام متناثر، بينما تهاوى الثاني على حطام الأول.
يالها من لحظة واكبها النجاح! إذا رأيتم كلمة مرفقة بالآلة الكاتبة تشير إلى مفرزة من الجيش الشمالي للشريف فيصل.. الخ، فتلك إشارة لي». ونلاحظ أن لورنس حرص في حملة العامين على القيام بغارات على خط السكة الحديد نفسه بأكثر مما حرص على الهجوم على القطارات، ومرد ذلك إلى رغبته في عدم تعريض مرافقيه لمخاطر لا ضرورة لها، فضلاً عن التطبيق المباشر لمفهومه عن تجنب إيقاع الخسائر الكبيرة التي لا ضرورة لها في صفوف العدو أيضاً.
لكننا نعرف أن الأمور لم تسر على هذا النحو، كما أراد لها لورنس، فقد اضطر بصفة خاصة بعد المذابح التي أوقعها الأتراك في صفوف المدنيين في مضارب العديد من القبائل العربية إلى إصدار الأمر بعدم أخذ أسرى من الأتراك وإلى اتباع قاعدة العين بالعين والسن بالسن والبادئ أظلم.
ونتوقف أمام منعطف مهم في كتاب «أعمدة الحكمة السبعة» يعني هذه الجوانب وتفكير لورنس الدائم فيها، حيث يقول: «الحكومات تنظر إلى الرجال إجمالاً فحسب، ولكن رجالنا بحكم كونهم قوات غير نظامية ليسوا تشكيلات، وإنما هم أفراد، وموت الفرد، شأن حصاة تسقط في الماء، قد يحدث أثراً لا يدوم طويلاً، ولكن دوائر الأحزان تتسع من هذا الموضع، وليس بمقدورنا احتمال الخسائر، وفي حالة قطع السكة الحديدية فإنها عادة ما تكون منطقة ممتدة تخلو من القضبان، وكلما زاد الخواء عظم النجاح التكتيكي.
وربما يمكننا تحويل ما درجنا عليه إلى قاعدة وتكريس العادة المتمثلة في عدم الاشتباك مع العدو، وقد كان خطنا هو أن ندمر موارد الجيش التركي وليس هذا الجيش نفسه». ثمة التفاتة هنا ينبغي في إطارها تأمل المغزى الرمزي لبندقية أهديت لمتحف الحرب الامبراطوري البريطاني.
هذه البندقية من طراز «لي انفيلد 3» العتيق، وهي بندقية لورنس حيث تحمل الحروف الأولى من اسمه وتاريخاً محدداً هو الرابع من ديسمبر 1916، وقد أعطاه إياها فيصل بن الحسين، الذي كان قد تلقاها هدية قبل الثورة العربية الكبرى من أنور باشا، وهذا الأخير حصل عليها كجزء من غنائم الأتراك من الحملة البريطانية الفاشلة في 1917، وقد أهدى لورنس هذه البندقية إلى الملك جورج الخامس ملك بريطانيا، الذي أهداها بدوره إلى المتحف البريطاني العتيد.
تساؤلات
على الرغم من الجهد البحثي والتوثيقي الكبير الذي بذله مؤلفنا مالكولم براون، ونجح في غماره في الإجابة عن العديد من الأسئلة التي ظلت معلقة بشأن محطات عدة في مسيرة حياة توماس ادوارد لورنس، فإن هذه الإجابة هي نفسها التي تفتح المجال أمام بروز مجموعات جديدة من التساؤلات وعلامات الاستفهام بشأن لورنس.
لقد أشرنا حالاً إلى أن جوانب شتى من رؤية لورنس للحروب غير التقليدية تحتاج إلى المزيد من البحث وإلقاء الضوء عليها. ومن المحقق أن هذه الجوانب هي التي جعلت الكثير من العسكريين الأميركيين المعنيين بالتطورات في العراق يعودون إلى دراسة لورنس ومحاولة الوصول إلى مفاتيح نجاح حملة العامين التي لعب دوراً مهماً فيها.
لكن ذلك وحده ليس الجدير بالاهتمام، فمن الواضح أن هذا المنعطف من تاريخ الحرب العالمية الأولى كتب إلى حد كبير من منظور الوثائق والكتب والدراسات والروايات البريطانية، بينما نظيرتها العربية لا تزال بعيدة تمام البعد عما تستحقه من بحث وتمحيص من دون أن يبدو في الأفق الحد الأدنى من البوادر الدالة على السير في هذا الاتجاه.
والموقف العربي من المشروع الصهيوني في هذه المرحلة جدير بالتوقف عنده أيضاً ودراسته، ومن المهم أن نعرف طبيعة الردود التي طرحها لورنس على تساؤلات القيادات العربية حيال وعد بلفور. وتبقى تساؤلات كثيرة في انتظار الإجابات، وربما كانت إثارتها هي في مقدمة حصاد كتاب مالكولم براون، وفي صدارة العناصر التي تؤكد أهميته.
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين