يستمد هذا الكتاب أهميته من انطلاقه بعد سبعين عاماً من رحيل توماس إدوارد لورنس، الذي اشتهر تقليدياً بلقب «لورنس العرب» عن عالمنا، وذلك لتقديم المحاولة الأكثر طموحاً حتى الآن للتصدي للأسرار والألغاز وعلامات الاستفهام.

وتشابكات الضوء والظل التي بقيت تحيّر الناس في حياة هذا المحارب والمغامر والكاتب الذي اقترن اسمه بالثورة العربية الكبرى، وبمحاولة العرب الحصول على الاعتراف الشرعي بحقوقهم على الساحة الدولية في مؤتمر السلام بباريس.

ومن المؤكد أنه ليس من قبيل الصدفة أن تسجل «التايمز» اللندنية الاهتمام الكبير بكتابات لورنس والتي انعكست في قفزة كبرى في توزيع كتابه الكلاسيكي «أعمدة الحكمة السبعة» في عام 2004، وأن يعود الباحثون للتساؤل عن السر، بل الأسرار الغامضة والملتبسة.

وراء ما يعرف ب«حادث درعا» وتألق لورنس على ساحة الحرب وفي مؤتمر السلام وفي حرصه المستميت على أن يظل مجهولاً في أدنى رتب سلاح الطيران الملكي، وفيالق الدبابات البريطانية في أواخر حياته، وهو ما يحاول المؤلف التصدي له بالوقائع والوثائق والتحليل المعمّق.

من المحقق أن الكثيرين على امتداد العالم قد توقفوا طويلاً عند شخصية لورنس ومجمل أعمال وثراء كتاباته وأيضاً الثغرات والألغاز التي لا تزال، حتى اليوم، تفرض نفسها على قصة حياته، على الأقل في صياغتها المعروفة لنا.

غير أن هذه الثغرات وتلك الألغاز هي التي دفعت الكاتب مالكولم إلى محاولة التصدي لها، ومن هنا جاء فيلمه الوثائقي الشهير عن لورنس العرب الذي استقطب عشرة ملايين مشاهد في أول عرض له على شاشة ال«بي.بي.سي» البريطانية.

ودفعه إلى الكتابة مطولاً عنه وإلى القيام بالعديد من البحوث عنه عبر سنوات طويلة، بما في ذلك إجراء عدد كبير من المقابلات مع من عرفوا لورنس شخصياً ومع آخرين ممن شاركوا في نسج وقائع قصته التي تتحدى النسيان.

وقد لفت هذا الكتاب الذي يقدمه براون الأنظار بشدة، نظراً لارتفاع سقف طموحه، لأنه يحاول أن يقدم ما يمكن وصفه بالحل الأقرب إلى الدقة لأسرار لورنس، كذلك فقد اقترن إطلاق الكتاب مع الذكرى السبعين لرحيل لورنس عن عالمنا.

ومع المعرض العملاق الذي أقامه متحف الحرب البريطاني والذي ضم العديد من العناصر التي استهدفت التكامل مع الكتاب في إلقاء الضوء على حياة هذا الرجل الغامض، الملتبس، المفعم بالتناقض، الذي استقطب اهتمام الدنيا حتى يوم حادث الدراجة النارية الذي أودى بحياته، والذي كان بمثابة اللغز الأخير في حياة لورنس.

لكن من هو لورنس حقاً؟ كيف انتقل من عالم البحث الأثري إلى دنيا المخابرات؟ ما الذي طوّح به من مكتبه المريح الغارق في الظلال والغموض في دوائر المخابرات الحربية بالقاهرة في مستهل الحرب العالمية الأولى إلى أتون الثورة العربية الكبرى؟ كيف انتقل زميل كلية كل الأرواح الأكاديمي الهادئ ليغدو رجل التفجيرات الكبرى للمعدات والأسلحة التركية في سكة حديد الحجاز؟

