تصل مشاركة لورنس فيما عرف بحملة العامين إلى ذروتها مع دخوله إلى القدس أولاً، ثم مع وصوله إلى دمشق في أكتوبر 1918، غير انه لن يقدر له البقاء في هذه الأخيرة إلا ثلاثة أيام، سيحصل في أعقابها على إذن خاص من اللنبي بالعودة إلى الوطن.
وهو يشير في هذا الصدد إلى ان ينابيع الحركة قد جفت بداخله، وهو تعبير يبدو لنا شديد الغرابة من رجل بقى في ذاكرة العالم منطلقاً على متن راحلته وبمعيته دوى الانفجارات.غير ان رجل الحركة لن تنتهي مواقفنا معه هنا، وإنما يتعين علينا أن نتابعه، لنجده في لندن يدلي بشهادته أمام اللجنة الشرقية التابعة لوزارة الحرب.
وعلى الفور سيتبين لنا ان ما يقوله في واد وأن تصورات اللجنة في واد آخر، فقد كانت بريطانيا عاكفة على إعادة تشكيل خارطة الشرق الأوسط، ولم يكن للعرب فيها ـ بحسب الرؤية البريطانية ـ إلا هامش بالغ الانحسار.
شهد توماس إدوارد لورنس دخول اللنبي إلى القدس في ديسمبر 1917 حيث لا يزال من الممكن رؤيته بقامته القصيرة وزيه العسكري، الذي يبدو واضحاً أنه ارتداه على عجل، في خلفية الصور الرسمية الملتقطة بهذه المناسبة والأشرطة الاخبارية التي تتناول هذا المنعطف في الحرب العالمية الأولى.
ولما كان قد درس الحروب الصليبية، وتعمق في معرفة تاريخ المنطقة، فإن من الطبيعي ان يبدو له دخول القدس أمراً شديد الأهمية، ولسوف نراه في وقت لاحق يصفه بأنه «اللحظة الفائقة في الحرب».
وفي القدس أيضاً التقى لورنس بالصحافي الأميركي لويل توماس، الذي كان يزور الشرق الأوسط، بحثاً عن تقارير عن الحرب ترفع المعنويات في صفوف الحلفاء، حيث بدا له أنه ليس هناك الكثير من هذه النوعية من التقارير في الجبهة الغربية، التي بدت له عقيمة بكل ما يسودها من موت مجاني ودمار هائل مجرد من المعنى والمبرر.
بفضل جهود سير رونالد ستورز، الذي كان في ذلك الوقت قد عين حاكماً عسكرياً للقدس، تم التعارف بين لورنس وتوماس، وامتدت اللقاءات بينهما في القدس.
ميلاد أسطورة
لا يتردد الكثير من كتاب سيرة لورنس ومؤرخي هذه المرحلة في الإشارة إلى انه في هذه اللقاءات التي تمت في القدس غرست بذور أسطورة لورنس العرب، ذلك ان لويل توماس سيكون بالفعل هو الرجل الذي سيحول جندياً وأثارياً مجهولاً ـ حتى ذلك الوقت ـ إلى الرجل الذي ستعرفه الدنيا باسم «لورنس العرب».
أياً كان الأمر، فإن المؤرخين يشيرون إلى ان الخطط المكثفة التي كانت قد أعدت 1918 قد تعرضت للتأخير بصورة خطيرة، وذلك بفضل الهجمات الهائلة، التي شنها الألمان في الشهور الأولى من ذلك العام بهدف الوصول إلى حسم الموقف على الجبهة الغربية، حيث تم استدعاء الكثيرين من أفضل عناصر قوات اللنبي للقتال في فرنسا، كعناصر دعم واسناد للقوات المنهكة الموجودة في الجبهة الغربية.
هكذا فإن اللنبى لم يستطع شن محاولة الاختراق النهائية ضد الأتراك إلا بعد شهور طويلة من التوقيت الذي كان يعلق عليه الآمال.
تقدمت قوات فيصل بن الحسين بدورها من الأتراك.
ولكن القتال هنا كان في إطار أبعد ما يكون عن ذلك الذي تحدث عنه لورنس، مؤكداً ضرورة الحاق الأضرار بمعدات العدو وليس إزهاق أرواح رجاله، ولم يكن يفصل بين المثالية الأولى المكللة بالبراءة وبين نهر الدم الهادر هذا إلا عام ونصف العام.
