يجد القارئ نفسه عند هذا المنعطف من الكتاب على موعد مع متابعة الجانب الذي يمنحه أهميته الحقيقية، وهو الرصد الدقيق لانطلاق مسيرة الثورة العربية الكبرى، مع متابعة خاصة لقوات فيصل بن الحسين وهي تنطلق شمالاً من ينبع إلى الوجه، وصولا إلى اقتحام العقبة من جهة البر، ضربة لم تكن القوات التركية تتوقعها، أو تحسب لها حساباً.

ومن هنا جاء تأثيرها الكبير. غير أن لورنس، كما يوضح لنا المؤلف، لن يقدر له أن يواصل الانطلاق شمالاً مع قوات فيصل لدخول دمشق في أكتوبر 1918 إلا بعد أن يجتاز ما عرف بحادث درعا، الذي وقع في إطاره في أسر القوات التركية،.

ولا يزال ما جرى في إطار هذا الحادث غامضاً وملتبساً وموضع جدل بعيدا عن الحسم حتى اليوم، ربما في انتظار أن تطل من المجهول رسائل أو كتابات أو تقارير أصلية تكفل حسم أمره مرة وللأبد.

بعد لقاء فيصل بن الحسين ولورنس في مخيم الأول في وادي الصغرة، قبلت السلطات البريطانية المعنية الاقتراحات التي تقدم بها لورنس، وبعد أسابيع لم تطل كان يغادر مكتبه العتيد في القاهرة للأبد، حيث عين رسمياً مستشاراً لفيصل في الحجاز.

بناء على طلب فيصل، تخلى لورنس سريعاً عن زيه الكاكي البريطاني، ليرتدي الملابس العربية التقليدية، ومن الواضح أن ذلك يرجع إلى أن فيصل لم يكن يرغب في أن يبدو ضابط بريطاني بزيه الحربي الأوروبي.

وهو يتنقل في أرجاء معسكره، وبدوره فإن لورنس، الذي كان معتاداً على ارتداء الزي العربي في الشام، قبل سعيداً بارتداء الزي نفسه بصورة دائمة في الحجاز، وكتب في هذا الشأن يقول ان الملابس العربية «أنظف وأيسر في الصحراء»، مشيراً إلى أنها تتيح المجال للشعور بالراحة والتميز الفردي، على نحو لا سبيل إلى تحقيقه من خلال الزي الرسمي الأوروبي.

على أي حال فإن لورنس لم يكن من المتألقين أو المتأنقين في الزي الأوروبي الحربي الموحد، بل ان بعض كبار الضباط الذين خدموا معه كانوا يشعرون في أعماقهم بحافز قوي يوشك ان يدفعهم إلى إصدار أمر له بتلميع أزرار سترته العسكرية وتقصير شعره وتعلم أداء التحية العسكرية كما ينبغي أن تؤدى، بدلاً من الإيماء لهم برأسه وقد دس يديه في جيبي سرواله.

أضفت الملابس العربية التقليدية تحولاً كبيراً على لورنس، فهي من ناحية أخفت قصر قامته، ومن ناحية أخرى قدمت إطاراً يبرز قوة بنيته وتأثيره عينيه النافذتين، الأمر الذي ساعده على تحقيق حضور قوي وأسلوب مميز لم يؤثر في منتقديه القدامى فحسب، وإنما اجتذب رفاقه الجدد في السلاح.

الرجل والدور

ظاهرياً على الأقل، لم يهتم لورنس بتغير ملابسه ولا باختلاف المشهد من حوله، فلم يكن هناك مؤشر في الأفق بعد إلى أنه على موعد مع القدر. وفي وقت لاحق سيقول انه قد تم إرساله إلى شبه الجزيرة العربية «ضد إرادتي إلى حد كبير».

ولكنه هو نفسه سيكتب في ديسمبر 1916 إلى الضابط المسؤول عن المكتب العربي» وهو جهاز المخابرات حديث الإنشاء آنذاك والمكرس للثورة العربية الكبرى، الذي تم إلحاقه به يقول إنه يرغب «في التخلي عن العادات البريطانية والانطلاق مع فيصل بعض الوقت»، مضيفاً انه يجد نفسه أمام «مهمة طريفة وبلد جديد تماماً». أما البلد فهو جديد بالنسبة له، ولكن المهمة، كما لابد انه قد استشعر في قرارة نفسه، كانت أبعد ما تكون عن الطرافة.

من المهم تحديد معالم الدور الذي سيقوم به لورنس في الحملات التي أعقبت ذلك، فالبعض لا يترد في الإشارة إليه في أعقاب الحرب على أنه الرجل الذي قاد العرب إلى النصر، ولكن إلى أي حد يمكن أن يكون هذا التوصيف متسماً بالدقة؟

في وقت لاحق، سيناقش لورنس نفسه، في مراسلات مع مفكرين عسكريين، من أمثال ليدل هارت، دوره بمفاهيم القيادة العسكرية، لكن هذا كان بصورة جوهرية بمثابة إشارة إلى مسألة الاستراتيجية والتكتيك، وليس إلى القيادة الفعلية ذاتها.

وإذا أردنا الوصول إلى تحليل لافت للنظر حقاً لدور لورنس في الحرب، فلن يكون هناك ما هو أفضل من التعليق الذي قاله واحد من هؤلاء الضباط النظاميين الذين استنكروا مظهره في البداية، ولكنه سرعان ما أعجبوا بمقدرته وحكمته ولمسته الخاصة في التعامل مع أبناء القبائل العربية، وهو كولونيل بيرس جويس.

على الرغم من ان جويس كان أرفع رتبة من لورنس، فقد أدرك من خلال اجتماع حاشد ضم لورنس مع عدد من قادة القبائل العربية، انه رجل له حضوره القوي والمؤثر بلا حدود، ومن هنا جاء تقدير الكولونيل المخضرم للكابتن الشاب.

كتب جويس يقول انه في مثل هذه الاجتماعات والمؤتمرات: «نادراً ما كان لورنس يتحدث، بل كان يكتفي بالتمعن في الرجال من حوله، وعندما ينتهي الجدل، كما هو الحال غالباً، بالتدخين، فإنه عندئذ يفرض خطته للعمل والحركة، التي كان يجري تبنيها غالباً، ويمضي الجميع منصرفين وهم راضون.

ولم يكن من خلال قيادته الفردية لجموع من البدو، كما يفترض غالباً، ان تم تحقيق النجاح في مغامراته الجريئة، وإنما تحقق هذا النجاح من خلال اختياره الحكيم لقادة القبائل وتقديمه الدافع المناسب في صورة مكافآت ذهبية على العمل المتقن».

يلفت مالكولم براون نظرنا إلى ما يصفه بأنه عنصر مهم في القصة، فالزعماء قد يقاتلون من أجل تحقيق أهداف سياسية، لكن المقاتلين النظاميين من أمثال أبناء القبائل الذين شكلوا القوة الدافعة للثورة فلديهم خبز صغارهم الذي يقض مضجعهم وقد فهم لورنس ذلك واستوعبه تماماً.

وقد كتب لورنس، في هذا الصدد، إلى صديقه ومستشاره الأدبي إدوارد غارنيت في 1927 يقول: «عندما يقوم مقاتل عربي بإنجاز فردي ومتميز خلال الحرب كنت استدعيه، وافتح حقيبة من العملات الذهبية، وأقول: امدد يدك!

وقد ساد الاعتقاد بأن تلك هي قمة الروعة، غير أن ذلك لم يتجاوز قط 120 جنيهاً استرلينيا، ولكن القيام بمد أصابعك ودفنها في الذهب يعطي شعوراً أفضل بكثير من العد البارد بمئتي جنيه أو ثلاثمئة».

حرب مختلفة

من منظور براون، فإن هدية لورنس الحقيقية للثورة العربية كانت في حقيقة الأمر متمثلة في إنكار القيادة تقريباً، وبتعبير آخر فقد توصل إلى خطة استراتيجية شاملة، تقوم على مفهوم الحرب بلا معركة، أي تجنب الاشتباك مع العدو وجهاً لوجه.

وبالتالي عدم وقوع الأعداد الكبيرة من الخسائر التي تسقط في الحرب العادية، وهي الخسائر التي كان لورنس يرى أنها غير ضرورية.

كان لورنس يرى أن التفوق على العدو في الدهاء أكثر أهمية من قتله، وهكذا فليست هناك حكمة في مواجهة جيش من قبيل جيش الإمبراطورية العثمانية، بقوته النارية الأكثر تفوقاً ورجاله المدربين، حيث ان من شأن ذلك أن يؤدي في يسر إلى إيقاع مذبحة في صفوف قوة غير نظامية تحاول شن هجوم بالمواجهة عليه، وبالتالي فلابد من التوجه إلى عتاد العدو، وليس إلى رجاله.

