تلقي الحلقة الأخيرة من الكتاب الذي بين أيدينا الضوء على العديد من جوانب معاناة الإنسان العراقي العادي، التي لا يمكن ان تظهر بسهولة على الشاشات الصغيرة، أو من خلال كلمات السياسيين الباردة. وتبين ميله إلى السلم ونبذ العنف بجميع أشكاله وصوره وذلك اعتماداً على نظرة سليمة تدرك بعفويتها ما يدور حولها من أحداث وتميز الغث من السمين فيما يطرح عليها من مشاريع، وليس أدل على ذلك من استعراض إرادة الوحدة الذي قدمه أبناء الشعب العراقي على اختلاف مشاربهم أثناء المعارك التي شنتها قوات الاحتلال ضد مدينتي الفلوجة والصدر، مما يعكس شعوراً راقياً بالوحدة الوطنية.

بحلول عام 2004 تزايد غضب العراقيين وشعروا بأن شيئا لم يحدث على طريق إعادة بناء العراق بعد أن كان الكثيرون يتوقعون من أميركا الكثير، بل على العكس، فقد تفاقمت معدلات البطالة خاصة بعد قرار بريمر بحل الجيش وجهاز المخابرات. وبعد مرور عام على بدء الولايات المتحدة عملية إعادة بناء الشرطة العراقية، لا تزال الجريمة تلقي بظلال كئيبة في شوارع العاصمة والعديد من المدن الكبرى.

وأصبحت حديث الشارع العراقي. وقد التقى المؤلف أنتوني شديد بعديد من الشخصيات العراقية في تلك الفترة، منهم طبيب شيعي يدعى فؤاد كان متفائلا بسقوط صدام في بداية الأمر لكنه شعر بالحزن بعد ذلك وهو يرى الأوضاع تتفاقم يوما بعد يوم، وقال للمؤلف: «إنها كارثة إن ما يتعرض له العراق من أعمال نهب وعنف وسرقة واختطاف أمور لا يمكن ان تستمر سواء كانت متعمدة أو غير متعمدة». وردت عليه ابنته ياسمين قائلة: «لقد ذهب الخادم، والآن جاء سيده.. ذهب صدام وجاء الأميركيون، ما الفرق؟»، وقالت زوجته سعاد، التي كانت تشعر بالضيق نتيجة للانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي: «لقد جلبوا الدبابات بالطائرات، لكنهم لا يستطيعون أن يجلبوا المولدات من الكويت أو من تركيا، لكن الطبيب قال: «ذلك يحتاج إلى وقت». صرخت سعاد «لقد مضت ثلاثة أشهر! الجو حار وخانق، نحن لا نستطيع أن ننام فوق السطح ليلاً».

يقول المؤلف انه خلال تلك الفترة كثر الحديث عن احتمال نشوب حرب أهلية وذلك كنتيجة طبيعية لتصاعد حالة الفوضى. إلا أن كثيراً من المثقفين والمتعلمين، الذين التقاهم المؤلف، استبعدوا ذلك قائلين اننا كلنا عراقيون ويتزوج الشيعي من فتاة سنية والعكس وليس هناك أي صراع كان وإن كل ما يهم العراقيون ان يعيشوا في سلام. إلا أن البعض تساءل حول سبب تجاهل أميركا للتطورات السلبية العديدة التي حدثت في أعقاب سقوط صدام، ومنهم من قال إنه من المحتمل أن يكون لأميركا دور فيما يحدث وإلا فما السبب وراء وقوفها تراقب الموقف فحسب؟ إنها تعرف ما يجري وبإمكانها وقفه في أية لحظة. وبعد مرور عام على الاحتلال راح الكثير من العراقيين يتساءلون عما تم انجازه، وتقول كريمة «ما الذي ستفعله بالديمقراطية إذا لم يكن لدينا شيء؟ إن الأميركيين لا يفهمون شيئاً، انهم لا يفهمون على الإطلاق».

