ينقل لنا المؤلف في هذه الحلقة مشاعر العراقيين المتباينة من الغزو الأميركي، فهناك فئة قليلة اعتبرته تحريراً من حكم صدام، بينما اعتبرته الغالبية العظمى احتلالاً على النمط المألوف للاحتلال الإسرائيلي.
وحتى الذين اعتبروه تحريراً أمهلوا القوات الأميركية والبريطانية فترة تثبت حسن النوايا وإلا فإنها ستُعامل كقوة احتلال لا تستحق سوى المقاومة.
ويلمس القارئ في هذه الحلقة تركيزاً على الأخطاء التي ارتكبها الأميركيون في الأيام الأولى للغزو من تجاهل لأعمال النهب والسلب للممتلكات العامة، إلى عدم اهتمام بتحسين أحوال العراقيين الذين استبشروا خيراً بزوال حكم صدام ليُفاجأوا بأن البديل أسوأ، وبأن المستقبل مجهول، فكان الرد الطبيعي على ذلك هو التمرد واستهداف هذا الدخيل الغريب عن المجتمع العراقي بعاداته وتقاليده بكل وسائل المقاومة المتاحة لاستعادة القرار العراقي المستقل.
يقول مؤلفنا أنتوني شديد إنه في يوم 22 مايو 2003 بدأ الاحتلال الأميركي رسمياً في العراق، رغم أنه كان قد بدأ فعلياً قبل ستة أسابيع من ذلك التاريخ. فقد منحت الأمم المتحدة، من خلال قرار امتنعت سوريا عن التصويت عليه، الولايات المتحدة وحليفتها بريطانيا، سلطات رسمية واسعة كقوة احتلال في العراق.
وكان ذلك أمراً متوقعاً منذ فترة في أعقاب الغزو. وقد أنهى هذا القرار ثلاثة عشر عاماً من العقوبات وهيأ الأرضية لاستئناف صادرات النفط العراقي لتمويل عملية إعادة البناء المأمولة. ووفقاً للقرار تصبح الولايات المتحدة، وليست الحكومة العراقية المؤقتة، المسؤولة عن تسيير أمور العراق.
وتعقيباً على القرار قال جون نيغروبونتي المندوب الأميركي في الأمم المتحدة والذي سيصبح في العام التالي أول سفير أميركي لعراق ما بعد صدام: «إن المجلس قد اتخذ الإجراء الحاسم الذي سيساعد الشعب العراقي».
وقد بدأت السلطات الأميركية تمارس صلاحياتها بعد صدور القرار وسط حالة من الفوضى والاضطراب. صحيح أن عملية النهب قد توقفت لكنها ظلت تشكل خنجراً في خاصرة المدينة وظلت تشكل جرحاً لن يندمل أبداً.
ورغم أن الأميركيين لم يكونوا مسؤولين بالكامل عن هذه الأعمال، إلا أن العراقيين رأوا أن الأميركيين سمحوا بتفاقم أعمال النهب والسلب ورأى البعض أن الأحوال السيئة التي تتعرض لها بلادهم هي نتيجة لنوايا خبيثة أو تجاهل أميركي لما تتعرض له بلادهم في أعقاب سقوط النظام وحدوث فراغ في السلطة.
وعلى أي حال، فإن العديد من البغداديين شعروا بالحنق تجاه المحتلين وقد تعمقت هذه الشكوك لتحدث بعد ذلك انقساماً بين الجانبين تفاقم يوماً بعد يوم، وازداد عمقاً بصدور قرار الأمم المتحدة في 22 مايو.
وإذا كان لفظ «احتلال» يعني بالنسبة للعديد من الأميركيين، وحتى الأوروبيين، الأوضاع التي ترتبت عليها الأمور بعد الحرب العالمية الثانية والرؤية الأميركية للتعاون بهدف رسم أسس مصير مشترك واحد مع أوروبا الغربية، فإن هذا اللفظ يعني بالنسبة للعراقيين.
ومعظم العرب، احتلالاً على النمط الإسرائيلي في الشرق الأوسط. ويستدعي البعض من الذاكرة لبنان والاحتلال الإسرائيلي الذي استمر من عام 1978 حتى مايو 2000 عندما رحل آخر جندي إسرائيلي من خلال بوابة فاطمة على الحدود الإسرائيلية اللبنانية.
