قبل عام فقط، كانت الأمور تجري على خير ما يرام بالنسبة لتركيا حتى أن أنصارها المقربين بالكاد تمكنوا من تصديق ما رأوه بأم أعينهم. فالوعد بنيل عضوية الاتحاد الأوروبي أدى إلى ازدهار الاستثمار. وحزب له جذور إسلامية يبرهن على أن الدين الإسلامي والديمقراطية الليبرالية متوافقان.
إن احتمال الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي دفع إلى إدخال الإصلاحات، بنتائج ايجابية بالنسبة للحرية المدنية وحرية التعبير عن الرأي. وعلى الرغم من وجود شكوك إزاء الأتراك في أجزاء من أوروبا، إلا أنه ثمة أسس تدعو إلى الأمل بأن تركيا قد تصبح أكثر قبولا لدى الاتحاد الأوروبي، حتى في الوقت الذي يتزايد فيه إعجاب الأتراك بالاتحاد الأوروبي.
وفوق كل ذلك، يبدو أن الأرواح الشريرة التي أنزلت بتركيا البلاء قد طردت. إحداها هي التضخم المالي الذي تم كبحه. والأخرى هي افتراض بأنه لا يستطيع سوى جيش حذر - يمسك بخيوط القوة بهدوء ولكنه مستعد للقيام بذلك بشكل صريح - الحفاظ على سلامة جمهورية علمانية. لذا فإنه كان من الجيد رؤية الساسة الورعين والجنرالات الجمهوريين يتعايشون معاً.
من المحزن أن بعض علامات التهلل بشأن مسيرة تركيا في الانضمام إلى أوروبا قد تلاشت الآن. أحد المفوضين الأوروبيين يتخوف من احتمالية حدوث خلل في القاطرة في علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي بحيث تكون قبرص العقبة التي من المتوقع أن تكون الأكثر تأثيراً في المسيرة.
لم يعد حزب العدالة والتنمية الحاكم يمثل الإعلان الجيد للدين الإسلامي المعتدل. فبسماحه لظاهرة الرشوة بالتفشي وتعيين الأقارب في وظائف مرموقة، أثار الشكوك حول رغبته في تركيز السلطة بيد عصبة واحدة. والمثير للقلق أيضاً - لأولئك الذين أعجبهم حذر الحزب- هو النزعة الجديدة نحو سياسة خارجية إسلامية أكثر انفتاحاً.
وفي غضون ذلك، جرت عودة الإرهاب الكردي ردة فعل قوية. والإصلاحات التي ساعدت تركيا على كسب موعدها مع أوروبا قد تم عكسها. فبعد مرور أشهر فقط على إتاحة المجال لإلقاء الخطابات أو نشرات الأخبار باللغة الكردية من دون خوف من التعرض للمساءلة القانونية، قد تكون تركيا في طريقها إلى الأيام الخوالي السيئة عندما كان الناس يزجون في السجون، أو يحدث لهم ما هو أسوأ، بسبب اللغة التي يتكلمونها أو الأفكار التي يعبرون عنها، وإن كان ذلك بصورة سلمية.
لقد أجبرت الحرب على الإرهاب، من دون شك، الكثير من الدول الغربية على التضحية ببعض الحريات باسم الأمن. ولكن مكافحة الإرهاب في تركيا استخدمت في أغلب الأحيان ذريعة لقمع الممثلين المسالمين لأي قضية أو ثقافة يروج لها قلة من المتطرفين عبر العنف: ما يعادل، في المفاهيم الأوروبية الغربية، سجن أي شخص يؤيد توحيد ايرلندا أو استقلال الباسك حتى لو تجنب العنف.
ربما كان تفاؤل العام الماضي مفرطاً فيما يتعلق بتركيا، ولكن الطاقة الايجابية المتولدة بفعل تنامي الآمال التركية بالانضمام إلى أوروبا لم يتم استنفادها بالكامل.
مع ذلك ، فإن هذه الآمال يمكن تحقيقها إذا تصرف كل من له مصلحة بمستقبل أوروبي لتركيا بصورة مسؤولة أن حزب العدالة والتنمية - على وجه الخصوص- لديه خيار: فهو يمكنه الانزلاق إلى الوراء وربما مغازلة التيار الإسلامي بصراحة أكبر، أو يمكنه اللعب بالورقة الأوروبية بقوة أكبر، من خلال المضي قدماً بالإصلاحات والمطالبة بأن يظهر الشركاء الأوروبيون نية حسنة مماثلة.
ولكي ينجح الخيار الثاني، يتعين على قادة الاتحاد الأوروبي أن يبدوا استعدادا أكبر لمكافأة تركيا عندما تقدم على مجازفات سياسية.وبدلا من ذلك، فإن الكثيرين يوضحون بأنهم في الحقيقة لا يرغبون على الإطلاق بانضمام تركيا.
مصدر القلق الخاص هو قبرص فالقبارصة الأتراك قاموا بمخاطرة عندما وافقوا في 2004 على خطة الأمم المتحدة لإعادة توحيد قبرص. فقد أغاظهم أن يروا القبارصة اليونانيين - الذين رفضوا الخطة- يهنأون بثمار عضوية الاتحاد الأوروبي بينما بقي القبارصة الأتراك معزولين.
بالإضافة إلى إلحاحهم الشديد بأن تنهي تركيا حظرها على السفن والطائرات القبرصية اليونانية، ينبغي على حكومات الاتحاد الأوروبي البحث عن سبل من شأنها طمأنة الأتراك وإنهاء عزلة القبارصة الأتراك.
يتخوف الأتراك من أن الكثيرين في الاتحاد الأوروبي سيبتهجون إذا ما زلت قدم تركيا في طريقها إلى أوروبا. وهذه المخاوف تدفعهم إلى النظر في اتجاهات أخرى. ومع ذلك،فإن خطر فقدان تركيا، باعتبارها المثال الرئيسي لديمقراطية إسلامية ليبرالية ذات توجه غربي يمكنها أن تنجح، هو خطر عظيم. ويتعين على قادة أوروبا فعل كل ما في وسعهم لإرجاع تركيا إلى الطريق الصحيح.
ترجمة: كوثر علي
عن «إيكونوميست»