هذه أول مقابلة مع المفكر الأميركي نعوم تشومسكي حول كتابه الأخير« الولايات الفاشلة: تعسف السلطة والاعتداء على الديمقراطية», الذي يتناول فيه، من بين موضوعات أخرى، الاتجاه الذي يتعين على الولايات المتحدة الأميركية أن تسلكه فورا كي لا تتحول من دولة وضيعة إلى دولة فاشلة،
وهي أجندة ينبغي أن تشمل توقيع بروتوكول كيوتو والسماح للأمم المتحدة بلعب دورها في الميدان الدولي وقبول السلطة القضائية للمحكمة الجنائية الدولية والمحكمة الدولية ومحاربة الإرهاب عن طريق حلول ذات طابع دبلوماسي واقتصادي بدل شن الحروب وتخفيض الإنفاقات العسكرية من أجل إعادة توجيه الأموال إلى الوسط الاجتماعي.
فيما يلي نص الحوار الذي نشره موقع « ربليون» على الانترنت:
ـ ما الذي تعنيه بتعبير « ولايات فاشلة»؟
ـ لقد تم على مر السنين تطوير سلسلة من المفاهيم لتبرير استخدام القوة خلال فترات طويلة من الزمن في الشؤون الدولية. وكان ممكنا تبرير ذلك تحت ذريعة واهية إلى حد ما تقول إن الولايات المتحدة كانت تدافع عن نفسها من التهديد الشيوعي. لكن ذلك التبرير أصبح قليل الأهمية خلال الثمانينات ، وكان لا بد من أن تطبخ إدارة ريغان فئة أخرى:« دول إرهابية», وما أن تسلمت السلطة حتى أعلنت عن الحرب على الإرهاب في بداية الثمانينات وتحديدا في عام 1981.
بعد مضي بضع سنوات، تصور كلينتون مفهوم «الدول السافلة» ومن ثم ظهر مفهوم «الدول الفاشلة» , التي قد تمثل تهديدا لأمننا، مثل العراق، أو تحتاج إلى تدخلنا لإنقاذ شعوبها، مثل هاييتي، حتى لو بقيت تلك الدول مدمرة عن بكرة أبيها أثناء عملية إنقاذه. لكن في كل حالة من تلك الحالات كانت المصطلحات والمفاهيم عصية جدا على الإثبات.
لأنه كان من الصعوبة بمكان، تحت أي توصيف لهذه التصورات، تجاوز واقع أن الولايات المتحدة لا تستطيع الدخول تماما في هذه الفئة. أما في الوقت الراهن، من فترة كلينتون حتى أوفر التلاميذ حظا مثل صموئيل هنتنغتون وآخرين، فإن الجميع أدرك أن الجزء الأكبر من العالم يعتبر الولايات المتحدة الدولة السافلة رقم واحد والتهديد الرئيسي لوجود باقي الأمم.
وفي ظل سنوات ولاية بوش الحالية، فإن الرأي العام العالمي لا يخطر حتى على بال المتخصصين البارزين، الذين ينشرون كتاباتهم في مختلف الإصدارات. وهم يثبتون بذلك أن الولايات المتحدة باتت دولة وضيعة بامتياز. مما لا شك فيه أن الولايات المتحدة دولة إرهابية تؤوي إرهابيين عالميين بكل ما للكلمة من معنى ،
وهم أفراد مصنفون على أنهم إرهابيون من قبل مكتب التحقيقات الفيدرالي ( إف بي آي) ووزارة العدل، مثل أورلاندو بوش وبوسادا كاريلس ، وذلك دون الحديث عن أولئك الذين يمارسون عمليا إرهاب الدولة.وأعتقد أن الأمر نفسه يجري مع فئة« الدول الفاشلة», فلقد حملت الولايات المتحدة وبصورة متزايدة صفات ما نسميه دولة فاشلة بمعنى أنها تشهد ما يمكن أن نسميه أحيانا عجزا ديمقراطيا أو فجوة بين السياسة العامة والرأي العام.
ـ قضية إسرائيل وفلسطين تندرج دائما ضمن اهتماماتك الرئيسة، ونود أن نسألك في هذا السياق عن تلك الدراسة التي أعدها عميد في جامعة هارفارد وبروفيسور من جامعة شيكاغو اللذان يتعرضان لانتقادات حادة بسبب نشرهما نقداً أكاديميا لمجموعة الضغط المناصرة لإسرائيل في واشنطن. في هذا البلد، ما الذي يجري لأولئك الذين ينتقدون دولة إسرائيل؟
ـ الإجابة عن سؤالك الأخير مفصلة في كتاب نورمان فنكلشتاين البارز، وكذلك في ملف محاولات ديرشويتز لمنع إصداره. بعض الوثائق نشرت فقط في مجلة دراسات فلسطينية. أما كتاب فنكلشتاين فإنه مفصل وهو عبارة عن عملية جرد مسهبة، لا بل إنها أفضل ما لدينا عن هذا الملف المليء بالجرائم المرعبة والانتهاكات الإسرائيلية.
فإذا ما لجأنا إلى أكثر المصادر وقاراً، وإلى المنظمات الرئيسية لحقوق الإنسان ومنظمات إسرائيلية لحقوق الإنسان ومنظمات أخرى،فإننا نجد أن فنكلشتاين يبين بشكل قاطع أن دفاع ألان ديرشويتز عن تلك الفظاعات، الذي لا يقوم بشكل مطلق على أي دليل، هو دفاع مخز ومثير للضحك.
ومع ذلك ، فإن فنكلشتاين يقع تحت هجوم رهيب كونه معاديا للسامية ، وهذا أمر اعتيادي اليوم. وأنا أفترض انه يعود إلى الدبلوماسي ابا ايبان، قبل حوالي 30 عاما خلت، عندما كتب في مجلة يهودية أميركية أن« مهمة الصهاينة هي إثبات أن كل حالة من حالات معاداة السامية هي ذات طابع سياسي».
ـ تتحدث في كتابك عن عجز ديمقراطي. ومن الواضح أن إدارة بوش لديها جميع أنواع المشاكل وذلك حتى مع نموذجها الديمقراطي الخاص في العالم، على ضوء نتائج الانتخابات في الأراضي الفلسطينية والوضع في العراق الآن، وكذلك في فنزويلا وصولا إلى إيران. ما هو مفهومك عن العجز الديمقراطي، ولماذا تكون إدارة مثل هذه قادرة على البقاء في الولايات المتحدة بالذات؟
ـ ثمة عنصران قد يحيطان بهذه المسألة. الأول يتعلق بالعجز الديمقراطي الداخلي في الولايات المتحدة، أي تلك الهوة الهائلة المتنامية بين الرأي العام والسياسة العامة. والثاني يتعلق بما يسمى الدعوة لتشجيع الديمقراطية في أنحاء أخرى من العالم. وهذه الأخيرة هي غش خالص. والشيء الوحيد الذي يدل على أنهم مهتمون بتشجيع الديمقراطية هو أنهم يدعون ذلك.
ـ هل تعتقد بأنه يتعين على القوات الأميركية أن تنسحب من العراق؟
ـ أعتقد بأننا يجب أن ننطلق في محاكمتنا للأمر من مبدأ محدد علينا اعتناقه والعمل على أساسه. المبدأ هو أن الجيوش الغازية لا تملك أي حق على الإطلاق وأن عليها مسؤوليات فقط . والمسؤولية الأولى هي احترام إرادة الضحايا وأن يدفع لهم تعويضات هائلة على الجرائم المرتكبة. وفي الحالة العراقية، فإن الجرائم، مروراً بالعقوبات التي مثلت بذاتها جريمة بشعة، تعود إلى دعم صدام حسين وأسوأ فظاعاته، لكن الأهم من كل ذلك هو الجرائم المرتكبة أثناء الغزو. هذه هي مسؤوليات أي جيش احتلال.
ولقد أوضح الشعب العراقي موقفه من الاحتلال، كما بينت استطلاعات الرأي في الولايات المتحدة وبريطانيا العظمى أن الجميع يريد من الولايات المتحدة أن تحدد أجندة للانسحاب وأن تلتزم بها. لكن الولايات المتحدة وبريطانيا ترفضان. أما في مسألة التعويضات، فحدث بلا حرج، ذلك أنها بعيدة كل البعد عن وعي وضمير النظام العقائدي.
أعتقد أن هذا يجيب على السؤال، ففي الواقع لا أهمية لما أظنه أنا، ما له أهمية هو ما يفكر به العراقيون، وأعتقد أننا ندرك هذا جيداً. والسبب الذي يحول دون انسحاب الولايات المتحدة والمملكة المتحدة من العراق يتعلق بأن عواقب عراق مستقل ستكون الكابوس الأخير بالنسبة لهما ولذلك، فإنهما سيفعلان كل ما في وسعهما للحيلولة دون الديمقراطية العراقية، وذلك تماما مثلما حاولوا في الماضي.
ترجمة: باسل أبو حمدة
عن« ربليون» ـ إسبانيا