كما أن اللفظ يثير في الأذهان أهم قضية بالمنطقة وهي القضية الفلسطينية. وإذا كان اسم «فيتنام» يوحي للأميركيين بحرب استمرت على مدى عقد من الزمن في جنوب شرق آسيا، ويجعلهم يستعيدون صوراً لجنود أميركيين يختبئون وسط مزارع الأرز.
وقنابل النابالم وهي تسقط فوق الغابات الاستوائية، فإن كلمة «احتلال» توحي للعراقيين بسنوات من المقاومة الفلسطينية للاحتلال الإسرائيلي في الضفة الغربية وقطاع غزة.
وتظل صور هذا الاحتلال عالقة في الأذهان ... البلدوزرات تهدم بيوت الفلسطينيين وطائرات الهليكوبتر من طراز أباتشي الأميركية تحوم فوق قرى الضفة الغربية ودبابات ميركافا تقتحم مخيمات اللاجئين. كل هذه الصور جسدت في الذهن العربي طبيعة كلمة «الاحتلال».
وعندما صدر هذا القرار، تمت الإجابة عن سؤال ردده الكثير من العراقيين قبل وأثناء الحرب، وهو هل ستدخل أميركا بلادهم كقوة احتلال أم كقوة تحرير؟
لقد أصبحت بالفعل قوة احتلال حتى باعتراف الأميركيين أنفسهم. وفي ظل ذلك الاعتراف أصبح من المستحيل أن تكون هناك طموحات لمصير مشترك أو وعود بالتعاون أو تعهدات بأهداف مشتركة.
ومع بدء تدهور الأوضاع بصورة أكبر، كانت كلمات طرف تصل إلى آذان لا تسمع لدى الطرف الآخر، الأمر الذي أدى إلى عدم وضوح المعاني واختلاط الأمور وتشوشها. كما كل طرف يسمع ما يريد أن يسمعه ويتصرف على نحو ما فهم وليس على نحو ما أراد أن يقوله الطرف الآخر.
رفض الاحتلال
التقى المؤلف بالعديد من العراقيين بعد صدور قرار الاحتلال. وكان من بينهم محمد إبراهيم كان يقف أمام منزله أثناء مرور عربات عسكرية أميركية. وصف إبراهيم التواجد الأميركي بأنه «مقزز» وقال «إننا ضد الاحتلال، ونرفض الاحتلال، ليس مئة في المئة ولكن ألف في المئة. إنهم يسيرون فوق قلبي. أشعر وكأنهم يحطمون قلبي».
لم يكن هذا الشعور هو الوحيد الذي استمع إليه المؤلف في ذلك اليوم، رغم أن بعض السكان رحبوا بالقوات الأميركية فقط على أمل أن توفر لهم قدراً من الأمن بعد أسابيع من أعمال النهب. كان هناك شعور بالراحة بعد إزاحة صدام رغم المتاعب اليومية الكبيرة التي يواجهها العراقيون.
ولكن بعد مرور أسبوع على صدور قرار الأمم المتحدة، أعرب الكثير من العراقيين عن غضبهم واستيائهم أثناء مرور الأميركيين. وكان العداء عميقاً بصورة خاصة بين المسلمين السنة الذين أبدوا شكوكاً عميقة تجاه نوايا الغزو. وعلى طول الشوارع التي كان يقوم بها الجنود الأميركيون بدوريات، أعرب الكثير من السكان عن شكوكهم إزاء مصير النفط العراقي ووصفوا هذه الدوريات بأنها انتهاك لحياتهم الخاصة.
يقول المؤلف إن الأميركيين لم يدركوا طبيعة مخاوف المسلمين السنة تجاه الأوضاع الجديدة، وإحساسهم بأنهم يمكن أن يتعرضوا لانتقام الطوائف العراقية الأخرى وأن يفقدوا مكانتهم التي كانوا يتمتعون بها خلال حكم صدام.