كيف نجح هذا الرجل المحب للعزلة والانطواء في أن يكون الشخصية الأكثر بروزاً في مجلس فيصل بن الحسين؟ كيف استقطب كل هذه الأضواء لدى دخول دمشق وفي مؤتمر السلام في باريس؟ ما الذي جرى عندما أسره الأتراك في درعا؟

لماذا نجح كتابه «أعمدة الحكمة السبعة» في التحول إلى عمل كلاسيكي إلى الحد الذي يقال إنه لم يخرج من دائرة النشر أبداً منذ صدوره في طبعة محدودة خاصة بالمشتركين حتى اليوم؟ وأخيراً ما السر في حرصه الشديد على الغموض والبعد عن الأضواء إلى حد شغل أدنى المراتب في سلاحي الطيران والدبابات وهو بطل الحرب الشهير؟

رجل الحلم والحركة

من المحقق أنه لا سبيل إلى أن نضع يدنا على الحد الأدنى من المعرفة بالمداخل الصحيحة للوصول إلى إجابات معقولة عن هذه الأسئلة، إلا بعد أن نتفهم الحقيقة الأساسية المتعلقة بلورنس، والتي يعبر عنها بطريقته الخاصة.

كان لورنس هو صاحب الكلمة القصيرة المدوية التي قال فيها: «كل الرجال يحلمون..»، ونحن، إذن، حيال رجل حالم منذ البداية، لكنه أيضاً يملك من الطموح والهمة والعزم ما يجعله يسعى إلى جعل حلمه حقيقة ملموسة ومتألقة تحت الشمس.

ومن هنا، جاء توقعه المبكر بأن يبرز وأن يترجم بروزه إلى تكريسه فرداً في طبقة النبلاء البريطانية العتيدة. وبين الحلم وتجسيده تمتد حياة هذا الرجل الذي لا يزال بعد سبعين عاماً من رحيله عن عالمنا يستقطب الاهتمام ويثير النقاش.

قصة الحياة هذه يرويها لنا المؤلف مالكولم براون في ثلاثة أجزاء، هي على التوالي:

أ ـ سنوات الأمل والطموح.

ب ـ سنوات الانتصار والأزمة.

ج ـ سنوات المتاهة.

ويتوج المؤلف هذا كله بما يسميه «المقطع الأخير» والذي يتناول فيه أسطورة لورنس وما تركه للناس وراءه من تراث.

إذا كانت هذه البنية التي تمتد عبر 208 صفحات تعكس توازنا محكماً مثيراً للاهتمام بمختلف مراحل حياة لورنس، وصولاً إلى المرحلة الأسطورية، فمن المحقق أن القارئ العربي للكتاب سيهتم بشكل خاص بالجزء الثاني من الكتاب الذي يدور حول سنوات الانتصار والأزمة.

هذا الاهتمام طبيعي ومنطقي، ولابد لنا من أن نبادر إلى تبنيه، ولكننا قبل أن ننطلق مع لورنس في مسيرة الثورة العربية الكبرى لابد لنا من التوقف عند سنوات التكوين التي قدمت لنا هذا الرجل.

أول ما يلفت نظرنا هو أن توماس إدوارد لورنس كان الابن الثاني من بين خمسة أبناء غير شرعيين، ولدوا لأب من أصول أنجلوـ أيرلندية من مربية كان قد استعان بها لتربية بناته الأربع.

هذا الأب الذي يدعى توماس روبرت تشابمان كان النتاج التقليدي لأكثر المدارس الخاصة تألقاً في عصره، مدرسة إيتون العتيدة ما غيرها، وكان وارثاً لبارونية في عمق الريف الواقع إلى الشمال الغربي من العاصمة الأيرلندية دبلن.

ما يعنينا من هذا الأب العجيب هو أنه غادر داره الريفية، المعروفة باسم «ساوث هيل» مع مربية أبنائه وأطفالهما، تاركاً البارونية العتيدة لزوجته، وواصلا الانتقال سنوات طويلة في مناطق شتى إلى أن ألقيا عصا الترحال أخيراً في أكسفورد، قلب انجلترا الشهير، بعد أحد عشر عاماً من التجوال، حيث ضمت العائلة إحدى الضواحي الشرقية للمدينة التي عرفت في أرجاء الدنيا كلها بكلياتها التي تعود إلى القرون الوسطى.