لهذا، بالضبط، كتب لورنس يقول: «إن موت جسر أو سكة حديدية تركيين أو مدفع أو شحنة من المتفجرات أكثر نفعاً بالنسبة لنا من موت تركي».

في غمار هذا كله، كان لورنس يؤسس على نقطة قوة عارمة لدى البدو، وهي أسلوبهم الطبيعي في خوض غمار القتال. ولكن الرغبة في تجنب سفك الدماء كانت وراء تشديده الدائم على ذلك.

لقد أضاف لورنس إلى ثقافة الحرب السائدة في عصره، والتي اشتهرت بأنها تؤدي إلى تساقط أعداد هائلة من الضحايا وقوائم ممتدة بهم، على نحو ما يظهر في الجبهة الغربية ـ مفهوماً أطلق عليه اسم «دوائر الحزن» وهي الدوائر التي يتسع نطاقها انطلاقاً من أي فرد يسقط في قبضة موت بلا ضرورة.

ومن الواضح انه لن يكون قادراً على الدوام على التمسك بهذه القواعد، فمن المحتم أن يسقط ضحايا في حرب بهذه الضراوة، وفي بعض الأحيان يكون ذلك على نطاق كبير، وستكون له لحظات مما يسميه براون بشهوة الدم.

ولكن لابد من ملاحظة انه في قلب زمان كان ينظر إلى حياة البشر مدنيين كانوا أو عسكريين على أنها جديرة بالاكتراث، نهضت فلسفته التي تم التعبير عنها بهدوء لتكون صرخة احتجاج في برية حرب حضارية.

الطريق الطويل إلى الشمال

لم يكن الارتباط بين فيصل ولورنس راجعاً إلى التقارب بين شخصيتي الرجلين فحسب، وإنما كانت تربطهما طموحات متماثلة فيما يتعلق بالمزيد من التطوير للثورة العربية والانطلاق بها قدماً.

كانت دمشق جزءاً أساسياً من خطة لورنس، كما حدد ملامحها في خطاب إلى هوجارث يعود إلى عام 1915، وكان فيصل يرى الرأي عينه.

هكذا كانت قوة الدفع للحملة بأسرها مع بداية عام 1917 كامنة في الانطلاق من الحجاز شمالاً إلى سوريا، التي كانت دمشق عاصمتها.

يقول براون انه بقدر ما كان لورنس يرغب في انتصار إلى الجانب الذي ينتمي إليه، بقدر ما أراد أن يقدم العرب أداء جيداً في الميدان يتيح لهم المطالبة بالحرية، حيث كان يهتم بمصير العرب في عالم ما بعد الحرب، أكثر مما كان يهتم بالبريطانيين، فهؤلاء قادرون على العناية بنفسهم، أما العرب فهم بحاجة إلى كل الاهتمام والتشجيع اللذين يمكنهم الحصول عليهما، حسب تعبير مالكولم براون.

هنا من حق القارئ العربي أن يتوقف ليتأمل معادلة لورنس الضمنية، الكامنة في هذه الإشارة، فعلى العرب أن يسفكوا دمهم في الميدان، وجائزتهم الكبرى هي أن يكون من حقهم المطالبة بالحرية، فيما بعد، في مؤتمر السلام.

وهو يعرف جيداً أن هذه المطالبة يمكن في يسر أن تتحول إلى صرخة في واد، ومن هنا الحديث عن مراكمة المساعدة والتشجيع للعرب، لأن ما سيواجهونه في مؤتمر السلام قد يكون فاجعاً حقاً، وهو ما حدث بالفعل، كما نعلم. كأن الرجل كان يطل في الغيب، أو قل كأن الرجل أجاد قراءة نوايا صانعي القرار البريطاني.

أياً كان الأمر، دعنا نتابع ما جرى في الميدان، فقد بقيت قوة فيصل بعض الوقت في ينبع، حيث أمضى لورنس معها بعض الوقت، ثم انطلقت في يناير 1917 شمالاً لتضع يدها على ميناء آخر من موانئ البحر الأحمر، هو ميناء الوجه.

لم يكن الوجه مدينة مفتوحة، تتدلى كثمرة ناضجة تنتظر القطاف، وإنما مدينة تضم حامية تركية صغيرة ولكنها مهمة، ويعتد بها. وتم التخطيط لشن هجوم منسق من جانب قوات فيصل والبحرية الملكية البريطانية، لكن قوات فيصل تحركت على نحو أبطأ مما كان متوقعاً، ووصلت لتجد الميناء وقد تمت السيطرة عليه.