وكان قبل ذلك بأسبوع قد قتل جندي أميركي بينما أصيب ثلاثة آخرون عندما مرت عربة همفري التي يستقلونها فوق لغم على طريق المطار. كان هذا الهجوم بمثابة إشارة مبكرة على ما سيحدث بقدوم ذلك الصيف.
حيث تزايدت حدة المقاومة التي قام بها ائتلاف من قوى متعددة (الموالون لصدام والقوميون والإسلاميون وأجانب يرغبون في الضلوع في قتال) توحدوا جميعاً من خلال اعتراضهم على الوجود الأميركي، وكانت المقاومة تتركز في بغداد ومنطقة وسط العراق التي تضم أغلبية سنية والتي تمتد شمالاً بطول نهر دجلة وغرباً بطول نهر الفرات.
وهي المنطقة التي يطلق عليها المثلث السني. وسيصبح اللغم الذي قتل الجندي في اليرموك وسيلة للمقاومة إلى جانب الأزمات الخاطفة على قوافل عسكرية وإطلاق نار على مركبات للتحالف، وتخريب محطات الكهرباء وخطوط أنابيب النفط، ومحطات الغاز الطبيعي، ومنشآت البترول.
ومع مرور الوقت أصبحت هذه العمليات أكثر دقة على مستوى التنسيق والتخطيط، كما أصبحت أكثر فتكاً بالأفراد وأكثر ضرراً بالمنشآت. وتحولت الغارات الخاطفة إلى كمائن لاصطياد الجنود، بينما تحولت الألغام إلى متفجرات يتم التحكم بها عن بعد.
كما تم استهداف طائرات الهليكوبتر بإطلاق الصواريخ عليها، وقد استفاد مستخدمو هذه الصواريخ من خبرة ضباط الجيش الذي تم حله، كما ازدادت عمليات تفجير السيارات. وفي المدن والقرى، بدأ المقاتلون عمليات اغتيال للسياسيين وكبار الموظفين وأفراد قوات الأمن، وأي شخص يبدو أنه يتعامل مع الاحتلال.
غزو هولاكو
وقال أحمد عبدالله وهو مسلم سني: «إننا لا نريد أن يحكمنا أي شخص ليس من بلدنا. وأقسم على انه سيقاتل الأميركيين» قائلاً «لقد قالوا انهم جاءوا لتحريرنا. تحريرنا ممن؟ ان لدينا عاداتنا وتقاليدنا وأعرافنا، إننا عرب، ونحن مختلفون عن الغرب، وإذا كانوا قد حررونا من النظام، فإننا مسؤولون عن تحرير أنفسنا».
وواصل أحمد عبدالله حديثه إلى المؤلف قائلاً: إن ما حدث يشبه إلى حد كبير الغزو الذي تعرض له العراق في عام 1258 على يد هولاكو حفيد جنكير خان. لقد ترك الأميركيون المكتبة الوطنية تشتعل فيها النيران وسمحوا بأعمال نهب متحف الاثار القومي.. ان بغداد أم الثقافة العربية، ويريدون محو ثقافتنا».
يقول المؤلف إن الكثير من العراقيين انتابتهم الشكوك تجاه الجنود الأميركيين، وكانوا يقولون إن طائرات الهليكوبتر كانت تتجسس على العراقيين وهم نائمون فوق أسطح منازلهم خلال أشهر الصيف الحارة، وأن جنازير الدبابات ومركبات برادلي القتالية كانت تحطم الأرصفة.
وأن الجنود يستخدمون ألفاظاً خارجة في نقاط التفتيش وإنهم كانوا يشهرون سلاحهم وهم يسيرون في الشوارع.
سألهم المؤلف عن المستقبل فقال أحدهم «المستقبل غامض وأهدافهم غير واضحة» فيما قال آخر «بالعكس إن أهدافهم واضحة. انهم يخلقون وضع الاحتلال».
علاقة مضطربة
يقول أنتوني شديد إنه خلال ربيع وصيف العام الأول للاحتلال الأميركي، كان هناك عدم ارتياح عام بين الجنود الأميركيين والعراقيين الذين يتعاونون معهم خاصة في أقسام الشرطة، وكان العراقيون يشعرون بأن الأميركيين يتعاملون معهم باستعلاء وتكبر ويتركونهم بدون تسليح كاف بعكس الجنود الأميركيين الذين كانت تجهيزاتهم متكاملة.