لقد تقدم رجال الثورة العربية شمالاً، فإذا بهم يشاهدون مذابح وحشية راح ضحيتها سكان مضارب القبائل التي اشتبه الأتراك مجرد اشتباه في ان لها علاقة بالثورة العربية، دع جانباً ان تكون مشاركة فيها.
بالنسبة للكثيرين بدا غضب القادة العرب هادراً كالبركان، وللمرة الأولى في الحرب أصدر لورنس أمره بعدم أخذ أسرى من الأتراك والقتال بطريقة العين بالعين والسن بالسن والبادي أظلم.
ونلاحظ هنا ان لورنس اختصر جوهر ما قام بإنجازه في عبارة نادرة وردت في مقال بعنوان «تطور ثورة» نشر في مطبوعة «دورية الجيش» في أكتوبر 1920 حيث يقول: «من خلال الإصرار الدقيق الذي تم الابقاء عليه في إطار قوتنا وبالتزام روح نظريتنا تمكنا بالفعل من الوصول بالأتراك إلى مرحلة العجز التام.
وبدا النصر الكامل في مطال نظرنا، عندما أبقى جنرال اللنبي بضربته الهائلة في فلسطين القوات الرئيسية للعدو في حالة من الفوضى العاجزة، ووضع نهاية فورية للحرب التركية، وقد سعدنا للغاية بوداع آلامنا».
تحرير دمشق
عندما تم تحرير دمشق أتيح للورنس ان يكتب في الأول من أكتوبر 1918 لقيادة الأركان العامة قائلاً: انتقل الشريف ناصر مع ميجور سترلنج ومعي إلى دمشق، في الساعة التاسعة من صبيحة الأول من أكتوبر، وسط مشاهد من الحماس غير العادي من جانب السكان المحليين.
وكان من المستحيل المرور في الشوارع على وجه التقريب بفعل الحشود التي مضت تهتف حتى بحت أصواتها، وراحت ترقص وتلوح بالسيوف وتطلق الرصاص في الهواء، وتم الهتاف بأسماء ناصر ونوري شعلان وعودة أبو طايع وباسمي، وانهالت علينا أكاليل الزهور وأمطرنا بالقبلات بلا انتهاء ونثرت علينا الورود».
لكن ذلك لم يكن إلا وجهاً واحداً من وجوه المدينة المحررة، ففي العديد من المناطق كانت الشوارع مليئة بالحطام وبالمعدات العسكرية المتناثرة وبآثار التخريب الذي سبق انسحاب الأتراك، وانتشر التيفوس والديسنطاريا والبلاجرا، وتم على وجه السرعة تنظيم فرق لتنظيف الطرق والشوارع وإعادة فتح المرافق وتشغيلها.
في غضون ذلك ارتفع علم الثورة العربية خفاقاً فوق مقر قيادة فيصل بن الحسين في المدينة المحررة، لكن الكاميرات ستسجله وهو ينطلق مغادراً فندق فيكتوريا، في الثالث من أكتوبر، بعد مقابلة مع اللنبي، كانت أبعد ما تكون عن إثارة مشاعر الرضا في نفسه.
لابد لنا أيضاً من التوقف عند ملمح مهم، ولا يخلو من الدلالة، ففي اليوم الأول لوجود لورنس في دمشق حرص على تدبير أمر نهب إكليل الزهور البرونزي الذي كان القيصر الألماني فيلهلم الثاني قد وضعه على قبر الناصر صلاح الدين، خلال زيارته للمدينة قبل الحرب.
ويرى بعض المؤرخين ان هذه الخطوة من جانب لورنس ربما كانت إيماءة ضد الامبراطور الألماني، وكذلك تعبيراً عن إعجاب لورنس بالخصم اللدود لصلاح الدين، وهو ريتشارد قلب الأسد، وفي وقت لاحق قدم لورنس الإكليل البرونزي الى متحف الحرب الامبراطوري البريطاني، مشيراً في شهادة تبرعه به إلى أن مبرر التبرع هو ان الأكليل: «قمت بانتزاعه لأن صلاح الدين لم يعد بحاجة إليه».
أياً كان الأمر، فإن لورنس غادر دمشق في الثالث من اكتوبر 1918 بإذن خاص من اللنبي للعودة إلى انجلترا. وقد يبدو هذا، لأول وهلة، بمثابة مغادرة سابقة للأوان للمسرح في لحظة الانتصار.
غير انه في وقت لاحق سيذهب الى القول ان انتهاء الحملة بالنسبة له قد «كشف عن استنزاف الينابيع الرئيسية للحركة بالنسبة له».
وواقع الأمر انه قد بدا له انه بما أن من الواضح ان الحرب في كل مكان تقترب من نهايتها، فإن أفضل ساحة يمكنه عليها ان يتابع آماله وطموحاته ستكون دهاليز السلطة في أوروبا.
من المهم ان نلاحظ ان كتاب لورنس الكلاسيكي الشهير «أعمدة الحكمة السبعة» ينتهي عند هذا المنعطف من قصة لورنس، وصفحته الأخيرة مطبوعة بالحروف المائلة، لكي تشير ضمناً إلى نوع من الختام للصفحات السردية التي سبقتها.
وهذه الصفحة الأخيرة من الكتاب تتضمن العبارة التالية، التي لا تفتقر إلى البلاغة والتألق: «إن الدافع الأقوى طوال الوقت كان دافعاً شخصياً، لا يرد ذكره هناك، ولكنه ماثل بالنسبة لي في كل ساعة من هذين العامين.
والآلام والمباهج النشطة قد تنهض عالياً، كالأبراج، وسط أيامي، ولكن هذا الدافع الشفاف كالهواء أعاد التشكل ليكون عنصراً ملماً من عناصر الحياة حتى قرابة النهاية. وقد مات هذا الدافع قبل ان نصل دمشق».
في أروقة السياسة
برهنت «الوظيفة الطريفة» التي تحدث عنها لورنس قبل عامين في معرض التوقع والانتظار، على أنها أكثر تعقيداً وإثارة للمتاعب، غير انه خلال الحرب كانت هناك مهمة موحدة، كاسحة، وكان هناك هدف له موقع جغرافي محدد يستقطب اهتمامه.
أما الآن، وقد عاد لورنس إلى لندن، فقد وجد نفسه يواجه موقفاً أكثر تعقيداً بكثير، ويواجهه وحيداً، حيث انطلق مسرعاً في أبهاء المواقع السياسية ودهاليزها في عاصمة الامبراطورية، ليخوض المعارك عبر الموائد وليس في ساحة القتال. وكان الأعداء الذين يتعين ان يفوقهم دهاء هم من المدنيين والعسكريين، الذين يعتبرون رسمياً في صفه.
في 21 أكتوبر 1918 ظهر لورنس أمام اللجنة الشرقية التابعة لوزارة الحرب، والتي كان رئيسها هو لورد كيرزون النائب السابق للملك في الهند، والذي كان يشغل منصباً وزارياً رفيعاً في حكومة ديفيد لويد جورج.
سرعان ما علم لورنس ان اسمه بالفعل قد غدا معروفاً في الدوائر الحاكمة في لندن، فقد استهل لورد كيرزون مداولات اللجنة بقوله: «إنه وجميع أعضاء حكومة جلالة الملك قد تابعوا لبعض الوقت باهتمام وإعجاب العمل العظيم الذي كان كولونيل لورنس يقوم به في شبه الجزيرة العربية، وأحس بالفخر، لقيامه بالكثير من أجل المضي قدماً بالتقدم الناجح الذي أحرزته الجيوش البريطانية والعربية».
عندما دُعي لورنس لطرح وجهات نظره أمام اللجنة، بادر بالقيام بذلك بمعرفة معمقة بموضوعه، فهو قد أراد أن يرى قادة الثورة العربية ـ الذين حددهم بأنهم فيصل وعبدالله وزيد أبناء الحسين والذين قاموا بدور متميز في الحملة في 1918 ـ وقد تم إعطاؤهم منطقتهم ليحكموها في إطار الشرق الأوسط.