وقد نشب قتال قصير لكنه محتدم تاركاً وراءه عشرين قتيلاً وقائد طائرة بحرية بريطانية مصاباً بجرح قاتل، مني به خلال رحلة استطلاع جوي.

استبد الغضب بلورنس، حيث كان يرى أن حصاراً قصيراً يستغرق بضعة أيام على مدينة الوجه من شأنه أن يأتي بالنتيجة نفسها، من دون سفك للدماء أو تحطيم لمرافق المدينة.

كان اجتياز الوجه وانتزاعها من أيدي الأتراك مكسباً كبيراً، حيث أعطى للعرب قاعدة قوية للهجوم منها على سكة حديد الحجاز، والبرهنة على أن فيصل هو قائد الساحة حقاً، وقد أقبل إلى معسكره زعيم قبائل الحويطات المخضرم الشيخ عودة أبو طايع، الذي بدا للورنس مقاتلاً يحمل هالة القرون الوسطى الرومانسية، وارتبط في خياله على التو بسيجفريد، كما قدمه فاجنر لعشاق موسيقاه.

كتب لورنس عن شيخ قبائل الحويطات يقول: «إنه ينظر إلى الحياة باعتبارها ملحمة، كل الأحداث فيها مهمة، وكل الشخصيات على امتدادها بطولية، وذهنه حافل وتتدفق منه بصفة عامة قصص الغارات القديمة وقصائد المعارك الملحمية».

أقبل عودة أبو طايع إلى معسكر فيصل لأنه شيخ مشايخ قبائل تمتد مضاربها إلى الشمال، وقد أراد أن يكتشف لماذا تتمهل الثورة العربية في الانطلاق تجاه القبائل التي يقودها. وشكل نفاد صبره وطاقته المتوثبة العنصرين البارزين اللذين ألهماه الخطوة التالية والتي يدور الجدل حول أنها الأكثر دراماتيكية في الثورة العربية بأسرها، أي الانطلاق للاستيلاء على العقبة.

في العقبة

تقع العقبة عند الطرف الشمالي للبحر الأحمر، وكانت بها حامية تركية، تقضي كل أعراف الحرب المعمول بها بالهجوم عليها من البحر ومن الجنوب. وكانت خطة الاستيلاء عليها براً قد نوقشت في دوائر رفيعة في القاهرة في صيف 1916، ولكن صرف النظر عن ذلك لأنه يحمل مخاطرة بالغة بالنسبة لأي قوات تقليدية.

الآن، وبدعم من قبائل الحويطات بدا هذا المخطط ممكن التنفيذ، وقد دار نقاش جدي حول من الذي جاء بهذه الفكرة البسيطة على نحو متألق، وتقول إحدى مدارس الفكر إن مثل هذه الخطوة تعد مبادرة طبيعية بالنسبة للعرب، غير أن مدرسة أخرى تقول إن الفكرة تعود إلى لورنس في جوهرها الصحيح. وأياً كان أصلها فإنها تظل ضربة عبقري.

من الطبيعي أنه لم يكن بالإمكان شن مثل هذا الهجوم بين عشية وضحاها، فالأمر لابد أن يستغرق وقتاً والكثير من الإقناع الحريص والحذر، لكي يتم تجنيد رجال من قبائل تقع مضاربها أقرب إلى مواقع المدفعية التركية، لكي يدعموا مبادرة على مثل هذا القدر من الجرأة، تحت قيادة الشريف ناصر شريف المدينة، الذي ضم مجلس حربه الشيخ عودة أبو طايع ولورنس ضمن آخرين، انطلقت قوة عربية من الوجه، في إطار من السرية والتكتم الشديدين، متجهة إلى الصحراء في مسيرة تأخذ شكل قوس واسع.

لكي تصل إلى العقبة من جانب البر الداخلي. كانت تلك عملية تحظى ببساطة كلاسيكية، وستكون هي نفسها الخطة التي سيعتمدها اليابانيون في الانقضاض على سنغافورة بنجاح كبير في الحرب العالمية الثانية.

في السادس من يوليو، وصلت القوة العربية إلى هدفها. وكان الاستيلاء على العقبة، الذي ظل بحسب تعبير لورنس «على امتداد شهور.. أفق أذهاننا، الهدف» قد وصل ـ عن جدارة ـ بأنه نقطة تحول الثورة العربية.