كان الانطباع سيئاً منذ البداية. ومهما كانت نواياها، فإن العراقيين رأوا أن الولايات المتحدة دولة غير مسلمة قامت بغزو أراض اسلامية. كما ارتبط اسم أميركا لدى العراقيين والعرب بتحالفها مع إسرائيل وسجلها في حرب الخليج 1991 وتأييدها للعقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة.
ومهما كان تعامل الجنود الأميركيين بشكل طيب مع الأطفال أو كبار السن، فإن نظرة العراقيين لهم تظل هي نظرة الشك والريبة تجاه نوايا هؤلاء الجنود، وتظل الفجوة قائمة لا تردمها آية تصرفات أو محاولات لإقامة نوع من التفاهم.
ومن الأمثلة التي تجسد صعوبة التعايش بين الجانبين انه في أوائل صيف 2003 اختارت الوكالة الأميركية للتنمية الدولية هيئة خيرية إسلامية في مدينة الصدر للقيام بتنظيم أحد أحياء المدينة ورصدت للمشروع 280 ألف دولار.
وبالإضافة إلى رواتب العمال الذين سيقومون بأعمال النظافة بالشوارع، قدم المشرفون على المشروع الذي استمر 16 يوماً أموالاً لسائقي 180 شاحنة قمامة و130 من عمال المجاري والمهندسين. ووفرت المساجد الثمانون في الحي، والتي يسيطر على معظمها رجال يدينون بالولاء لمقتدى الصدر، 16 ألفاً من العمال والمشرفين.
وقال الميجور أرثر فيدال من الجيش الأميركي خلال دردشة مع المؤلف، انني أؤمن بالفلسفة التي تقوم على أساس الخطوة خطوة أو الحبو ثم المشي ثم الجري، وهذا المشروع يمثل أولى الخطوات الأميركية لإشراك السكان المحليين وتحسين البيئة التي يعيشون فهيا. وهذا سيعزز علاقتنا مع الإمام الصدر، الذي سوف يحصل على ما يحتاجه بينما سنحصل نحن على ما نحتاجه.
يقول المؤلف انه عندما توجه في الصباح التالي لمتابعة المشروع وجد المشرفون يقفون في طابور داخل بهو الهيئة الخيرية للحصول على المال الذي سيقومون بتوزيعه على العمال.
كانت هناك لوحات معلقة على الجدران تصف المشروع بأنه يقوم على تعاون بين الهيئة ووكالة مساعدات دولية. والإشارة الوحيدة للولايات المتحدة كانت مكتوبة باللغة الإنجليزية. وفي مشاريع مجاورة كان هناك ملصق مكتوب عليه «نحن حماة الإسلام، وليس أميركا ولا صدام».
وقال أحد المشرفين ويدعى إبراهيم شلهوب الذي عينه أحد شيوخ الأحياء ان الأميركيين لم يفعلوا الشيء الكثير لإعادة الكهرباء والمياه والأمن. إننا ما زلنا لا نعرف نوايا الأميركيين، وقد نعرفها في المستقبل.
ولكن على أي حال فإنني لا أثق فيهم».
بينما قال مشرف آخر يدعى إبراهيم دراج وهو يقف بجوار أكياس الدنانير العراقية» إنني أشكر الشيخ وليس الأميركيين. إنها أموال عراقية. لدينا النفط وهذه الأموال من إيراداته».
وفي مسجد محمد باقر تم تعليق قوائم للمصلين لينضموا إلى المشروع على أساس من يبادر بتسجيل اسمه. وأقسم الشيخ طارق عبيد على عدم وجود أي تعاون مع المسؤولين الأميركيين وأصر على أن هذه الأموال جاءت من الحوزة. وقال ان مكتب مقتدى الصدر هو الذي طلب منه المشاركة في المشروع الذي يمثل أحد مشاريع الإمام لتقديم الخدمات للناس.