هذه الخلفية العائلية المضطربة كانت أمراً شديد الأهمية بالنسبة للورنس، على امتداد حياته، فميلاده غير الشرعي كان عقبة في مجتمع محافظ كالذي نشأ فيه، وكان عليه دوماً أن يبذل جهداً إضافياً، ويقطع شوطاً أبعد، لتجاوز هذا الجرح النفسي، الذي أبقى بعيداً في الظلال، كسرا عائليا قديما يتعين نسيانه، ولكن هيهات!

وفي سنوات التكوين لم يكن اسمه مشكلة، فهو بالنسبة للجميع كان الفتى قصير القامة المعروف باسم «ند»، وكان أهم إنجاز له في سنواته المبكرة تلك الانطلاق وحيداً بدراجة هوائية جنوباً إلى فرنسا، وصولاً إلى شواطئ البحر المتوسط، في اختبار صارم لقوته البدنية وتركيبه العضلي الوثيق، ولكن الأمر لم يكن اختباراً عضلياً فقط، وإنما كان محاولة من الفتى لمد يديه بعيداً إلى العالم التقليدي، الذي طالما استقطب ذهنه وجعل خياله يحلق خلال ساعات العكوف الطويلة على القراءة.

تلك نقطة البداية حقاً، هذا الولع بعالم القرون الوسطى وبالعالم التقليدي، وعلى وجه التحديد من خلال تمثله في القلاع، التي كان العديد منها غير بعيد عنه في أكسفورد، والتي حرص على أن يرتاد في فرنسا أبرزها، وخاصة قلعة ريتشارد قلب الأسد في نورماندي.

من هنا لن ندهش عندما ينتقل لورنس من مدرسة أكسفورد الخاصة في عام 1907 للالتحاق بكلية اليسوع العتيدة في أكسفورد لدراسة التاريخ.

ولن نفاجأ عندما نراه يمضي عطلة طويلة في 1909 لإجراء البحوث الميدانية الضرورية في سوريا وفلسطين، لدراسة العمارة الحربية للمنطقة وتاريخ الحملات الصليبية عليها، حيث قطع في ثلاثة أشهر مسافة 1100 ميل، وزار سبعاً وثلاثين قلعة تاريخية، ويلفت نظرنا بشدة أنه قضى معظم هذه الفترة يعيش كعربي في كل شيء، من الزي إلى المأكل والمشرب وطريقة الحياة.

على الرغم من أنه لدى عودته إلى أكسفورد كان نحيلاً، بحيث لم يتعرف عليه أحد، إلا أن حصيلة معارفه كانت كفيلة بدفعه إلى التفوق إلى حد كبير، وهكذا تلقى التكريم عن تفوقه في صيف 1910، وكان ذلك أمراً حتمياً فقد كان يعرف عن موضوع دراسته أكثر مما يعرف المشرفون على امتحانه، ولا يزال ينظر حتى اليوم إلى أطروحته باعتبارها عملاً رائداً ومهماً، على الرغم من أن ما توصل إليه فيها تم، بالطبع، تجاوزه.

تحت سماء الشرق

كان لورنس قد جعل اسمه معروفاً في متحف أشموليان بأكسفورد، من خلال قيامه بإهداء المتحف عدداً من القطع الأثرية النادرة، التي كان قد عثر عليها هو وزميل له في مناطق تنقيب عن الآثار في أكسفورد، أتاحتها فورة البناء التي اجتاحت المدينة.

وفي عام 1909 قدم له أمين المتحف الجديد دي. جي. هوجارث فرصة لم يكن بإمكانه مقاومتها، فقد بذل هوجارث جهوداً مكثفة ليحصل للورنس، الذي تخرج لتوه، على منحة كبرى في كلية مجدالين، إحدى أكثر كليات جامعة أكسفورد مكانة وتميزاً.