أصغى أعضاء اللجنة لما يقوله لورنس، ودهشوا، فقد وصفت خططه على نحو ما طرحت في هذا الاجتماع وفي اجتماع آخر بعد عدة أيام، في مضابط الجلسات بأنها تمثل «وجهة النظر العربية القصوى»، أي نوعية الآراء التي كان حرياً بفيصل أن يطرحها لو أنه كان جالساً في المائدة نفسها، وقد أشار هذا التعقيب على وجهة الدقّة إلى الحد الأدنى من المفهوم الذي تقبلته اللجنة.
إذا ضربنا صفحاً عن العناصر الأخرى، فإن توقيت الجهود التي بذلها لورنس لطرح القضية العربية لم يكن يمكن أن يكون أقل ملاءمة منه الآن، ففيما أفسح شهر أكتوبر 1918 المجال لشهر نوفمبر، انصب اهتمام انجلترا بأسرها على الانتصار في أوروبا، وبصفة خاصة على وضع نهاية للحرب على الجبهة الغربية التي كانت قد قدمت مآسي لا نهاية لها، وسقطت فيها أعداد هائلة من الضحايا، ودفعت كل الجهات الأخرى إلى الهامش.
على الرغم من ذلك، فقد واصل لورنس جهوده، وتوضح وثيقة تحمل خاتم وزارة الحرب في الخامس من نوفمبر قيامه بمحاولة جديدة، حيث قدم اقتراحاً يحمل عنوان «إعادة بناء شبه الجزيرة العربية».
في هذا الاقتراح يشيد لورنس بأبناء شريف مكة لدعمهم لقضية الحلفاء، مشيراً إلى «المحنة المعنوية التي خاضت غمارها أقدم وأقوى العائلات العربية، وأكثرها قداسة لابتعادها عن الصداقات والارتباطات التي دامت عمراً، ولتحملها من أجل الحرية القومية، العداء الذي لا يسبر له غور من جانب الهند وتركيا وأفغانستان ومصر».
وشدَّد لورنس على أن خطط زمن الحرب الداعية إلى تقسيم المنطقة بين بريطانيا وفرنسا ينبغي التخلي عنها، حيث إنها الآن ستكون مثار سخرية بسبب عبثيتها الجغرافية.
وحذر لورنس في عبارة ختامية حافلة بالمعاني من أنه إذا لم تتم تنمية هذه الخطط جانباً، «فإنني آمل على الأقل أن نعترف بإدراجنا الرسمي للعرب، ضمن الأطراف المحاربة وجعلهم طرفاً في أي قرارات تؤثر على المنطقة العربية، التي انتزعوها هم أنفسهم انتزاعاً».
في مؤتمر السلام
على هذا النحو، استقر المبدأ الذي سيكرس من أجله لورنس الكثير من جهده ووقته طوال السنوات الثلاث المقبلة. وقد كانت هناك بعض النجاحات في إطار هذا الجهد، فقد ساد الإجماع رسمياً على أن فيصل بن الحسين ينبغي أن تتم دعوته على رأس وفد عربي لحضور مؤتمر السلام، الذي تقرر عقده في يناير 1919، وتم الاتفاق على أن يضم هذا الوفد لورنس باعتباره مساعداً خامساً لفيصل.
هكذا أتيح للصوت العربي أن يعلو على الساحة الدولية، حيث أطل فيصل بزيه العربي المميز، وبمعيته لورنس في الزي الرسمي الكولونيل في الجيش البريطاني، ويقول لورنس مشيراً إلى الجهود الإعلامية المواكبة لهذا الحضور الرسمي:
«لقد التقيت مندوبي عشر صحف أميركية، ومنحتهم جميعاً مقابلات مطوّلة»، ويشير كذلك إلى لقاء الرئيس الأميركي ولسون وعدد من الشخصيات السياسية ذات الثقل الكبير.
من المحقق أن الوفد العربي قد ترك تأثيراً يعتد به، عندما أتيحت له في السادس من فبراير فرصة الدفاع عن قضيته أمام «مجلس العشرة» البارز المنبثق عن المؤتمر، حيث قام لورنس بترجمة ما قاله فيصل للمجلس، وأحدث تأثيراً يعتد به عندما طلب منه أن يكرر ما قاله فيصل بالفرنسية للمندوبين الذين لا يتقنون الإنجليزية إتقاناً تاماً.
وفيما لورنس يختتم ترجمته لما قال فيصل دوى التصفيق العفوي في القاعة. وكتب أحد المراقبين للمشهد يقول عنه: «لقد بدأوا الجلسة باعتبارهم المحكمين الواعيين بوضعهم في حالة البشر، وهام هم ينهونها كمشاهدين مفتونين بمترجم لكلمة أحد رؤساء الوفود».
كانت تلك لحظة رائعة، ولكنها لن تقطع أرضاً ولن تبقي ظهراً في مجالس القوى الكبرى، وبالنسبة للورنس الذي لم يكن يتحدث باسمه فقط، وإنما باسم كل من تحملوا العبء الثقيل على امتداد أربع سنوات، لا شيء إلا ليجدوا الجنود يخلون الساحة للسياسيين في مرحلة ما بعد الحرب، كان هذا تجسيداً للطريقة التي تتخذ بها القرارات في المرحلة الجديدة.
وبصفة جوهرية فإن لورنس لم يكن يتحدث عن حربه فقط، وإنما عن «أعمدة الحكمية السبعة»، حيث يقول: «لقد عشنا أعماراً طويلة في تلك الحملات المدوِّمة، ولم ندخر جهداً، ومع ذلك فحين أتممنا إنجازنا وبزغ عالم جديد، برز الكهول من جديد.
واستولوا على نصرنا، ليصيغوه على نسق العالم السابق الذي يعرفونه. لقد كان بمقدور الشباب الفوز، ولكنهم لم يتعلموا الاحتفاظ بما فازوا به، وكانوا ضعافاً على نحو مثير للإشفاق في مواجهة العصر، ودندنا، إننا قد عملنا من أجل سماء جديدة وأرض جديدة، وشكرونا بلطف وصنعوا سلاهم».
السير على هذا الدرب، بالنسبة للورنس، كان حتمياً فالارتباط الكبير بفيصل وبالمقاتلين العرب، الذين جاب معهم أرجاء الصحراء في مواجهات دامية مع الأتراك، وإدراك التضحيات الهائلة التي قدموها، كل ذلك ما كان يمكن إلا أن يدفعه لإتمام مسيرته.
ونعود هنا إلى الذاكرة، على الفور تقريباً، أصداء ذلك اللقاء الأول المبكر بين لورنس وفيصل في وادي الصفرة، في مستهل انطلاق لورنس في شبه الجزيرة العربية.
ومن قلب هذه الأصداء يبرز ما يقوله لورنس في «أعمدة الحكمة السبعة عن فيصل، حيث يبادر إلى الإقرار بأنه وجد فيه القائد الطبيعي الذي طالما تطلع إليه.
يقول لورنس في مقطع دال من كتابه عن فيصل: «أحسست عند النظرة الأولى أن هذا هو الرجل الذي جئت إلى شبه الجزيرة العربية ساعياً إليه، القائد الذي سيصل بالثورة العربية إلى تمام المجد.. بدا فيصل طويلاً للغاية، شبيها بعامود، ورشيقاً جداً، في أثوابه الحريرية البيضاء السابغة وغترته البنية وعقاله الذي يجمع بين اللونين الأرجواني والذهبي.
وقد خفف جفنيه وبدا محياه الشاحب وذقنه السوداء شبيهين بقناع حيال جسمه الغريب المفعم بمؤشرات المراقبة، وتقاطعت يداه أمامه على خنجره.
حييته، فأفسح المجال أمامي لدخول الغرفة، وجلس على سجادته قرب الباب، ومع اعتياد عيني على الظل أدركت ان الغرفة الصغيرة تضم العديد من الأشخاص الصامتين، الذين يتطلعون اليّ أو إلى فيصل بنظرة ثابتة.
وظل يحدق في يديه اللتين التفتا على مهل حول خنجره. وأخيراً استفسر بصوت هادئ عن رحلتي، فتحدثت عن الحر، وسأل عن طول المسافة من رابع، معقبا بأنني انطلقت بسرعة كبيرة بالنسبة لهذا الموسم. وقال: هل أحببت مكاننا هنا في وادي الصفرة، فقلت:
حسناً، ولكنه بعيد عن دمشق. وقعت الكلمة وقع السيف وسطهم، سرت رجفة، ثم تجمد الجميع في مواضعهم، وكف عن التنفس للحظة صامتة. وربما كان البعض يحلم بنجاح بعيد، وربما ظن البعض ان هذه ايماءة للهزيمة الأخيرة التي منوا بها، ورفع فيصل عينيه أخيراً، وابتسم لي وقال: سبحان الله، هناك أتراك أقرب بالنسبة إلينا من ذلك».
رياح المتاعب
إلى جوار هذه المتاعب العامة، هبت على حياة لورنس رياح المتاعب الخاصة أيضا، فقد كانت له حياة منزلية ينبغي ان يعود إليها، ولكن دار العائلة في بولستد رود كانت قد فقدت اثنين من أبنائها في فرنسا، وستفقد ثالثا بعد وقت قصير، حيث أحس والد لورنس في ابريل 1919 فجأة بأنه قد أصبح واحدا من ضحايا الانفلونزا التي اجتاحت العالم آنذاك.
في هذه المرحلة أيضا تعرض لورنس لضغوط أخرى، حيث كان قد بدأ بالفعل كتابة صورته عن تجربته في زمن الحرب، وذلك خلال وجوده في باريس، وتحول الانتهاء من هذه الصورة إلى اهتمام، استحواذي لا يفارقه.
وتدخلت كلية كل الأرواح التابعة لجامعة اكسفورد لإنقاذه من الضغوط التي يتعرض لها، حيث عينته زميلاً، ومنحته السلام والأمن الاكاديميين لكي ينجز مهمته من دون ازعاج.
لكن لورنس كان في أعماقه يميل إلى رفض أن يكون جزءاً من أي مؤسسة أيا كان مدى تميزها، وهكذا وجد مكاناً أكثر عزلة في وستمنستر بلندن، أعاره إياه مهندس معماري صديق، هو سير هربرت بيكر.
غير أن صيف1919 جلب معه ضغطاً من نوع آخر، عندما أذهل الصحافي الأميركي لويل توماس الذي كان لورنس قد التقاه في القدس ثم لاحقا في الصحراء، بلندن بمحاضرة يصاحبها فيلم يحكي قصة لورنس ومغامراته في الصحراء.
كانت هذه المحاضرة أقرب إلى استعراض منها إلى أي شيء آخر، حيث ضمت عناصر الموسيقى والرقص بالإضافة إلى عرض فيلم سينمائي، وأريد بها الاحتفاء بجنرال اللنبى، لكنها سرعان ما تركزت على شخصية لورنس.
وقد افتتح هذا الاستعراض في كوفنت جاردن، ولكنه نقل لاحقا إلى قاعة البرت الملكية، وبهذه الطريقة ولد «لورنس العرب» وعلى الرغم من أن هذا قد زاد شهرة لورنس إلى حد كبير إلا أنه حوله إلى شبه نجم سينمائي وأثقله بشهرة قارنها لورنس نفسه في وقت لاحق بعلبة صفيح مربوطة في ذيل قط.
من هنا لم يكن عجيبا ان يكتب لورنس في 20 مارس 1920 إلى ناشره الأميركي مستقبلا ف.ن، دوبلواي يقول في رسالة مطولة: «إنك تعرف أن من يدعى لويل توماس قد جعلني أقرب إلى معبود الحفلات الاستعراضية المبكرة.
ولذ فقد حجبت اسمي تماما بقدر ما يتعلق الأمر بلندن وأنا أعيش في سلام مجهولا، ولا يعرف عنواني الا معارفي في أكسفورد، وليس مرد الأمر إلى أنني أكره ان أكون معروفا، ولكنني لا أستطيع مواجهة ذلك، فما من أحد يتعرض لأن يكون ضحية لأناس حسني النية قدر المشاهير».
وربما كان لورنس قد تصور أنه ستنفتح أمامه آفاق أخرى يودع من خلالها الشرق الأوسط وصلاته به، لكن ذلك كان أبعد ما يكون عن إمكانية التحقق كما سيكتشف ذلك سريعاً.
عرض ومناقشة: كامل يوسف حسين