ثم أضاف إننا نرفض الوجود الأميركي رفضاً باتاً، إننا لم نوجه الدعوة للقوات الأميركية. لقد جاءوا للإطاحة بصدام، وصدام اضطهدنا ونحن سعداء لأنه قد ذهب، لكننا لسنا سعداء ببقاء الأميركيين.
صورة لبوش
كان على النقيض من موقف الشيخ عبيد موقف الشيخ كاظم الذي كان يصور نفسه على انه رجل أميركا في الحي، وكان يذكر السكان بالمساعدة التي قدمها الأميركيون للعراق ويقول لهم ان الأميركيين جاءوا ليحررونا وليس ليحتلونا.
وقال كاظم للمؤلف انه عندما كان في السجن قال لزملائه «اذا ما نجح بوش في التخلص من صدام فسوف يرسم صورة له ويعلقها على جدار منزله».
وعندما سأله الكاتب هل فعل ذلك، أجاب بأنه لن يعلقها حتى يتأكد ان الأميركيين جاءوا قوة تحرير وليس قوة احتلال.
يقول المؤلف انه بحلول منتصف صيف 2003 تزايد استياء العراقيين من الوجود الأميركي في بلادهم، وقد التقى المؤلف انتوني شديد بأحد أصحاب المكتبات في شارع أبو نواس بالعاصمة ويدعى محمد حياوي الذي قال «إنني اتحدى أي شخص يشرح لي ما حدث، وما الذي يحدث الآن ويقول لي ما الذي سيحدث في المستقبل».
كان حياوي محبطاً ومتشائماً خاصة مع عدم وفاء الأميركيين بوعودهم ومع استمرار أعمال الفوضى في الشوارع، رغم ان حدتها قد قلت عن أسابيع مضت.
وقال «إن الأوضاع الآن أسوأ مما كانت عليه قبل الحرب». إن أهم شيء هو الثقة، واذا أراد الأميركيون النجاح، عليهم ان يكسبوا ثقة الشعب.. لم يحدث أي تقدم حتى الآن ونريد ان نرى شيئاً ملموساً».
كان العراقيون يكررون باستمرار كلمة رفاهية التي اعتقدوا ان الأميركيين وعدوهم بها بعد سقوط صدام. ويتساءلون اذا كانت الطائرات تقلع وتهبط في مطار بغداد كل يوم، فهل من الصعب على الأميركيين ان يجلبوا مولدات لتحسين الكهرباء هنا؟
هل من الصعب على الأميركيين عمل ذلك في الوقت الذي أدخلوا فيه ثلاثة آلاف دبابة وثلاثة آلاف قطعة مدفعية في يومين؟ انهم يهتمون بالدبابات والطائرات والإمدادات لكنهم لا يهتمون بالمولدات؟
ويتذكر محمد حيادي حرب الخليج في 1991 ويقول إن القصف أدى إلى تدمير المرافق والخدمات الأساسية في العراق.
وقد نجح صدام في إعادة المرافق للبلاد في 18 يوماً. كم مضى على وجود الأميركيين هنا؟ إنها قوة عظمى ولم تتمكن من تحسين الأوضاع حتى الاستقرار غير متوفر».
يقول المؤلف انه أدرك مما قاله حياوي ان هناك شيئاً أكثر عمقاً من الإحباط والغيظ في مضمون الكلمات. هناك كبرياء تحكم وإحساس بالإهانة.
وقال حياوي: «إن كل ما سمعناه هو أن الأميركيين جاءوا ليساعدوا العراق. لقد قالوا قبل الحرب إنهم يريدون مساعدة الشعب العراقي. يريدون تخلصينا من ديكتاتور كبير. إنهم لم يأتوا كقوة احتلال. ونحن لن نقبلهم كقوة احتلال. إن «احتلال» كلمة ضخمة ولا ينبغي على الأميركيين استخدام هذه الكلمة».
وروى حياوي للمؤلف واقعة تعرض لها على نقطة تفتيش أميركية عند مدينة الرمادي غرب العراق عندما كان في طريقه إلى سوريا للحصول على كتب جديدة. سأله الضابط الأميركي من خلال مترجم، ماذا تفعل هنا؟
فرد عليه قائلاً: «ما الذي تفعله أنت هنا. ما الذي تفعله أنت في العراق ينبغي عليّ أن أطرح هذا السؤال وليس أنت. إنك تقف فوق أرضي، أرض العراق». وعندما أبلغ المترجم ما قاله حياوي ضحك الضابط وسمح له بمواصلة طريقه.
المثلث السني
يقول مؤلفنا أنتوني شديد إن المسلمين السنة في الريف العراقي يشعرون بعداء تجاه الأميركيين وتجاه الوجود العسكري الأميركي. وهذا العداء له خلفياته فقد ظل السنة يحكمون العراق منذ قرون وكانوا يتمتعون بامتيازات عديدة عن غيرهم من الطوائف الأخرى.
ولذلك لا توجد طائفة شعرت بوطأة الاحتلال مثل السنة ويمكن سماع كلمة «إهانة» بين الأحاديث التي تجري على ألسنة القرويين في حقول وبيوت المثلث السني. وقال أحدهم ويدعى رحيم حامد محمود للمؤلف «أعتقد أن المستقبل سيكون قاتماً للغاية.. إن كل يوم يأتي أسوأ من اليوم الذي سبقه».
وخلال صيف 2003، قامت القوات الأميركية بعملية ضخمة في المثلث السني للرد على الكمائن والغارات المتزايدة على الجنود الأميركيين، وقد راح العديد من المدنيين بالمنطقة ضحايا للنيران الأميركية التي لم تميز بين المتمردين والمدنيين العزل.
وقال بعض السكان ان الجنود اقتحموا منزلاً يقيم فيه شاب متخلف عقلياً، ونتيجة لسوء التفاهم بين الجانبين أخذ الجنود يضربون الشاب بكعوب بنادقهم والشاب يصرخ من الألم دون ان يتمكن من التعبير عن نفسه.
كما قتل الجنود صبياً في الخامسة عشرة من عمره ويقول أهله «إنهم مازالوا لا يعرفون سبب قيام الجنود بقتله خاصة انه كان يحاول الاختباء منهم وهو لا يحمل أي سلاح».
وقد اقتحمت القوات الأميركية أكثر من عشرة منازل في البلدة ثم فرضت حظر التجول وصادرت بعض قطع السلاح، كما قامت باعتقال نحو 400 شخص من أهالي القرية ولم تفرج سوى عن 50 منهم بعد بضعة أيام. ورغم الإفراج عنهم وتلقيهم لاعتذارات من الجيش عند إطلاق سراحهم، فقد تحدث العديد من هؤلاء عن عمليات عقاب جماعي.
وقال أحد السكان ويدعى إبراهيم علي حسن انهم قاموا بهذه العملية لأننا سنة ولأن صدام سني. وبعد هذه العملية أصبحنا نعتقد ان مئة صدام أفضل من الأميركيين».
وقال مزارع آخر يدعى حسين حمود محمد،«إننا لسنا مجرمين، اذا لم يأتوا في سلام فسوف نهاجمهم بأيدينا، سوف نأكلهم». ورغم عدم إخفاء البلدة تعاطفها مع حزب البعث ومع حكومة صدام، إلا ان العديد من أهلها أصر على عدم مهاجمة الأميركيين انطلاقاً من بساتين النخيل بامتداد الطريق السريع الذي يسير بمحاذاة البلدة.
يقول المؤلف ان صدام حرص طوال فترة حكمه على الوقوف الى جانب المسلمين السنة الفقراء في الريف وفي البلدات الصغيرة على طول نهر دجلة وذلك على حساب السنة الأكثر ثراء وقوة في بغداد.
وقد شهدت هذه البلدات فترات من الرفاهية وانتعشت التجارة. وذكر بعض السكان ان نحو 90% من أهالي هذه المدن ينتمون لحزب البعث وأن العديدين منهم أفراد بالقوات المسلحة وموظفين بالحكومة أو بجهاز المخابرات.
وقال أحد المزارعين للمؤلف «سأقول لك الحقيقة، إنني أحب صدام رغم كل ما ارتكبه من أخطاء لقد حقق صدام لنا الاستقرار، ولا يمكن لزعيم غير صدام ان يحكم دولة متعددة الطوائف مثل العراق».