كان الهدف من هذه المنحة دعم لورنس في عمله كمساعد في عمليات التنقيب عن الآثار، التي كان هوجارث مكلفاً بالقيام بها في الشرق الأوسط نيابة عن المتحف البريطاني، وقد كان التنقيب يجري في منطقة كركميش، وهي مدينة من مدن الحيثيين على ضفاف نهر دجلة غير بعيدة عن مدينة الحسكة في سوريا، وذلك بعد فترة توقف غير قصيرة.

هكذا غادر لورنس انجلترا في أوائل ديسمبر 1910 في الطريق إلى الشرق من جديد، وبالإضافة إلى عمله في الفخاريات الأثرية أسند إليه العمل مصوراً للبعثة ومنظماً لقوة العمل المتوافرة لها، وهي مهمة عكف على انجازها بحماس سيعرف مستقبلاً عن لورنس ليغدو مرتبطاً باسمه.

لكن لورنس لم يعش منفصلاً عن قوة العمل المحلية في التنقيب، وإنما قسر دور المشرف على هذه القوة الذي اسند إليه بطريقة تجعله واحداً من رجاله، الأمر الذي رفع معنوياتهم كثيراً، كأنما كان يعد نفسه للسنوات التي سيعيشها لاحقاً في المعسكرات والمخيمات العربية، خلال الحرب العالمية الأولى، وأيضاً سنوات العمل في سلاحي الطيران والدبابات في أواخر حياته.

تلك كانت الفترة التي عكف لورنس فيها على تحسين معرفته باللغة العربية، لا في بنيتها وأساسها الأدبي فحسب، وإنما في عاميتها ولكنتها المحلية كذلك، وأيضاً التمكن من ناحية أساليب الإقناع والتشجيع، التي ستغدو شديدة الأهمية في جولات القتال، التي سيحملها المستقبل في تضاعيفه، واكتساب خاصية الاحتمال في ظروف الشرق العسيرة.

وعلى سبيل المثال، فقد انطلق لورنس في 1911 في رحلة طويلة أخرى بحثاً عن المزيد من القلاع التاريخية والتحديات البدنية، مسجلاً هذه التجربة في يوميات مستفيضة وفي مجموعة كبيرة أخرى من الصور المميزة.

في قابل الأيام، سينتظر لورنس إلى أيام كركميش باعتبارها أسعد أيام حياته، فقد أتيح له وفق تعبيره «الجلوس والتفكير» وهذا اكتشاف ثمين للغاية».

إذا كانت هناك سحب في حياة لورنس في هذه الفترة، فإنها لن تكون إلا النذر القاتمة المرتبطة باحتمال نشوب الحرب. ولم يكن من قبيل الصدفة أن لورد كتشنر الذي سيصبح وزيراً للحرب في 1914، الذي كان في ذلك الوقت القنصل البريطاني العام في مصر، بادر إلى الإعراب عن مخاوفه بأنه في حالة اندلاع القتال في الشرق الأوسط، فإن تركيا يقيناً ستأخذ جانب أعداء بريطانيا، وقد تبادر إلى تهديد قناة السويس بالخطر، بكل ما تحمله القناة من أهمية لبريطانيا.

نظر كتشنر إلى سيناء باعتبارها منطقة ذات أهمية خاصة من بين الأراضي التي يسيطر عليها الأتراك، فأمر بأن يقوم الكابتن ستيوارت نيوكومب من سلاح المهندسين الملكي البريطاني بعمل مسح عسكري شامل هناك.

لكن هذا المسح كان بحاجة إلى مدنيين ضمن القائمين به، لتخفيف أي شكوك تركية قد تثور حوله، وهكذا تم استدعاء لينونارد وولي ولورنس من كركميش للمشاركة في المهمة، وإضفاء الطابع الأثري ـ وليس العسكري على أبحاثها.

انطلقت عملية المسح في وقت مبكر من عام 1914، وعلى الرغم من أن جوهرها كان عسكرياً، كما رأينا، إلا أن ذلك لم يجردها من الاهتمام بالأبحاث المختلفة في تضاعيفها حيث تم تنفيذها برعاية صندوق الاستكشاف الفلسطيني ودعمه.

وطلب من وولي ولورنس أن يكتبا للصندوق صورة مفصلة عما قاما باكتشافه يمكن إعدادها للنشر، وكانا يعكفان على كتابة هذه الوثيقة في انجلترا في أغسطس 1914 عندما تحولت الحرب من احتمال مؤرق إلى واقع يفرض حضوره الفاجع.

في القاهرة

بدأت حرب لورنس على نحو هادئ، فبينما اندفعت أعداد لا تحصى من البريطانيين إلى مكاتب التطوع، واصل هو ووولي بأقصى سرعة ممكنة كتابة تقريرهما عن سيناء.

ولدى اكتمال التقرير، التحق وولي بضباط سلاح المدفعية الملكي، بينما استعان القسم الجغرافي في المخابرات العسكرية بوزارة الحرب في لندن بلورنس، وتم في البداية تشغيله كمدني، وبحلول شهر أكتوبر كان قد أصبح ملازماً ثانياً فيما يعرف بالقائمة الخاصة، أي أنه ضابط غير ملحق على تشكيل عسكري محدد.

سيظل لورنس، من الناحية الرسمية، ضابطاً غير مرتبط بوحدة عسكرية محددة طوال الحرب، لكنه سيترقى على نحو غير مألوف إلى رتبة لفتنانت كولونيل.

شهد إخوة لورنس دروباً أكثر تقليدية من الدرب الذي سلكه، فقد أصبح الأخ الأكبر الذي عرف دائماً باسم «بوب» طبيباً في الفيالق الطبية بالجيش الملكي، وانضم ويل إلى الفيالق الملكية الطائرة، والتحق فرانك بصفوف المشاة. وخدم الأخوة الثلاثة في ساحة شمال غرب أوروبا التي ستهيمن على الخيال الجماهيري، باعتبارها الرمز المطلق لحرب الاستنزاف الحديثة، أي الجبهة الغربية.

في غضون عام واحد من بداية الحرب، لقي ويل وفرانك مصرعيهما، حيث قتل ويل في الغارات الأولى، وأصيب فرانك بقذيفة خلال قيادة رجاله استعداداً لهجوم.

وجد لورنس نفسه في الطريق إلى الشرق من جديد، وقبل أن ينتهي العام الأول من الحرب ألفى نفسه في القاهرة، كجزء من كادر تم تجميعه بسرعة من «الحكماء والأخيار» حسب التعبير الشهير لاكتشاف ما الذي يعتزم الأتراك القيام به، وذلك بعد أن انضمت تركيا إلى صفوف أعداء بريطانيا في الحرب، كما أجمعت التوقعات البريطانية، وتجاوزت المهمة ذلك إلى التوصل إلى سبل لقطع الطريق على الأتراك للتأثير في موازين الحرب.

لا شك في أن تلك كانت مهمة على جانب كبير من الدقة والحساسية، لكنها كانت كذلك أبعد ما تكون عن خطوط إطلاق النار. وكان لورنس على امتداد سنوات طويلة قد حوَّل نفسه إلى دارس جاد للحرب، لكن الحرب على نحو ما بدت له من مكتبه في القاهرة كانت حرباً بالقلم، بالآلة الكاتبة، بالخريطة والجدل حول المائدة، وهو نوع شاحب من الحروب، سيثير ضيق لورنس الشديد في نهاية المطاف.

دامت هذه المرحلة عامين تقريباً، ودفعته إلى أن يكتب ملاحظات من قبيل: «سأبقى في القاهرة إلى أن أموت» أو «أحسب أن المرء يكون أسعد كثيراً وهو في خندق، حيث لا يقلق بشأن السياسة والمعلومات طوال اليوم».

ومع ذلك، فقد كان ذهنه يتدفق بالأفكار، التي أدرج أهمها في رسالة كان قد كتبها إلى هوجادث في مارس 1915، ومن المحتم أن أراضي الشرق الأوسط التي يسيطر عليها الأتراك، وبصفة خاصة مناطق القبائل العربية القريبة بشكل مباشر من مصر والسودان كانت ذات أهمية خاصة لجامعي المعلومات الذين مضوا يقدحون زناد أفكارهم في القاهرة.

كان لابد من فعل شيء ما لكبح جماح القلق السائد في هذه المناطق بما يضعه في خدمة الهدف المركزي للحلفاء، وهو هزيمة الأتراك في الميدان وإجبارهم على الرحيل، وذلك من خلال مساعدة قوة الحملة الهائلة التي كان يجري تجميعها في القاهرة آنذاك للانقضاض على الأتراك.

وقد كتب لورنس يقول في غمار تأمله للحالة المضطربة للحياة السياسية العربية، التي يقوم كل زعيم عربي في إطارها باتباع أهدافه الخاصة على نحو يتناقض مع أهداف الزعماء العرب الآخرين: «أريد أن أجمعهم معاً، وأن أكتسح سوريا عن طريق الحجاز باسم الشريف».

ونحن جميعاً نعلم أن الشريف المشار إليه في عبارة لورنس هذه ليس الشريف حسين، شريف مكة، الذي سيقوم بعد خمسة عشر شهراً فقط من كتابة هذه العبارة بإطلاق الثورة العربية الكبرى، التي سيتألق اسم لورنس في وهجها.

إذا كانت الأراضي الحجازية هي مهد الثورة، فإن دمشق كانت جزءاً لا يتجزأ من صميم انطلاقها، ولم يكن من قبيل الصدفة أن يرصد البريطانيون بعض الشك فمن منظوره كان الفرنسيون يوشكون أن يكونوا أعداء بقدر ما كان الأتراك أعداء لبريطانيا.

اللعبة الكبرى

كتب لورنس يقول إنه إذا انطلقت الأحداث في الدرب الذي يتصوره «فإن بمقدورنا الاندفاع وصولاً إلى دمشق وحرمان الفرنسيين من كل أمل في سوريا. إنها لعبة كبرى، وهي لعبة جديرة بأن تلعب في نهاية المطاف».

من الناحية العملية، كان لورنس يرسم في ذهنه سيناريو الأحداث، الذي سيتحقق بدقة مذهلة. وقد أطلق ديفيد جارنيت، الذي أصبح في وقت لاحق محرر أول مجموعة شاملة من رسائل لورنس، على هذه الوثيقة وصف «الوثيقة» الأكثر بروزاً التي قدر للورنس أن يكتبها على الإطلاق. وهي توضح أنه كان بالفعل قد خطط لحملة سيقدر له أن يشنها ليصل بها إلى الختام بعد ثلاث سنوات.

بدأت «اللعبة الكبرى» التي علق لورنس الآمال عليها في يونيو 1916، وذلك حينما ألقى الشريف حسين القفاز في وجه الأتراك، وقد عهد بمهمة تحدي الأتراك إلى أبنائه، علي، عبدالله، فيصل وزيد، الذين انطلقوا إلى الميدان وكل منهم على رأس قوة محدودة بمعايير ذلك العصر.

ويرى المؤلف أنه لا العفوية ولا الحماس من جانب هذه القوات العربية .. وقادتها كانا بمقدورهما أن يعوضا الافتقار إلى إستراتيجية شاملة، ويشير إلى أن الحقيقة القائلة أنه بعد مرور ثلاثة أشهر من اندلاع الثورة لم تكن هناك ثمار ملموسة لها هي التي جلبت لورنس إلى شبه الجزيرة العربية.

مضى لورنس إلى هناك في أكتوبر 1916، وسوف يعود إلى انجلترا في أكتوبر 1918. وكان هذان العامان هما بالفعل العامان اللذان صنعاه، وجعلانا نتذكره اليوم بعد مرور أكثر من 70 عاماً على رحيله.

لا يتردد مالكولم براون في الإشارة، على الفور، إلى أن هذين العامين كانا هما أيضاً العامان اللذان غرسا بالفعل فيروساً ثقافياً ونفسياً أوشك أن يقضي على لورانس.

شأن الحرب نفسها، فإن هذه الانطلاقة بدأت بصورة غير دراماتيكية، فقد أبحر لورنس نزولا في البحر الأحمر إلى جدة، مع عدد من مسؤولي الإدارة البريطانية في مصر، على رأسهم رونالد ستورز، حيث وجد نفسه الرجل الثالث في وفد يسعى إلى التواصل إلى طرق لتنشيط الثورة الوليدة. أما الرجل الثاني في هذا الثلاثي البريطاني فلم يكن إلا كولونيل سي.إي. ولسون المقيم البريطاني في جدة.

كان لورنس أقرب إلى مراقب ومدون ملاحظات أكثر منه مشاركاً فعلياً فيما يجري، وذلك على الرغم من أنه ظل قادراً على إدهاش الرجل الذي قدموا للقائه، وهو الابن الثاني لشريف مكة، عبدالله بن الحسين، بمعرفته المفصلة والغزيرة عندما يطلب منه إبداء رأيه أو يبادر بعفوية إلى طرحه.

بعد أن وصل ستورز ولورنس إلى جدة في 16 أكتوبر أبحرا في 19 أكتوبر إلى رابغ، حيث قابلا علي، أكبر أبناء شريف مكة.

غير أن حياة لورنس العملية ستبدأ حقاً عندما يسمح له ستورز بأن يقابل الابن الثالث لشريف مكة، فيصل، الذي كان يخيم على مبعدة مئات الأميال من الساحل، أي أقرب إلى الأتراك في الموقع بكثير من علي وعبدالله.

وعلى وجه الدقة في وادي الصفرة.

هكذا انطلق لورنس للقاء المجهول في رحلة ستغدو لاحقاً واحدة من مئات غيرها من الرحلات في بحر الرمال الصحراوي الممتد بلا انتهاء، وهي رحلة لم تكن في حد ذاتها بالأمر الهين، حيث تتم بسرعة هائلة ومن دون إتاحة المجال إلا لفترات استراحة قصيرة.

الآن أصبح يعتمد على نفسه، وانتقل بصورة حرفية بين عشية وضحاها من مساعد محدود الأهمية، رجل مخابرات لا يكاد يكون هناك وجود أو تأثير له إلى موفد لأداء مهمة في غاية الأهمية.

وهي اكتشاف القائد العربي الأكثر احتمالاً لأن يقود الثورة العربية إلى النجاح، فقد كانت السلطات المعنية في القاهرة بحاجة ماسة إلى أن تعرف أي نوع من المساعدة يمكن أن تكون فعالة، وأين ينبغي أن تقدمها لكي يعلو لهيب الثورة العربية الكبرى.

لم يكن المعيار هنا هو المكانة أو الأقدمية أو البروز على الأقران، وإنما كان الاتسام بالطابع العملي والوعد بأن يقدم للساحات قائدها وللمواقع فارسها.

هكذا فإن القائد الذي أعطيت الأولوية له كان فيصل، الابن الثالث لشريف مكة. كان لقاء بالغ الأهمية ذلك الذي ضم فيصل ولورنس في مخيم الأول في وادي الصفرة، ومن هذا اللقاء خرج رجلان سيقدر لهما أن يحتلا مركز ساحة الثورة العربية من الآن فصاعداً، وهناك وجهات نظر عديدة ومتضاربة في هذا الشأن، ولكن ليس من مفارقة الصواب النظر إلى هذين الرجلين باعتبارهما الثنائي الذي سيكفل للهيب الثورة العربية أن يتعالى ليملأ الأفق.

عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين