حذر الرئيس الباكستاني الجنرال برويز مشرف، الذي يواجه تأججا متصاعدا في مشاعر العداء ضد الأميركيين من أن الهجمات السرية التي تقوم بها الولايات المتحدة الأميركية ضد تنظيم القاعدة داخل باكستان تمثل انتهاكا للسيادة الوطنية لبلده. وفي الوقت الذي اعترف فيه الرئيس الباكستاني بأن شعبيته في تدن، أصر مشرف على أنه « ليس الكلب المدلل» لجورج بوش، ورفض اتهامات بأنه يحكم دولة عسكرية دكتاتورية.

وفي مقابله له مع صحيفة «غارديان» البريطانية أخيرا، وتحديدا بعد أسابيع من زيارة شابها التوتر، قام بها الرئيس الأميركي لباكستان تسببت في موجة عارمة من الانتقادات للقيادة الباكستانية، أصر الجنرال مشرف على أن قراره بيده. وأضاف أنه يملك المخالب للرد عند الضرورة. وقال: «نعم سيدي. كثير من الأنياب. في بعض الأحوال لا يكون من الضروري إظهار الأنياب. البراغماتية مطلوبة في العلاقات الدولية».

وتعهد مشرف بأن بلاده ستشهد انتخابات حرة وعادلة العام المقبل كما طلب الرئيس بوش أثناء زيارته لإسلام آباد الشهر الماضي. وتخشى أحزاب المعارضة من تزوير الانتخابات التي ادعى مسؤولون حكوميون أنها ستكون أكثر الانتخابات نزاهة وحرية منذ صعود الجنرال مشرف إلى سدة الحكم.

وقال مشرف في هذا الشأن: «من قبيل المفارقة أن أجلس بالزي العسكري وأتحدث عن الديمقراطية ولكن من أجل أن تُطبق الديمقراطية في باكستان أتصور أنني بحاجة إلى هذا الزي».

في يناير الماضي، قامت طائرة أميركية من دون طيار من طراز بريداتور بإطلاق صواريخ على منزل في منطقة باجور القبلية الباكستانية وقتلت 18 شخصا ولكنها أخطأت هدفها الذي كان يتمثل في قتل الرجل الثاني في تنظيم القاعدة أيمن الظواهري. وقد فجّر الهجوم الذي وقع بالقرب من الحدود الأفغانية حالة عارمة من الغضب الشعبي، وتسبب في تجدد الاتهامات بأن الجنرال مشرف ليس إلا دُمية في أيدي الأميركيين.

وحدث أن اختفت الصحافية حياة الله خان، التي قامت بتصوير شظايا الصواريخ التي توضح أن الهجمات قامت بها طائرات أميركية- اختفت بعد أربعة أيام من الواقعة ولا تزال مفقودة إلى يومنا هذا. وقال دبلوماسي غربي إنه حُجز من قبل الاستخبارات الباكستانية وتمت معاملته بشكل سيء.

وقد برهن الهجوم على حالة التوتر الموجودة في حلف مكافحة الإرهاب بين باكستان وأميركا، وهو التوتر الذي فاقمه الاتفاق النووي الذي أبرمته أميركا مع الهند وإصرار أميركا على قيام باكستان بإصلاحات ديمقراطية والتدخل الأميركي المزعوم في منطقة بلوشستان الممتدة على الحدود الجنوبية الغربية. وفي هذا الصدد قال مشرف: «الهجوم مثّل انتهاكا للسيادة الوطنية الباكستانية وأنا أدينه».

كما تواجه باكستان انتقادات من جانب أميركا وأفغانستان بسبب عدم قيامها بما يكفي لطرد المتشددين من مناطقها القبلية. وقال بوش إنه جاء إلى باكستان «كي يقرر ما إذا كان الرئيس الباكستاني ملتزما، كما كان في الماضي، بإحالة الإرهابيين إلى العدالة أم لا».

وأصرّ الرئيس الباكستاني على أنه لا مجال لإخضاع باكستان إلى الاختبار من جانب أميركا، وقال إن الإدعاءات الخاصة بأن حكومته تصرفت بناءً على المطالب الأميركية هي محض هراء. وأوضح في هذا الصدد: « ليست هناك أي حاجة إلى أي نوع من التحقق. تلك هي الحقيقة».

واعترف الجنرال مشرف الذي يواجه سلسلة من أعمال التمرد في إقليم بلوشستان وعلى امتداد الحدود الأفغانية، بأنه يشعر بأنه في حالة حرب. وأضاف في هذا الصدد أن هناك مشكلة متنامية متمثلة في أن هناك محاولات لـ «طلبنة» منطقة وزيرستان، وهي منطقة قبلية متوترة قُتل فيها عدد كبير، يقدر بمئات عديدة، من المشتبه في انتمائهم لحركة طالبان.

وقال إن المعركة ضد طالبان تقريبا قد حُسمت في وزيرستان. وأضاف في هذا الشأن: «بسبب نجاحاتنا في المدن التي اعتقلنا فيها ما يقرب من 600 إلى 700 عنصر من طالبان، وبسبب ما فعلناه في الجبال التي قمنا فيها باحتلال الأماكن التي يتخذونها مأوى لهم، اضطرت تلك العناصر إلى الفرار، وهم الآن بلا مأوى».

ودافع مشرف عن أسلوبه الذي يقوم على استخدام القوة العسكرية بدلا من التفاوض لقمع العنف، وقال إنه يتحتم حدوث قدر من الدمار الشامل عندما تتم مهاجمة مخابئ المسلحين.

وأضاف في هذا الشأن: «نحن نتحرى أقصى درجات الدقة في التأكد من الأهداف التي نضربها وذلك عن طريق مصادرنا الاستخبارية...هناك حد أدنى من الدمار الشامل يقع.

فإذا حدث وأن كان هناك شخص ما قريب جدا من الهدف الذي يتم ضربه فإنه يتضرر. نعم يحدث أحيانا أن يُقتل نساء وأطفال عندما يكونوا شديدي القرب من المكان المستهدف.

الأمر هنا لا يعني أن الضربة لم تكن دقيقة ولكن يحدث أن يتصادف وجود هؤلاء في مكان الاستهداف وبالتالي فإنهم يكونوا جميعا من مناصري أو مساعدي الإرهاب وبالتالي يتعين عليهم تحمل العواقب. إنه سوء حظ بالنسبة لهم».

وقلل مشرف من أهمية القلاقل الموجودة في إقليم بلوشستان الغني بالموارد الطبيعية، حيث يقوم المسلحون والمتمردون بتدمير أنابيب الغاز وخطوط السكك الحديدية ويهاجمون معسكرات الجيش. ونعت مشرف المتمردين بـ «المرتزقة» ووصف الهجمات التي يقومون بها بـ « التافهة»، وقال إن القلاقل منحصرة في مساحة لا تزيد على واحد على عشرين من مساحة الإقليم.

وتساءل في هذا الشأن: «إذاً أي تمرد تتحدث عنه؟ الناس تتحدث عن موقف حدث في شرق باكستان»، مشيرا في هذا الشأن إلى انفصال بنغلاديش في 1971. وأضاف: « أنا أفهم الإستراتيجية هناك. هؤلاء الناس من الغجر».

وقال مشرف إن النقد الموجه إليه يأتي على لسان من وصفهم بـ «أناس يجلسون في غرف الرسم ويتحاكون»، ولكنه أضاف إنه يجري البحث أيضا عن حل سياسي.

وقد نجا الجنرال مشرف من محاولتي اغتيال، غير أن الانتخابات المقرر لها العام المقبل يُتوقع لها أن تشكل أكبر تهديد لقبضته على السلطة. كما أصبحت الضغوط الأميركية والبريطانية التي تُمارس في العلن والخفاء من أجل أن تكون هناك انتخابات حرة في باكستان- أصبحت تلك الضغوط تمثل نقطة خلافية أخرى في علاقة الغرب بإسلام آباد.

ويعيش زعيما الحزبين المعارضين الرئيسيين في باكستان، بناظير بوتو ونواز شريف، في المنفى حاليا وفي انتظارهما أمر بالاعتقال في حال عودتهما إلى البلاد. واجتمعا الاثنان في لندن أخيرا وأطلقا تحالفا سياسيا جديدا ودعيا إلى المساندة الغربية لتحالفهما.

وقال مشرف إن مهمته تتمثل في إدخال الديمقراطية إلى باكستان. وأوضح في هذا الشأن: « لقد تدنت شعبيتي.. ولكنّ بلدي بحاجة إليّ في اللحظة الحالية. لقد وضعت أسس نظام ديمقراطي دستوري قوي في البلاد. إنني أؤمن بشدة بالديمقراطية».

ترجمة: حاتم حسين

عن: «غارديان»