وأضافت كريمة قائلة: «ما الذي ستفعله الانتخابات إذا كانت العصابات تواصل جرائمها في كل مكان». ولخصت كريمة الوضع قائلة: «إنه مزرٍ، لو أننا كنا دولة فقيرة، لما سأل علينا أحد ولا اهتم بما يحدث».

كان المؤلف يلتقي أسرة كريمة من وقت لآخر خلال فترة إقامته في العراق أثناء الحرب وكان في أحيان عديدة يركب في سيارة كريمة وعادة ما يكون شريط التسجيل يردد أغنية «سواح» لعبدالحليم حافظ والتي يقول مطلعها الرئيسي «مشوار طويل.. وأنا فيه غريب، والليل يقرب، والنهار رواح».

ومثل هذه الأغنية استلهم الكاتب عنوان كتابه الذي يعبر، من الأغنية، عن الوضع في العراق.

ويقول المؤلف إن الليل يبدو دائماً أنه يقترب في العراق ويزداد عتمة مع اتساع نطاق الفوضى وتزايد الأعمال الإرهابية التي تشيع الخوف في النفوس، وتنشر الخسائر في كل مكان ويعاني منها الجميع بمختلف الانتماءات.

وتفاقم الوضع بعد أن ادى تفجير مبنى الأمم المتحدة في أغسطس 2003 إلى عدم قيام المنظمة الدولية بدور فعال في الاحتلال الذي تقوده أميركا، كما أدى تفجير السفارة الأردنية إلى توجيه رسالة للدول العربية بعدم دعم الحكومة التي نصبها الأميركيون. وذلك بالإضافة إلى تفجيرات متفرقة أودت بحياة المئات من المدنيين الأبرياء ليس لها من هدف سوى إحداث المزيد من الفوضى وحمامات الدم.

وإذا كانت مثل هذه الأعمال لا تؤثر كثيراً على الوجود الأميركي في العراق، فإنها قد نجحت في تضخيم الإحساس بالفشل الأميركي في عيون معظم العراقيين والرأي العام العالمي.

توسيع دائرة الصراع

وفي أواخر مارس وأوائل إبريل 2004 حدث ما تخشاه الإدارة الأميركية أكثر من أي شيء آخر منذ بدء احتلال العراق قبل عام واحد من ذلك التاريخ، وهو انتفاضة شيعية، فقد بدأ رجال الصدر المسلحون يقومون بمظاهرات ويشنون هجمات كبيرة في بغداد وجنوب العراق.

وباندلاع هذه الأحداث، نشأ شعور عام بين سكان بغداد بأن اختبار الإرادة الذي استغرق عاماً بين التحالف وأنصار مقتدى الصدر قد أصبح حاسماً وسيكون لعواقبه صدى في مختلف أنحاء العراق.

وبهذه التطورات المستجدة، أصبح الجيش الأميركي يواجه مقاومة مسلحة على جبهتين؛ في المدن السنية المضطربة مثل الفلوجة، وفي المناطق ذات الأغلبية الشيعية التي كان سكانها قد أحجموا عن اظهار مشاعرهم ازاء الدور الأميركي وأدرك الأميركيون إنه إذا تم إنهاء هذه المواجهة بالقوة فإنه ستحدث انتفاضة شيعية كبرى.

يقول أنتوني شديد إنه خلال العام الأول من الاحتلال، ظل مقتدى الصدر يسعى لكسب الشارع الشيعي إلى جانبه من خلال إطلاق رسائل معارضة للاحتلال. وظل نفوذ مقتدى الصدر، الذي لم يتجاوز الثلاثين من عمره، أقل بكثير مما يتمتع به آية الله العظمى علي السيستاني، الذي يعد أبرز الشخصيات الدينية في العراق. وهذا ما جعل الصدر وأنصاره غير مقبولين في مدينة النجف حيث يحقق رجال الدين نفوذهم القوي.

ومع ذلك، فإن مقتدى الصدر ظل يتمتع بنفوذ بين أنصاره في بغداد وفي المدن التي عرفت إهمالاً لفترة طويلة، وتزايد شيئاً فشيئاً نفوذ وقوة ميليشيا الصدر في العراق.

ويرى المؤلف أن تحركات رجال الصدر خلال شهر ابريل جاءت بعد عدة مبادرات محسوبة قام بها الطرفان لاختبار قوة كل منهما، وحدثت آخر تلك المبادرات يوم 28 مارس 2004 عندما أغلقت قوات التحالف جريدة «الحوزة» التابعة للصدر، وتوزع هذه الصحيفة الأسبوعية نحو عشرة آلاف نسخة، وهي مخصصة بالدرجة الأولى للمساجد المناصرة للصدر.

وظلت الجريدة لعدة أشهر تنشر مقالات اعتبرها المسؤولون الأميركيون تحريضية. وأثار إغلاق الصحيفة احتجاجات بين الآلاف من الأشخاص الذين قام الكثير منهم بمسيرة وفق إيقاع عسكري في شوارع بغداد والنجف وارتدوا بدلاً سوداء موحدة خاصة بميليشيا الصدر المعروفة باسم «جيش المهدي».

ويقول المؤلف ان أتباع الصدر ظنوا أن عرضاً لقوتهم سيجبر المسؤولين الأميركيين على التراجع عن توسيع الإجراءات الصارمة. وفي خطبة الجمعة التالية، بدا الصدر وكأنه يدعو إلى هجمات على القوات الأميركية، وبهذا يكون قد تجاوز خطأ ظل يتجنبه بعناية لعدة أشهر. وطالب الصدر أنصاره في هذه الخطبة بمواجهة المحتلين حيث قال لهم: «كونوا على أتم استعداد واضربوهم حيثما قابلتموهم».

وفي صباح اليوم التالي ـ أي يوم السبت ـ تم اعتقال مصطفى اليعقوبي أكبر مساعدي الصدر وزعم مسؤولون أميركيون أنه تم اعتقاله مع 12 آخرين بتهمة ضلوعهم بقتل عبدالمجيد الخوئي، رجل الدين المعتدل المنتمي لإحدى أبرز العائلات العراقية الشيعية، وكان الخوئي قد قتل طعناً يوم العاشر من ابريل 2003 بعد يوم واحد من سقوط بغداد.

وأثار اعتقال اليعقوبي احتجاجات شارك فيها الآلاف في شتى أنحاء العراق. ومع وقوع معارك في بغداد وبعض مدن الجنوب مثل النجف والعمارة، أصدر الصدر بياناً دعا فيه أتباعه إلى إيقاف الاحتجاجات قائلاً إنها غير مجدية، لكنه أضاف في بيانه «ارهبوا عدوكم، إنه ليس ممكنا الالتزام بالصمت حيال تجاوزاتهم».

مخاوف.

وأشار شديد إلى أن سلطات التحالف ظلت لعدة أشهر منقسمة حول ما يجد فعله تجاه تحديات الصدر. وظلت على مدى أشهر تحاول اقناع أكثر رجال الدين اعتدالاً بلجم هجمات الصدر.

كما استمر حضور الصدر يتضاءل بمرور الوقت، على المستوى الشعبي فالسيستاني لعب دوراً أقوى في السياسة العراقية وانتقد عدداً من خطط الولايات المتحدة المتعلقة بتحقيق نقل السلطة السياسية للعراقيين. ونظراً للمكانة الكبيرة التي يتمتع بها السيستاني، امتنع مقتدى الصدر عن انتقاده علناً.

لكن في الجلسات الخاصة ظل أنصاره يعبرون عن استيائهم من نفوذ السيستاني.

يقول المؤلف إن الصدر ظل يتجنب الأضواء بعد الصدامات التي وقعت في أكتوبر 2003 بين القوات الأميركية وأتباعه في بغداد لكن ميليشيا حركته ظلت تتزايد سواء على صعيد النفوذ أو الحجم، حيث ارتفع عدد أفرادها إلى عشرة آلاف رجل مسلحين بقاذفات «آر بي جي» ومدافع الهاون والأسلحة الخفيفة الأخرى.

ومع تدهور الأوضاع الأمنية في جنوب العراق راحت هذه الميليشيا تطمح إلى تدعيم نفوذها جنباً إلى جنب مع منظمة بدر التي يديرها حزب شيعي آخر هو المجلس الإسلامي الأعلى للثورة الإسلامية في العراق.

ومع تزايد نفوذ جيش المهدي وتصاعد الاتهامات بقيامه بعمليات ترهيب وإصداره تهديدا بالقتل وتنفيذه لاعتقالات غير شرعية، أدرك الأميركيون ان جماعة الصدر تسعى للسلطة بعد أن يتم تسليمها للعراقيين في 30 يونيو 2004.

ومن هنا تصاعد الضغط داخل إدارة التحالف لفرض إجراءات صارمة على مختلف الميليشيات وخاصة جماعة الصدر قبل أن تكسب قوة إضافية أخرى.

يقول المؤلف إنه بدأ يسمع في مدينة الصدر هتافات تختلف عن تلك الهتافات في الأشهر السابقة، وقد بدأ على أهالي مدينة الصدر الغضب وهم يهاجمون الحملات العسكرية الأميركية ضدهم وضد مدينة الفلوجة السنية، وقال شاب يدعى علاء سراجي «لا فرق بيننا، إننا عراق واحد».

وقد أدى تصاعد أعداد القتلى خلال المعارك التي شهدتها الفلوجة خلال شهر أبريل الى تزايد السخط والغضب على الممارسات الأميركية خاصة بين الشيعة الذين أبدوا تعاطفاً مع أهالي الفلوجة وراحت النسوة يبكين وهن يشاهدن على شاشات الفضائيات حمامات الدم في الفلوجة.

والنتيجة الأهم انه حدث التحام شيعي ـ سني لمواجهة آثار المعارك من خلال تقديم المساعدات وتوفير خيام للاجئين بل والتطوع للقتال مما خفف كثيراً من مخاوف نشوب حرب أهلية في العراق.

وفي 6 أبريل، أي بعد يومين من ثورة الصدر، قام أهالي مدينة الأعظمية السنية، التي يعتبرها الكثيرون المكان الذي خرج منه حزب البعث العراقي، بمسيرة جنباً إلى جنب مع أتباع المهدي.

وفي نهاية أبريل تم التوصل الى هدنة في الفلوجة بين المقاتلين والجيش الأميركي، وانسحب أفراد المارينز من أماكن تمركزهم بالمدينة وسلموها إلى قوة عراقية يقودها ضباط كانوا موالين لحكومة صدام. وكان انسحاب الأميركيين يعني انتصاراً للمقاتلين في الفلوجة الذين صمدوا أمام الجبروت الأميركي.

وهذا النجاح بدا أوضح في الأشهر التالية عندما أصبحت الميليشيات من كل طيف تملأ المدينة التي أصبحت بدورها قاعدة لشن هجمات دموية، ومكاناً لتنفيذ أحكام بالأعدام غالباً بقطع الرأس. وانتهى هذا الفصل الدموي في نوفمبر 2004 عندما شنت القوات الأميركية هجوماً جديداً على الفلوجة مستعينة بقوة أكبر ورغبة أكبر للتغلب على عدوها، وكانت هذه المعارك أشبه إلى حد كبير بمعارك حرب فيتنام.

وفي يوم 9 أبريل 2004، كان قد مر عام على سقوط التمثال البرونزي لصدام ومعه سقوط نظام صدام ودخول العراق في نفق مظلم لم يبصر أحد نوراً في نهايته حتى الآن.

وقد صادفت ذكرى مرور عام يوم الجمعة وكانت خطب هذا اليوم نارية وكانت الرسائل شديدة اللهجة ضد الغرب وخاصة ضد الولايات المتحدة وإسرائيل. وقال عراقي يدعى سمير عبدالواحد: «لقد جاءوا للإطاحة بصدام، لماذا إذاً يقاتلون ضحاياه؟».

كان سمير ابناً لأب سني وأم شيعية، وكان يشعر بالغضب تجاه حمامات الدم التي حدثت في الفلوجة والقمع الذي تعرضت له مدينة الصدر، وأضاف سمير بيأس قائلاً: «ليس أمامنا من خيار. إننا في غاية الضعف، ما علينا سوى أن نسمع. لا علينا أن نطيع فنحن أضعف من أن نسمع».

انتخابات يناير 2005

يقول انتوني شديد إنه في 30 يناير 2005، صوت العراقيون في أول انتخابات تشهدها البلاد في نصف قرن.

وقد جرت الانتخابات وسط أجواء غاية في الصعوبة. فقد كان الإرهاب يسيطر على العاصمة بغداد وعلى معظم أجزاء العراق، وكان المقاتلون يسيرون حاملين بنادقهم في شارع حيفا الشهير بالعاصمة على بعد مسافة قصيرة من مقر الحكومة العراقية والسفارة الأميركية.

كانت أعمال العنف رهيبة حتى بالمعايير العراقية.. عمليات تنفيذ لأحكام إعدام في الشوارع، قطع الرؤوس أصبح أمراً شائعاً، ولم يكن يمر يوم دون أن تنفجر نحو ست قنابل في المدينة، وخلال الأسبوع الذي سبق الاقتراع، راح المقاتلون يوزعون منشورات تحذر من أنهم سيغسلون الشوارع بدماء أولئك الذين يجرأون على الإدلاء بأصواتهم. وقبل يوم من الاقتراع انفجرت سيارة مفخخة في حي الدورة الخطير، الذي كان العراقيون يفضلون تجنب الاقتراب منه.

وقُتل في الانفجار سائق السيارة وأربعة مدنيين بينما أصيب أربعة آخرون.

التقى المؤلف بشخص يدعى يحيى صادق عشية الانتخابات وقال صادق وهو ينظر إلى الشارع الخالي من المارة باستثناء رجال الشرطة وضباط بملابس مدينة يحملون الكلاشينكوف: «إنني سأبقى في البيت يوم الانتخابات، فالمخاطر كبيرة جداً. لقد أصبح الخوف والقلق أكبر مما كان عليه الوضع قبل الحرب».

وفي اليوم التالي، حدث شيء مذهل. فقد تراجع الخوف للحظة، وانتشر عشرات الآلاف من رجال الشرطة والجنود العراقيين في مختلف القرى والمدن العراقية، وشاهد أهالي بغداد المدرعات العراقية في الشوارع ـ حاملات أفراد ودبابات تي ـ 55 سوفييتية الصنع من مخلفات الجيش العراقي المنحل، وانتشرت الحواجز على الطرق والساحات والجسور ويحرسها جنود أميركيون وعراقيون، وهو وجود رأي كثير من العراقيين أنه كان من الضروري أن يحدث في أعقاب سقوط صدام للحيلولة دون استمرار أعمال النهب.

ويقول المؤلف انه بين ليلة وضحاها تغيرت بغداد. فالأول مرة منذ سقوط صدام في ابريل 2003 تعيش العاصمة وأجزاء أخرى من بغداد أجواء احتفالية حيث راحت حشود الجماهير ترقص وتغني وتسير في شوارع آمنة خاضعة للسيطرة.

وخرج الناخبون للإدلاء بأصواتهم بالآلاف من مراكز الاقتراع. وكانت هذه رسالة واضحة برغبة العراقيين في التطلع لمستقبل مشرق وفي رفض الديكتاتورية وحمامات الدم والصعوبات والمآسي التي أعقبت الغزو الأميركي.

وقد أدهش الإقبال الكبير معظم المراقبين وحتى العراقيين أنفسهم. وقال عراقي يدعى محمد ربيع: «انه يشبه حفل الزفاف، انه حفل زفاف لجميع العراقيين». كان ربيع مشرفاً على مركز اقتراع في حي تونس الذي تسكنه غالبية سنية، وبعد إقبال ضعيف في البداية، ازدادت أعداد الناخبين عند الظهر. وقال ربيع وهو يبتسم: «لم يشهد أحد مثل هذه الانتخابات من قبل. لنصف قرن، لم نخض مثل هذه التجربة، ونحن نقوم بانجازها بأنفسنا».

يقول المؤلف انه يعتقد ان هذه الأعداد الكبيرة التي خرجت للإدلاء بأصواتها كانت تريد ان يتم الاستماع إليها وان تختار مصيرها بنفسها لا عن طريق قوات الاحتلال، وكانت الانتخابات علامة تشير إلى رفض العراقيين تسليم بلادهم لقوى العنف والفوضى.

إلا ان الكاتب يقول انه بعد الانتخابات وبعد اللحظة المضيئة طوال الأشهر القاتمة الكئيبة، عادت أعمال العنف من جديد وسقط مئات القتلى في غضون أسابيع قليلة، وعاد «الانتقام باسم الدين، والتشدد المتزايد والطائفية بأبشع صورها والتعصب الأعمى إلى الساحة مرة أخرى.

ويتساءل المؤلف هل ستكون مثل هذه الاعمال ذات سمة مؤقتة أم ستظل مهيمنة على الساحة بصفة دائمة؟ وتظل هذه من النتائج المباشرة لفشل الاحتلال والذي أفضى الى تزايد أعمال العنف والانتقام وانتشار الأسلحة في أيدى معظم العراقيين للدفاع عن أنفسهم ولمواجهة جنود الاحتلال الذين يتصرفون في حملاتهم على القرى والبلدات العراقية ضمن اطار عام من الجهل بعادات وتقاليد العراقيين.

وفي النهاية، فإن هذا الكتاب الذي نختتم حلقاته اليوم يمثل رواية إنسانية يرويها شهود عيان حقيقيون من موقع الحدث مباشرة. وقد نجح انطوني شديد في وضع القارئ في اللحظة ذاتها بذكر اسم الشخص وسنه وديانته والطائفة التي ينتمي إليها والتاريخ الذي أجرى معه اللقاء.

إن هذا بلا شك جهد هائل يحتاج إلى تركيز كبير خاصة وأن الكتاب يضم مئات الأسماء التي التقى بها الكاتب فضلاً عن الظروف الصعبة التي كان يواجهها الكاتب مثل غيره من الصحافيين الذين قاموا بتغطية الحرب العراقية. وفي وصف محكم لأناس عاديين علقوا بين صراعات الدول، يروي شديد، العديد من القصص الإنسانية مع عراقيين بسطاء من أطياف وطوائف مختلفة.

ولذلك فقد نال انتوني شديد عن جدارة واستحقاق، جائزة بوليتزر المرموقة للصحافة وكان الصحافي الوحيد من بين عشرات الصحافيين الذين يحصلون على هذه الجائزة لتغطيته المتميزة ليس لتطورات الحرب، كخبر تغطية مختلف عن وسائل الإعلام فحسب، بل كسرد للعديد من القصص التي جسدت في الواقع المحنة التي يعاني منها الشعب العراقي في ظل حرب متسرعة وسط فشل إدارة بوش في الإعداد للعراق ما بعد الغزو ووسط حسابات خاطئة تجسد جهلاً شاملاً بالأوضاع العراقية.