اندفع لورنس، في رحلة قدر لها أن تشتهر عالمياً، إلى مصر ليكون أول من يحمل الأخبار السارة.

وهناك التقى شخصية محورية أخرى في القصة، أي الجنرال إدوارد اللنبي، الذي كان قد وصل إلى مصر لتوه قادماً من فرنسا، ليقبض بيد أقوى على ما أصبح يعرف بجبهة فلسطين، حيث كانت محاولتان سابقتان للإطباق على الأتراك قد منيتا بالفشل، مما أنهى الحياة العملية للقائد العام البريطاني السابق وفتح المجال أمام اللنبي، الذي سيصبح راعياً للورنس في هذه المرحلة من حياته، كما كان هو جارث راعياً له في مرحلة سابقة.

أتاح الاستيلاء على العقبة للمقاتلين الذين يندرجون تحت قيادة فيصل الفرصة للتعاون مع القوة الضاربة، المنطلقة من مصر إلى الشام لتغيير ملامح خارطة الشرق الأوسط. ومنذ لحظة اللقاء في القاهرة أصبح لورنس ضابط الاتصال الرئيسي بين قادة الثورة العربية واللنبي.

وعلى الرغم مما درج عليه البعض من محاولة التقليل من أهمية دور المقاتلين العرب في اكتساح الأتراك، مقارنة بدور القوات التي قادها اللنبي، إلا أن براون لا يملك إلا الإقرار بأن العرب قد خرجوا من الحرب بإنجاز فعلي حقيقي وبقامة مرفوعة عالياً بما يكفل وضعهم على الساحة الدولية إلى الأبد، فقد قاتلوا كأفضل ما يستطيعون، وبفضلهم تعطل الدور الاستراتيجي لسكة حديد الحجاز التي كانت يمكن أن تتيح للأتراك الصمود طويلاً.

وقد خاطب هذا الانجاز الدول المحبة للسكك الحديدية وفي مقدمتها بريطانيا، على الرغم من أن قادة هذه الأخيرة ـ كما نعلم ـ كانت لهم أجندتهم الخاصة.

حادث درعا

لن يقدر للورنس أن يعرف لحظة الانتصار الكبير بدخول دمشق في الأول من أكتوبر 1918. قبل إن يمر بما يصفه براون بأكثر لحظات الحرب سواداً بالنسبة له، وهي اللحظة التي تشمل ما يعرف بحادثة درعا في نوفمبر 1917.

لكن ما هي هذه الحادثة بالضبط؟ لماذا يكتنفها كل هذا القدر من الغموض؟ لماذا يحجم لورنس نفسه عن الحديث ـ أو الكتابة ـ عنها بأقل قدر من الوضوح؟

ربما كتب عن هذه الحادثة المفردة أكثر مما كتب عن أي مفصل من مفاصل حياة لورنس، ولايزال المزيد عنها يكتب حتي اليوم.

يشير مالكولم براون في حديثه عن حادث درعا إلى أن لورنس وقع في الأسر في يد الأتراك، في إطار هذه الحادثة، حيث قام آسروه من الأتراك بضربه بوحشية، وأخضعوه للاغتصاب.

قيل في روايات كثيرة إن هذا الجانب الأخير ليس إلا محض خيال، ولكن الإشارات إليه تعد أكثر من أن تتم تنحيته باعتباره مجرد خيال، أو تعبير أدبي عن واقع التعذيب.

أياً كان الأمر، فإن حادثة درعا قد تركته إلى حد كبير رجلاً آخر غير الذي كان، وستترك بصمتها بقوة عليه حتى آخر يوم في عمره، وربما تكون وراء ميله الشهير لاحقاً إلى أن يحيا بعيداً عن الأضواء، وأن يدخل في صدامات لانهاية لها مع رجال الصحافة ومصوريها.

لكن ما الذي يقوله لورنس نفسه عن حادث درعا؟

واقع الأمر أنه قد أشار في مواضع عديدة من كتاباته ورسائله على السواء إلى حادث درعا، لكنه في كل هذه الإشارات حرص على أن يبقى الحادث في ضوء كاب، خفيض، جهم، يستر أكثر مما يكشف.

كتب لورنس في مارس 1923 يقول عن تجربته في درعا: «لا ينبغي أن أتحدث معك عن تلك الليلة، لأن الرجال المهذبين لا يتحدثون عن مثل هذه الأمور.

خوفاً من التعرض للإيذاء، أو بالأحرى لاكتساب خمس دقائق لالتقاط الأنفاس من ألم دفعني إلى الجنون، تخليت عن المقتنى الوحيد الذي نولد إلى الدنيا به، وهو تكامل جسمنا. إنه أمر لا يغتفر، وضع لا يتدارك، وذلك هو الذي جعلني أتخلى عن العيش المترف وممارسة مواهبي وإعمال قدراتي الذهنية التي لا تعد مما يزدرى».

هكذا فإن من الجلي أن القارئ، حتى وإن أعاد قراءة هذه الفقرة عدة مرات، فإنه لن يخرج منها بأكثر مما منحته في المرة الأولى، لأنها كتبت على هذا النحو عمداً، لتظل تفاصيلها سابحة في الغموض.

هذا الإطار الذهني الذي صاغ فيه الكاتب ما أراد أن يقوله سوف نصطدم به في حديث لورنس عن حادثة درعا في كتاب «أعمدة الحكمة السبعة».

يقول لورنس إن تلك الليلة في درعا قد تركته: «مشوهاً، ناقصاً، نصف ذاتي فحسب. لم يكن مرد ذلك إلى التلويث، فلم يقدر لأحد أن يضع الجسم في موضع التكريم أقل مما وضعته أنا.

ربما كان الأمر راجعاً إلى تحطيم الروح بفعل ذلك الألم الممزق للأعصاب، الذي تدنى بي إلى مستوى حيواني، عندما جعلني أنحط إلى مستواه، والذي رحل معي منذ ذلك الحين، افتتانا ورعباً ونزوعاً مرضياً. . ربما، ولكنه يشبه اندفاع الفراشة إلى لهيبها».

إذا كانت تلك إحدى النقاط التي لا تزال أقرب إلى الثقوب السوداء في سيرة لورنس وحياته، ويرى العديد من الباحثين أنها ستظل على غموضها ذاك ما لم تظهر رسائل أو وثائق أخرى تلقي ضوءا مختلفاً عليها، فإن حياة لورنس تتضمن العديد من المحطات التي تستحق التوقف عندها، والتي انطلاقاً منها ستحلق أسطورته عالياً إلى الذاكرة، كما حلقت تلك الفراشة التي تحدث عن اندفاعها نحو اللهب.

الواقع أن هذه المرحلة من مسيرة الثورة العربية لم تكن لقاء مع النصر فحسب، وإنما كانت أيضاً لقاء مع الأزمة بالنسبة للورنس. مرد ذلك إلى أن لورنس كان يعرف منذ وقت طويل بأمر الخطط التي أعدها الحلفاء لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط بعد الحرب، وأن هذه الخطط لا تفسح لحلم العرب بالحرية السياسية إلا مجالاً بالغ الضيق للتحقيق.

كان لورنس يعلق آمالاً على أن العرب بقدر ما يرتفعون بمستوى أدائهم في الحرب وانجازهم خلالها، سيكون اقترابهم من حلمهم السياسي، ولكنه عندما سئل من جانب القادة العرب البارزين عن نوايا بلاده حيالهم بعد الحرب.

وجد نفسه مضطراً للجوء إلى المراوغة، وراح يؤكد أفضل التعهدات التي كانت قد تسربت من القاهرة ويقلل من أهمية أسوأ المخاوف التي ساورت العرب.

وقد حدثت مواجهات بينه وبين بعض الشخصيات العربية البارزة، في هذا الشأن على وجه التحديد.

وما كان يمكن للمشهد إلا أن يكون مدلهما بعد نشر نص وعد بلفور في نوفمبر 1917. الذي نص على أن حكومة بريطانيا تنظر بعين العطف إلى المشروع الصهيوني في فلسطين.

بادرت السلطات المعنية إلى تكليف لورنس بالتأكد من أن «الموقف العربي سيكون متعاطفاً طوال فترة الحرب على الأقل» وكان ذلك عبئاً ثقيلاً على رجل واقع تحت ضغط مستمر، إلى حد أنه حاول في أوائل 1918 التخلي عن دوره في الصحراء، لكنه أعيد إليها على وجه السرعة، لأنه لا سبيل إلى الاستغناء عن جهوده هناك، وهكذا اضطر، كما عبر أحد كتاب سيرة حياته، إلى «استئناف الإمساك بصولجان الخديعة في الشرق».

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين