يواصل المؤلف في هذه الحلقة الحديث عن معادلة الاحتلال الأميركي والمقاومة العراقية وإفرازاتها على الساحة العراقية من خلال لقاءاته مع عدد كبير من العراقيين البسطاء الذين عبروا بكل عفوية عن مشاعر الكره والغضب لقوات الاحتلال الغازية التي جاءت بوعود كثيرة لم تستطع أن تنفذ منها شيئاً، فتحولت حياة السكان إلى جحيم لم يألفوه حتى في عهد صدام حسين.
وينتقل بعد ذلك إلى الحديث عن حالة عدم الثقة السائدة بين الطرفين إلى درجة جعلت العراقيين يشككون في الرواية الأميركية الرسمية حول ظروف إلقاء القبض على صدام، وبخاصة في المناطق السنية التي اعتبر فيها بعض الأشخاص أن اعتقال «السيد الرئيس» كما لا يزال يلقب، عادل سقوط بغداد، ويصف مؤلف الكتاب كيف تبخرت آمال الأميركيين بتخفيف حدة العنف بعد اعتقال صدام حسين.
يقول أنتوني شديد إنه خلال صيف وخريف 2003 لفتت المقاومة بالمثلث السني أنظار الجميع سواء صحافيين أو مسؤولين أميركيين أو حتى عراقيين.
وكانت الفجوة تتسع يوما بعد يوم بين قوات الاحتلال والشعب العراقي مع ازدياد عدم الثقة بين الجانبين ونتيجة لحوادث لا تجد أي تفسير منطقي. مثل حادث حفل الزواج الذي جرى في إحدى القرى.
وما شهدته هذه البلدة في ذلك المساء حول الاستياء الكامن في نفوس العراقيين إلى غضب واضح على الاحتلال الأميركي، وهو شعور عبر عنه الكثير من العراقيين خلال المقابلات التي أجراها المؤلف معهم.
وقال شهود كانوا موجودين لحظة وقوع الحادث إن دورية من الجنود الأميركيين كانت متمركزة في وسط المدينة، وعندما سمعوا طلقات نارية كان قد أطلقها شاب من بندقية عتيقة احتفالا بالزواج رد الأميركيون باطلاق النار على سيارة نصف نقل مكتظة بالركاب كانت تسير في مؤخرة قافلة المحتفلين بالزواج.
ويقول عبدالسلام جاسم إنه صاح وهو على ظهر السيارة عندما سمع إطلاق النار «أسرعوا إنهم يريدون قتلنا» بينما صاح شخص آخر من ركاب السيارة «قف، قف!»وبعد خمس دقائق هدأ الركاب ليجدوا جثة شاب في السابعة عشرة من العمر ملقاة على الطريق.
كما كان شاب آخر في السادسة عشرة معلقا بمؤخرة الشاحنة المسرعة ويداه تحتكان برصيف الشارع، حيث كان يعاني من جراح قاتلة، وقتل مراهقان آخران أحدهما في الثالثة عشرة والثاني في الرابعة عشرة وبقيت جثتاهما في الشاحنة، كما أصيب سبعة من الركاب كان من بينهم جاسم الذي تم نقله إلى مستشفى سامراء العام.
وقال جنود أميركيون من الفرقة الرابعة مشاه في سامراء إنه غير مسموح لهم بالتعليق على هذه الحادثة، وصدر بيان من القيادة الأميركية الوسطى جاء فيه أن الجنود تعرضوا لإطلاق نار من القافلة، وعندما ردوا على إطلاق النار أسرعت السيارة مبتعدة عن المكان، أما فيما يتعلق بالإصابات بين العراقيين فقد أورد البيان أن «أسبابها مجهولة».
يقول أنتوني شديد إن إطلاق النار من قبل الجنود الأميركيين كان بمثابة القشة التي قصمت ظهر البعير في هذه المنطقة المؤثرة من العراق، والتي تمتد غرب نهر الفرات إلى الشمال بمحاذاة نهر دجلة, حيث أصبح الجنود الأميركيون يتعرضون يومياً للهجمات وحيث ازدادت جرأة أعمال المقاومة ما دام الجنود الأميركيون موجودين بالمنطقة.
ويقول جاسم وهو على فراشه في المستشفى «إن الله سينتقم منهم» بينما يقول الطبيب الذي يقف إلى جانبه «الأميركيون هم السبب في كل هذه المأساة، هم غزاة لمدينتنا. لماذا؟ هل تستطيع أن تخبرني لماذا جاءوا إلى هنا؟ هل تعتقد أنهم جاءوا حقاً لتحريرنا؟ من يصدق هذه الكذبة؟ لا يصدق أي شخص هذا الزعم».
الخوف من المستقبل
يقول مؤلفنا أنتوني شديد إنه في ظل هذه الأوضاع غير المستقرة في العراق، يعاني العراقيون من القلق، فالخوف من المستقبل ينتشر في مدن سامراء والفلوجة وتكريت، التي كانت في الماضي مدناً غنية تنتشر فيها الحقول والبساتين، وكثيراً ما يعبر العراقيون عن الخوف بالحنين إلى الماضي، ومنهم من لا يزال يطلق على صدام حسين لقب «الرئيس» الرمز الأعلى للسلطة في هذا البلد الذي لم تعد فيه أية سلطة على الإطلاق.
وفي المقابلات التي أجراها شديد في هذه المنطقة كان الكثير من العراقيين يبادرون بالقول بأن الولايات المتحدة هي عدوهم، فدباباتها ومروحياتها هي الوجه الذي يعبر عن احتلالها للعراق والوجه الذي يمكن رؤيته في شوارع مدن المنطقة، وخلف هذا الاستياء الواضح، هنالك قلق متزايد ينتاب العراقيين حول المستقبل.
ويقول صاحب مطعم في الفلوجة يدعى محمد حسين وهو يقدم طبق الكباب الذي اشتهرت به المدينة إن «أي عراقي بسيط يشعر بالقلق تجاه المستقبل»، وفي هذه المدينة تعتبر الكرامة سمة يحتفى بها كنوع من الفخر والمبدأ الأخلاقي داخل البيوت المبنية من الخرسانة والطوب المحروق حيث تعتبر الكرامة من التقاليد القبلية التي كان منشؤها في الصحراء التي مازالت قيمها الأخلاقية متأصلة في عمق المراكز والقرى بريف العراق خارج العاصمة بغداد.
ويحتج كثيرون في الفلوجة، التي تقع غرب العراق، لأن القوات الأميركية أنكرت عليهم تلك التقاليد، ويقولون إن الجنود الأميركيين يتحرشون بهم عند نقاط التفتيش، كما يقومون بتصرفات غير لائقة، حيث انهم يتبولون في الشوارع ويهددون بإطلاق النار عندما يقتربون منهم ويستخدمون المناظير للتجسس على نسائهم.
واعتادت الأسر بهذه المدة على النوم على أسطح المنازل لتتقي حرارة الصيف، لكن أفرادها يشتكون من تحليق المروحيات الأميركية على ارتفاع منخفض بغرض النظر الى النساء والأطفال.
ويقول المؤلف انه سواء كانت تلك الروايات حقيقية أو مجرد شائعات، فهي تشكل الموضوع الذي تدور حوله الأحاديث في مطعم محمد حسين الذي كتب على جدار بجواره عبارة «ستظل الفلوجة ناراً تحرق الغزاة».
ويقول أحد زبائن المطعم ويدعى محمد جاسم صالح «لو كانت هنالك طريقة تثير غضبنا، فهم يأتون بمئة طريقة لإغضابنا، نتمنى ان يرحلوا غداً عن مدينتنا».
ويمتدح صالح نظام صدام ويقول «أهم شيء حققه صدام هو توفير الأمن، حيث كنت أتجول في أنحاء المحافظة في أي ساعة. وعندما يسمع حثالة المجتمع اسم صدام يشعرون بالخوف. أما الآن فلا شيء يخيفهم».
أما محمد حسين فيقول «لست من المعجبين بصدام حسين أو حزب البعث، ولكن نريد بديلاً لهما حتى الآن لا يوجد بديل، فقد جعل الأميركيون الشكوك تلف كل شيء، وسوف ترى ما سيحدث في المستقبل بسبب ذلك.
يقول المؤلف ان كل يوم يمر في العراق منذ الغزو يشهد تزايداً لأعمال العنف سواء في العاصمة أو غيرها من المدن. ففي 7 أغسطس 2003 شهدت بغداد فصلاً جديداً من أعمال العنف عندما قامت شبكة سرية بتفجير انتحاري بسيارة ملغومة أمام السفارة الأردنية مما أدى الى مقتل 19 شخصاً.
وكانت هذه رسالة الى الأردن وغيرها من الدول العربية التي تدعم الاحتلال بقوات. ولم يمر أسبوعان إلا ووقع هجوم انتحاري آخر، وكان ذلك في مقر الأمم المتحدة بضواحي بغداد حيث قتل 23 شخصاً من بينهم مبعوث الأمم المتحدة في العراق فيرادي ميللو، وبعد ذلك بشهر تعرض المقر لعملية تفجير ثانية أدت إلى مقتل شخصين آخرين.
وكانت الرسالة واضحة فإذا ما أجبرت الأمم المتحدة على الإنسحاب فسوف يفقد الاحتلال عنصراً مهماً يضفي الشرعية على استمراره، ونتيجة لذلك انخفض عدد موظفي الأمم المتحدة من الأجانب في العراق من 650 موظفاً إلى نحو 40 فقط، ولا يتواحد أحد منهم في بغداد.
كما شهدت مدينة النجف المقدسة العديد من أعمال العنف من بينها انفجار اسطوانة غاز استهدفت محمد سعيد الحكيم الذي يعتبر واحداً من أبرز رجالات الدين في المدينة المقدسة. إلا انه تعرض لإصابات طفيفة لكن ثلاثة من حراسه قتلوا في الانفجار. وانتشرت بالمدينة الشائعات كما تزايد الشعور بالقلق مع عدم التأكد من الجهة التي وراء الانفجار: هل هم الموالون لصدام أم المتشددون السنة أم منافسون في النجف نفسها.
وأضفى هذا الغموض المزيد من التوتر والقلق على حياة الناس الذين أصبحوا يتوقعون حدوث أي شيء وفي أي وقت. وبعد ذلك بأسبوع وقع انفجار أكبر لسيارة مفخخة كانت تقف على بعد 35 ياردة من ضريح الإمام علي، وأدى الانفجار إلى مقتل السيد محمد باقر الحكيم و81 شخصاً آخر على الأقل. وقد انفجرت السيارة بعد انتهاء صلاة الجمعة أثناء خروج المصلين الى الشوارع الضيقة المجاورة.
امتلأت الشوارع بالجثث وتهشمت واجهات المحلات والمنازل واحترقت الأكشاك الخشبية الملاصقة للمسجد، ولم يتم العثور على جثمان الحكيم أو على أي متعلقات له.
تفجير الصليب الأحمر
في عام 2003 أيضاً وخلال شهر رمضان الكريم تم تفجير سيارات خارج المقر المحلي للجنة الدولية للصليب الأحمر وأمام ثلاثة أقسام للشرطة في بغداد، وقتل في هذه الانفجارات 35 شخصاً على الأقل رغم أن العدد قد يكون أكبر من ذلك بكثير، بينما أصيب أكثر من 230 شخصاً.
وفي حي الخضراء تجمع الكثيرون وراحوا يتحدثون عن تطورات الأوضاع والفلتان الأمني الذي يتفاقم باستمرار وقال ابراهيم محمد (صاحب متجر) في غضب وحيرة «من يقف وراء هذه التفجيرات؟ ولماذا يستهدفون العراقيين والشرطة التي تحاول حمايتهم، إذا كانوا يريدون قتال القوات الأميركية؟ ولماذا الآن ونحن في رمضان الذي يحرم مثل هذه الأعمال الدموية؟».
فيما قال آخر ويدعى نبيل فاضل محمد «إن الأميركيين أكثر زعراً من العراقيين». كانت علامات الغضب بادية على كل الوجوه التي راحت تتساءل عن الجهة المستفيدة من كل هذه الفوضى والعنف وراحت نظريات المؤامرة تنتشر عن الجهات المستفيدة وبالطبع كان من بينها تنظيم القاعدة والصداميين وحتى الإسرائيليين والأميركيين.
وقالت أم رجل شرطة مصاب: «لماذا جاء الأميركيون؟ عليهم أن يوفروا لنا الحماية، بإمكانهم السيطرة على الوضع وفرض النظام». وفي مستشفى الكندي حيث تم نقل العديد من المصابين من رجال الشرطة، قال محمد الزبيدي وهو خريج حديث من أكاديمية الشرطة: «إنه عندما يكون الأميركيون معي أثناء الخدمة أشعر بالخطر، فالوجود الأميركي هو السبب وراء هذه التفجيرات.
عندما التحقت بالشرطة كنت أعتقد أن الأميركيين سوف يبقون حتى يوفروا لنا الأمن، لكنني أدركت الآن أنهم يعرضونا للمخاطر». وقال: «طالما ظل الأميركيون هنا، لن تتمكن الشرطة أبداً من نيل احترام العراقيين. وعندما يقوم أحد رجال الشرطة بالقبض على مشتبهين، يقولون لهم لماذا لستم برفقة جنود أميركيين. إنهم يخافون من الأميركيين ولا يخافون منا. لن نتمكن من السيطرة على الأوضاع ونحن نعتمد على الأميركيين».
نغمة متفائلة
يقول المؤلف إن الإدارة الأميركية التي عادة ما تعاني من بطء شديد في الحكم على المشاعر الشعبية، اعترفت أن الأوضاع الأمنية صعبة، وأعلن بريمر في مؤتمر صحافي أن الأمن يظل يحظى بالأولوية القصوى للاحتلال وأعلنا خطوات سيتخذها المسؤولون الأميركيون لتسريع عملية نقل المسؤولية والسلطة إلى القوات العراقية التي تم تدريبها حديثاً.
وقد اعتاد المسؤولون الأميركيون على ترديد هذه النغمة المتفائلة كلما تعرض الأمن في العراق لانتكاسات وكلما ازدادت حالة الفوضى وأعمال العنف. لكن مثل هذه التصريحات لا تساهم في إدخال الطمأنينة في النفوس. ففي اليوم التالي عندما قام المؤلف بزيارة إحدى المدارس التي يتعلم فيها 1410 طلاب لم يكن هناك سوى عشرة فقط والباقي لزم منزله وسط انتشار شائعات بأن هجمات أخرى ستقع.
وقالت ناظرة المدرسة وتدعى رسمية حسن: «لم تعد في أذهاننا سوى صورة الموت، سوف نموت هنا أو في مكان آخر، لم نعد نفكر سوى في الموت. إننا نعرف أنهم سوف ينفذون تهديداتهم، ربما ليست اليوم، ولكن قد يحدث ذلك غداً، كل شيء ممكن».
يقول شديد إنه في تلك اللحظة أدرك أن القليل من العراقيين يصدقون التعهدات الأميركية بتعزيز أوضاعهم الأمنية. كما أشارت الكثيرون إلى عدم وفاء الأميركيين بتعزيز أوضاع المستشفيات التي تعاني من نقص في كل شيء وبإصلاح شبكة الطرق والتصدي للجرائم التي يتزايد معدلها يوماً بعد يوم.
ويرى المؤلف أن الكثير من العراقيين لا يثقون فيما يقوله الأميركيون خاصة بعد دعم الإدارة الأميركية للعقوبات الدولية التي استمرت عشر سنوات وأدت إلى تدمير الاقتصاد العراقي وبعد مزاعمها الزائفة بوجود أسلحة دمار شامل ووجود علاقة بين صدام وشبكة بن لادن. ولم يؤد الغزو سوى إلى مزيد من الإرهابيين في العراق وانتشار الحرية في كل مكان ليصبح العراق الآن «أخطر مكان في العالم».
خلال صيف وخريف 2003 تصاعدت حدة التمرد في مدن المثلث السني، وتزايدت معها مجموعة من التساؤلات بين العراقيين: كيف يمكنهم إنهاء احتلال يرون أنه غير شرعي؟ كيف يمكنهم الدفاع عن ثقافتهم التي يرون أن قوات الاحتلال تأمل إلى تغييرها بما يتلاءم مع أهدافها؟ وكيف يمكنهم الحفاظ على هويتهم كعراقيين وعرب والأهم كمسلمين؟ أما بالنسبة لرجال الشرطة فقد استبد بهم القلق وراحوا يتساءلون: هل يقاتلون لصالح الأميركيين أم لصالح العراقيين؟ وهل هم خونة أم وطنيون؟
ويقول شديد: إن ظاهرة تصاعد المقاومة، التي أحياناً تأخذ الطابع القومي، وأحياناً الطابع الإسلامي ولكنها على الدوام مقاومة معادية للأميركيين، هي من إفرازات الغزو والاحتلال.
وباتت هذه الموجة من التمرد أو المقاومة أو حتى أعمال العنف تهدد نجاح عملية تشكيل قوات شرطة عراقية تضطلع بمهمة الأمن بالعراق. ومع تصاعد أعمال المقاومة تزايدت خسائر الأميركيين فيما ارتفعت معنويات المتمردين. ووفقاً لمصدر عسكري أميركي فقد ارتفعت عمليات المقاومة خلال الفترة التي تلت الغزو وحتى أواخر عام 2003 بمعدل ثلاثة أو أربعة أضعاف.
ويرى المؤلف أن علامة الاستفهام الكبرى بشأن أولئك الذين يقفون وراء أعمال التمرد والعنف والمقاومة تظل دون إجابة حتى الآن. فهناك تحالف فضفاض يضم العناصر الموالية لصدام حسين وحكومته والعراقيين الرافضين للاحتلال والمئات من الجماعات المسلحة مثل جماعة أبو مصعب الزرقاوي ومجموعات من الأجانب الذين يعتنقون أفكاراً إسلامية متشددة تسللوا عبر الحدود إلى داخل العراق.
وفي المناطق السنية لا تدور سوى أحاديث قليلة بين الأهالي حول التحرير والديمقراطية، وتتركز كل الأحاديث حول الدين، الكفار والمسلمون، الشرق والغرب، الإسلام وأعداؤه. ويتناول الناس قضايا الاحتلال والقومية والوجود الأميركي من المنظور الديني.
ويرى كثيرون أن جبهة الصراع بين الشرق والغرب قد اتسعت بعد أن انضم العراق إلى فلسطين وأفغانستان والشيشان والبوسنة، وكلها دول يتعرض فيها السكان المسلمون لعدو أكثر قوة.
كما يرى كثيرون أن أولئك الذين يتعرضون للقتل على أيدي الجنود الأميركيين هم أبطال ورموز مضيئة لرفض الاحتلال، الذي يعتبره كثيرون أيضاً إهانة لهم. ويقول عراقيون إن قتل أشقائهم على أيدي قوات الاحتلال يزيد من أعمال العنف ويقولون ان «الانتقام والأخذ بالثأر هما جزء من تقاليدنا». ويرى المؤلف أنه أدرك عندئذ أنه مهما كانت النوايا الأميركية فإن الفجوة بين الجانبين لا يمكن ردمها.
ويقول إن التشدد الذي أصبح عليه حال الشباب العراقي في ظل الاحتلال قد غذاه التغير المفاجئ للسلطة وانهيار كل المؤسسات التي ظلت تحكم بلادهم لجيل كامل. وما أدى إليه ذلك من حدوث فراغ سرعان ما ملأه الاتجاه الديني الذي ظل كامناً في العراق ثم ظهر إلى العلن مع انهيار النظام الذي لم يسمح قط بانتشاره.
وفي مقابلة مع جندي أميركي يدعى روبرت هوليس قال إن المتمردين كانوا يطلقون القنابل ويفتحون نيران رشاشاتهم علينا ونحن داخل دباباتنا التي من الصعب إصابتها، ومع ذلك فقد وصلتني رسالتهم، إنهم يريدون أن يقولوا لنا إنهم راغبون في الموت وهم يقاتلوننا. إن قوة النيران بهذه الدبابات لا تسمح لك بمجرد التفكير في مهاجمة شيء كهذا!
اعتقال صدام
في يوم 14 ديسمبر 2003 وقف بول بريمر أمام مؤتمر صحافي وسط إجراءات أمنية مشددة عقد بمجمع القصور ومكاتب الحكومة العراقية التي جرى الإطاحة بها ليعلن اعتقال صدام حسين وهو الخبر الذي انتظر الكثير من العراقيين سماعه. وقال «إن الطاغية أصبح سجيناً الآن، إذ تم أسره بعد تسعة أشهر من اختفائه.
وانتهز الرئيس بوش الفرصة ليعلن انتهاء «عصر مظلم ومؤلم» تعرض له العراق قائلاً: «لقد أصبحنا الآن في يوم تعززت فيه الآمال، وبإمكان كل العراقيين الآن أن يتحدوا وينبذوا العنف ويساهموا في بناء عراق جديد.
وانتقلت هذه المشاعر المتفائلة إلى المسؤولين الأميركيين في بغداد وأحسوا أن أعمال العنف لابد وأن تهدأ باعتقال صدام إذ لم يعد هناك من سبب يدعو العراقيين لمواصلة القتال.
وقال الليفتنانت جنرال ريكاردو سانشيز القائد العسكري الأميركي في العراق، إن أسر صدام حسين يمثل لحظة فارقة في العراق الجديد، واعتقد أن اعتقال صدام سيكون بمثابة بداية للمصالحة بين أطياف الشعب العراقي وإشارة على مولد عراق جديد.
إلا أن كل هذه التصريحات أثبتت أنها مجرد آمال بتحسن الأوضاع، ولكن ما حدث كان في اتجاه معاكس لما كان يأمل فيه الأميركيون. فبالنسبة للمثلث السني كان نبأ اعتقال صدام بمثابة آخر إشارة تؤكد انهيار كل شيء، بل إن البعض شكك في أن الشخص الذي تم اعتقاله ليس صدام ولكن شبيه له. وفي تكريت أصر عدد من الشباب أن صدام قد زار المدينة قبل أيام بل قال البعض إنهم رأوه في شوارعها في اليوم نفسه الذي أعلن فيه الأميركيون أسره.
وفي قرية صويلحة تناقل أهل القرية روايات عن ظهوره في الفلوجة والرمادي وبعقوبة.
وقال عبدالله علي من أهالي صويلحة «إنني أشعر بالشك فيما يقوله الأميركيون. إن صدام فلاح تتأصل بداخله تقاليد القبيلة والرغبة في الانتقام والثأر، من غير الممكن أن يستسلم بهذه الصورة، ربما لا يكون هو، وربما أعطوه بعض العقاقير».
وأضاف عبدالله «لو لم يقاتل، فإنه سيصبح في نظرنا جباناً، من المفترض أن يقاوم بكرامة ويتعين عليه الدفاع عن شرفه». وقال شقيقه عبيد «إننا كنا نثق به ونعتقد أنه سيقاوم دائماً، لا يمكن أن نعتقد أنه انحدر إلى هذا المستوى، انها إهانة، لا يمكن لرئيس أن يقبل إهانة مثل تلك التي تعرض لها.
لقد كان رئيساً، حتى الامبراطور هيروهيتو لم يتعرض لمثل هذه المعاملة بعد الحرب العالمية الثانية». وأضاف عبدالله قائلاً: «صدقني إن يوم أسره يعادل يوم سقوط بغداد وربما أسوأ».
كانت معظم أحاديث الناس بعد نبأ اعتقال صدام تدور حول ما الذي يخبئه لهم المستقبل ومن سيمثلهم بعد اعتقال رئيسهم وزعيمهم، ومن له الحق في أن يحكم، ومن أين ينبع هذا الحق؟ يقول المولف إن العرب السنة ليس لديهم زعماء لامعون ولا قيادة يرجعون إليها.
وقد أصبح حزب البعث الذي كان السنة يهيمنون على زعامته، محظوراً في مايو 2003 وفقاً لقرار أصدره بريمر. أما الحزب الإسلامي العراقي فلا يلقى تأييداً من غالبية الشارع السني خاصة وأن زعامته تتعاون مع قوات الاحتلال، ويرى بعض المثقفين ان الدور الذي يلعبه هذا الحزب هو «تسويق الاحتلال».

