من حق الشعوب أن تدافع عن نفسها وتقاوم إذا ما تعرضت لغزو قوة احتلال غاشمة تنتهك الحرمات من دون أي اعتبار لعادات وتقاليد البلد الواقع تحت الاحتلال، هذا هو ما يعتقده معظم العراقيين الذين تحدث إليهم مؤلف الكتاب وعرض لمواقفهم في هذه الحلقة.
يشير المؤلف كذلك إلى العلاقة غير المتوازنة بين الجنود الأميركيين ونظرائهم العراقيين، حيث تشوب تلك العلاقة مشاعر عدم الثقة والاحترام، فالأميركيون ينظرون إلى الجنود العراقيين على أنهم أشخاص غير قادرين على تحمل المسؤولية .
ولهم ارتباطات بعناصر المقاومة المحلية، بينما يعتبر العراقيون الجنود الأميركيين قوة احتلال أجنبية ينبغي مقاومتها. أما قوات الشرطة العراقية، فكانت هي الأكثر استهدافاً من قبل رجال المقاومة لاتهامها بالتعاون مع الاحتلال.
يقول المؤلف إن الأميركيين واجهوا تحديات هائلة في عملية إعادة تشكيل جيش عراقي من الصفر وسط تمرد شديد الدموية.
وتعاني القوات الأميركية في العراق من ظروف غاية في الصعوبة وسط مخاطر كبيرة. فعلى سبيل المثال تفككت إحد الفصائل الأميركية بعد مقتل قائدها في انفجار سيارة مفخخة.
وقد هددت هذه الفصيلة بالانسحاب الجماعي في ظل الظروف الصعبة التي تواجهها وتهديدات المتمردين، بالإضافة إلى الحاجز الثقافي الهائل بينهم وبين العراقيين الذين يتم تدريبهم على أيدي أميركيين. وقد شكا العراقيون بمرارة من أن مدربيهم الأميركيين لا يحترمونهم.
والحقيقية هي أن الكثير من الجنود الأميركيين لا يكنون احتراماً لنظرائهم العراقيين، فهم يضعون علامات استفهام كبيرة على مدى شجاعتهم وانضباطهم وإخلاصهم، وهم يتساءلون إن كانوا حقاً قادرين على القتال بمفردهم، ويقول الأميركيون انهم يعتقدون أن العراقيين لن يكونوا قادرين على خوض عمليات عسكرية في المستقبل القريب.
لكن العراقيين لهم رأي آخر، كما يقول مؤلفنا الذي يحرص على امتداد صفحات كتابه ان ينقل مختلف الآراء والأفكار مهما كانت متضاربة أو متعارضة.
فالجنود العراقيون يشكون من نقص في العتاد والتجهيزات بعكس نظرائهم الأميركيين. والأهم من ذلك يرى بعض الجنود العراقيين أن المهام المطلوبة منهم من الصعب عليهم تنفيذها، ويقول أحدهم ويدعى عمار المانع لانريد أن نتحمل مسؤولية نحن لا نريدها. فالوضع القائم حالياً يجعلنا غير مستعدين لتسلم المسؤولية حتى بعد ألف عام.
وكشف أنتوني شديد عن فروق كبيرة بين الأميركيين والعراقيين قد لا تكون قابلة للتجاوز على مختلف الأصعدة، ابتداء من تقاعس الجنود المسلحين عن تفتيش المساجد والمنازل، إلى الأمور الأولية المتعلقة بنمط المعيشة. فعلى سبيل المثال استورد الأميركيون مرافق صحية متنقلة على الطراز الغربي، الأمر الذي أثار استياء العراقيين.
كما يتنقل الجنود الأميركيون بين مواقع الخطر وهم على متن عربات مصفحة بالكامل من نوع همفي، بينما يتنقل العراقيون فوق عربات عادية الأمر الذي كان يؤدي إلى زيادة القتلى في صفوف العراقيين في حال انفجار قنابل على جانب الطريق الذي تسير فيه العربات العسكرية. وبالإضافة إلى ذلك فإن الجندي الأميركي لا يتحرك إلا مستخدماً دروعاً وسترات واقية بخلاف الجندي العراقي.
جنود من الدرجة الثانية
ويرى الكاتب أن الأميركيين يعاملون الجنود العراقيين على أنهم جنود من الدرجة الثانية، كما يتم تحريكهم من مكان إلى آخر دون علمهم بسبب عدم الثقة بهم.
وينقل الكاتب عن جندي أميركي يدعى تشارلز بولارد قوله «أنا لا أثق في العراقيين، لا أحد منهم على الإطلاق، ولا أريد أن أقيم صداقات معهم، أريد فقط أن أعود إلى بيتي ووطني وأنا هنا لتنفيذ الأوامر فقط».
يقول المؤلف إنه من الفروق الأخرى بين الأميركيين والعراقيين ذلك التباعد التام بين الثقافتين العراقية والأميركية وعدم دراية القوات الأميركية بالثقافة العراقية. ويسرد أنتوني شديد الكثير من الروايات عن اقتحام جنود أميركيين لبيوت في القرى العراقية وتفتيشها في غياب رجل البيت.
وقال بعض العراقيين إن الجنود كانوا يقتحمون المنازل دون أن يطرقوا أبوابها وكانوا يتحدثون مباشرة إلى الزوجات والبنات وحتى باللغة الانجليزية وليس العربية. ولم يترك الأميركيون غرفة إلا وفتشوها حتى غرف النوم. وقال مدرس عراقي «هذا انتهاك لكرامتنا، ليس لهم الحق في دخول منازلنا وتفتيشها».
وقال عراقي آخر يدعى عبدالناصر راشد إن خمسة جنود دخلوا منزله في الصباح عندما لم يكن موجوداً. لكن ابنه البالغ من العمر عشرين عاماً كان بالمنزل.
عندما طرقوا الباب طلب منهم الانتظار، لكنهم لم ينتظروا ودخل ثلاثة جنود مع رجلي شرطة كانا يتقدمانهم في أنحاء المنزل ككلاب الشرطة ... وظل الجنود في المنزل لمدة عشر دقائق. وكانت ابنته الصغيرة تيسير تبكي وتصرخ لكن الجنود لم يجدوا شيئاً.
ويقول الكاتب لقد اعتاد معظم العراقيين في القرى على إخفاء ما لديهم من سلاح في المزارع وليس في البيوت. وقال راشد: «إن بإمكاننا إخفاء قطع مدفعية في الحقول دون أن يتمكن أحد من معرفة مكانها».
وقال عراقي آخر يدعى خيري عبدالكريم: «إن العراقيين يفضلون أن يحكمهم عراقي منهم وليس أجنبياً». عندما خرج المؤلف توقف عند القاعدة الأميركية القريبة من القرية فوجد الجنود في حالة نفسية سيئة وبعد أن كانوا يتحدثون عن الاستقبال الطيب الذي كانوا يلقونه من العراقيين أصبحوا يتحدثون عن الحجارة التي تلقى عليهم.
وقالوا لهم إنهم حاولوا ألا يكونوا عدائيين وحرصوا على التحدث إلى الرجال فقط وتجنبوا اقتحام المنازل بشكل مفاجئ. وقال الكابتن أندرو واتسون: «إننا نحاول تطبيق القاعدة الذهبية وعدم اقتحام المنازل بالقوة، نحاول أن نولي اهتماماً للاختلافات الثقافية لكننا نريد في الوقت نفسه حماية جنودنا وأن يعودوا إلى وطنهم سالمين».
وفي 24 يوليو 2003 قدم الكولونيل جاي شيلدز، الذي عمل لفترة كمتحدث عسكري أميركي في العراقي، تقييماً للمعارضة المسلحة في العراق التي بدأت تظهر في أماكن عديدة.
وقال «إن ما نشهده هو رد فعل يائس أخير تقوم به قلة من الناس ليس لهم مستقبل في هذا البلد». كانت هذه كلمات متفائلة مثل غيرها من العبارات التي يرددها القادة الأميركيون مثل «لقد بدأ فجر جديد ينبلج في العراق» وأن العراق في طريقه للحرية والديمقراطية.
الإسلام هو الحل
وفي صيف 2003 كانت هناك تلميحات إلى ضرورة اللجوء إلى حكم الدين بالمناطق السنية رداً على التوجهات القوية التي ظهرت في المناطق الشيعية خاصة تلك التي يسيطر عليها رجال مقتدى الصدر. ففي خضم الفوضى التي أعقبت الحرب، قدم الإسلام حلاً ومعنى للكثيرين.
ففي الأزمنة التي يشوبها القلق والتوتر يقدم الدين عادة اليقين الذي يسعى إليه الناس، فهو يملأ فراغاً في أعقاب سقوط نظام أو فكر كان يسيطر على أذهان الناس.
ويقول أنطوني شديد إنه شعر بانتشار ذلك الاتجاه بقوة في الفلوجة، وهي مدينة محافظة وتقليدية لم يكن قد سمع بها قبل الحرب لكنه زارها مرات عديدة بعد الغزو.
وبعد ذلك بعام أصبحت الفلوجة مركزاً للمقاومة (الإرهاب بالمفهوم الأميركي). وتقع الفلوجة على نهر الفرات ويمر بجوارها طريق سريع يتجه نحو الحدود الأردنية. ويقطن المدينة نحو 250 ألف شخص. ويقول مؤلفنا إن أحاديث أهالي هذه المدينة كانت غاضبة ورافضة للأوضاع القائمة.
ويقول أحد الأهالي ويدعى عدنان محمد: «إنني أشعر بغضب شديد تجاه ما نتعرض له هنا»، بينما قال آخر يدعى خالد عبدالله: «لقد أصبحنا مثل الفلسطينيين»، فيما قال ثالث يدعى شهاب محمدي: «يجب أن يخرج الأميركيون من مدينتنا. إنها مدينة مسلمة ونحن دولة إسلامية».
وقد شهدت الفلوجة مظاهرات مبكرة جداً احتجاجاً على الوجود الأميركي. ففي يوم 28 ابريل بعد أسابيع فقط من سقوط حكومة صدام حسين وبينما كانت معظم المدن العراقية مشغولة بما سيحدث في المستقبل بعد انتهاء الحرب، انفجرت الاحتجاجات في الفلوجة على الوجود الأميركي.
وأطلق جنود من الفرقة الثانية والثمانين المحمولة جواً النار على مظاهرة غاضبة في حي سكني أمام مدرسة القائد» مما أدى إلى مقتل 15 شخصاً. ووصف الأميركيون الحادث بأنه دفاع عن النفس متذرعين بأنهم تعرضوا لنيران معادية من المتظاهرين.
وبعد ذلك بيومين قتلت القوات الأميركية شخصين آخرين، وقد خالفت منظمة «هيومان رايتس ووتش» لحقوق الانسان التي تتخذ من نيويورك مقراً لها، رواية الجيش الأميركي. وقالت في تقرير صدر في يونيو ان القوات الأميركية قد استخدمت القوة المفرطة في التعامل مع المظاهرات.
ولم يوجد أي دليل على الاطلاق على اطلاق اعيرة نارية على المدرسة التي كان يتمركز فيها الجنود الأميركيون. وعلى العكس فقد ظهرت علامات على سبع بنايات مواجهة للمدرسة تؤكد اطلاق اكثر من مئة طلقة نارية.
وقالت المنظمة ان ما توصلت إليه لا يتوافق مع التأكيدات الأميركية بأن الجنود يردون على التهديدات باطلاق نيران على أهداف محددة بدقة.
يقول أحمد محمد وهو صاحب مكتبة اسلامية في الفلوجة ان «المدينة تسير وفقاً للعادات القبلية والتقاليد المحافظة المستمدة من الدين وانه ينبغي على الغريب فيها أن يكون حريصا في تصرفاته».
وعندما سأله المؤلف إذا ما كان البعثيون هم الذين يقومون بغارات على الجنود الأميركيين سخر أحمد من هذا القول ورد «انهم نائمون يخفون رؤوسهم تحت الوسائد، انهم خائفون ولا يخرجون من منازلهم. إنهم لم يؤمنوا بالحزب وكانوا مجرد أعضاء فيه للحصول على مرتبات سخية. انهم غير مؤمنين بالله.
ولو كان كذلك لما تم تسليم بغداد للأميركيين في غضون ساعة واحدة». وفي خطبة الجمعة في أحد مساجد الفلوجة قال الشيخ شلش احمد: «إن كل فرد فينا يرفض الوجود الأميركي. لماذا؟ لأننا مدينة مسلمة ـ ليست الفلوجة فقط.
ولكن كل العراق. انهم كفار غير مؤمنين ونحن مسلمون.. إننا لا نقبل الإهانة ولن نقبل الاستعمار». وفي مسجد آخر طالب الخطيب عبدالحكيم سبتي برحيل الأميركيين وهدد قائلاً: «إذا ما استمر الوضع على ما هو عليه، فسوف نعلن الجهاد، هذا ما أمرنا به الله».
وقال سعد حلبوسي وهو مدرس سابق ويدير محلاً للتصوير بالمدينة «إن العراقيين يعتبرون هذه الفترة بمثابة هدنة، وسوف ينفجرون في النهاية مثل البركان. لقد استبدلنا محتلاً بطاغية».
يقول انتوني شديد ان الكثير من العراقيين ينظرون إلى الأميركيين على انهم كفار وان اولئك الذين تعاونوا مع المحتلين قد باعوا أرواحهم، وقد ارتدوا عن دينهم وهو أمر يعتبرونه من أكبر الكبائر.
وواجهت الشرطة العراقية مأزقاً حقيقياً. فقد ظهر أفراد الشرطة كأداة لتعزيز وضع الاحتلال وحلفاء للأميركيين. فقد سعى الجيش الأميركي إلى عدم القيام بدور رجل الشرطة في العراق الجديد خوفاً من التورط في التزامات لا تنتهي.
وقد أوضح ذلك العديد من كبار القادة العسكريين بعد أيام فقط من سقوط صدام. ولكن كان عليهم ايجاد البديل ليحل محل قوات الأمن السابقة التي تم حلها.
ورأى الأميركيون انه من الضروري تجنيد وتدريب ما يزيد على 270 ألفا من أفراد الأمن في إطار عملية إعادة بناء العراق أو بمعنى آخر تشكيل جيش جديد أو حرس وطني يعرف باسم جهاز الدفاع المدني العراقي يقوم بحراسة المنشآت المهمة مثل خطوط أنابيب النفط ومحطات الطاقة والأهم من كل ذلك مباني الشرطة.
لكن المهمة التي بدأت في ذلك الصيف اثبتت انها مهمة غاية في الصعوبة مما أصاب الأميركيين بالاحباط وجعلتهم يواجهون تحديات غير متوقعة.
فقد ضم المجندون بين صفوفهم المجرمين والذين تعاطفوا بعد ذلك مع الذين يقاتلون القوات الأميركية. وانخفضت المعنويات كثيراً خاصة وأن العراقيين كانوا يفتقرون إلى التدريب الجيد وكانت تجهيزاتهم ضعيفة للغاية بالمقارنة مع القوات الأميركية. والكثير منهم لم يحبذ فكرة أن ينفذوا أوامر الأميركيين الأعلى منهم مرتبة.
وقد شهدت مدن عديدة خاصة في المثلث السني مشاعر معادية لرجال الشرطة الذين اعتبروهم متعاونين مع قوات الاحتلال. وكانت مدينة الخالدية إلى الغرب من نهر الفرات أول مكان تنطلق منه حرب عصابات حقيقية.
وجاءت في أعقابها مدن أخرى مثل الرمادي والفلوجة وسامراء. وكانت الشرطة العراقية ضحية لهذه الحرب بعد ان اعتبرتها قوى المقاومة من المتعاونين مع الاحتلال، كما كان المبلغون أو المرشدون الذين ينقلون معلومات إلى الأميركيين عن المقاومين هدفاً لعمليات المقاومة.
واحدى الروايات التي يوردها شديد في كتابه في هذا الصدد قصة رجل يدعى صباح في قرية صويلحة اتهم بالتخابر لصالح الولايات المتحدة، انحى أهل القرية باللائمة عليه لتسببه في قتل صبي ورجلين على يد القوات الأميركية أثناء عملية مداهمة قامت بها. وأصبحت قضية صباح أمراً يتعلق بالقصاص. فقد أوضح أقارب القتيل لأهله «إما أن يقتصوا من صباح، وإما ان يتركوا أهل القرية يقتلون بقية عائلته.
وقام والد صباح وأخوه باستدراجه الى حديقة البيت الخلفية وأطلقا النار عليه. بعد ذلك قال الأب بأسى كبير للمؤلف «حتى النبي إبراهيم عليه السلام، لم يبادر بقتل ولده» ثم أضاف «لم يكن لدي أي خيار آخر».
مواجهات شرسة
يقول المؤلف انه في إحدى المرات تعرضت عربتان أميركيتان مصفحتان وعربة همفي لهجوم بالقنابل تم شنه من أحد البساتين بقرية الخالدية، ورغم ان القنابل لم تصب الهدف إلا ان الأميركيين قاموا بتعزيزات وراحوا يفتشون عن المهاجمين وزرعوا المتفجرات في العديد من المحلات حيث اعتقدوا ان المتمردين يختبئون بداخلها.
ثم قامت القوات الأميركية بإجلاء عمدة المدينة ورئيس الشرطة اللذين تعرضا لهجوم الأهالي، كما انسحبت القوات نحو الشرق إلى قاعدتها بالقرب من الفلوجة. بعدها خرج أهالي القرية رافعين الأعلام العراقية وراحوا يهتفون «الإسلام يوحدنا، نعم للحرية، نعم للديمقراطية، لا للاحتلال، لا للهيمنة».
وألقى المتظاهرون الحجارة على سيارة رئيس الشرطة وأحرقوها بينما ألقى آخرون قنابل على مكتب العمدة قبل ان ينهبوه. وقال أحد الأهالي للمؤلف «إن الأهالي لا يحتاجون إلى أثاث المكتب ويشعرون بالأسى على هذا المبنى الذي تم تدميره، فهو مكتب عراقي، لكننا نشعر بالسعادة لأننا تخلصنا من الأميركيين، إنهم لا يريدون كل هذا الأثاث، ولكن اذا ما تركوه فربما يعود الأميركيون مرة أخرى.
بعد هذا الحادث لم تخاطر القوات الأميركية باقتحام القرية سوى للمرور من الطريق الذي يربط الفلوجة بالرمادي ودائماً ما تكون مجهزة بمعدات لرصد الألغام الأرضية.
وكان العمدة الجديد خضير مخلف الذي حل مكان رئيس الشرطة السابق يلتقي بنظرائه الأميركيين في القاعدة الموجودة خارج البلدة، كما كان يتم تدريب رجال الشرطة العراقيين هناك بدلاً من ان يأتي الجنود الأميركيون إليهم.
وفي حديث مع المؤلف قال الملازم أحمد خلف حامد من قوات الشرطة انني أقف من أعماق قلبي مع أهلي ضد الاحتلال، هذه بلدي وأنا أشجعهم.
كان من الصعب على المؤلف ان يسمع هذه الكلمات، فقد كان الأمر ضابطاً يقود قوة مدربة ومجهزة وممولة من قبل السلطات الأميركية. لكن المؤلف أدرك المحنة التي يواجهها رجال الشرطة العراقية مثل حامد الممزقين بين القيام بمهام حفظ النظام وبين الانتماء لبني جلدتهم.
لقد نبذه أهل القرية ونبذوا رفاقه واتهمومهم بخدمة قوات الاحتلال ووصموهم بالجاسوسية والتآمر لصالح الأميركيين. وهي اتهامات كانت تقال همساً قبل أسابيع، لكنها أصبحت الآن تقال على الملأ وبصوت عالٍ.
لم يكن هذا هو شعور حامد فقط بل إن الكثير من الضباط العراقيين يشاركون الرأي، اذ يقول ضابط يدعى ضياء الدين رجوب «هذه بلدنا، وهذا احتلال، ونحن لا نقبل ذلك»، بينما قال الضابط خليل دهام «إن الجميع غاضب من وجود الأميركيين هنا، اننا نتوقع في كل لحظة ان نتعرض لإطلاق نار علينا من الأهالي الغاضبين انها حالة من الفوضى العارمة».
يقول مؤلفنا ان هناك في العراق احساساً دائماً بالحصار. ففي بغداد يتمركز الأميركيون في منطقة تبلغ مساحتها أربعة أميال ونصف الميل المربع في القصر الجمهوري وتخضع لإجراءات أمنية وحراسة مشددة.
وهي المنطقة التي أصبحت تعرف باسم المنطقة الخضراء «أما المنطقة الحمراء فتشمل بقية العراق وهي المنطقة التي لا يجرؤ مسؤولو سلطة الاحتلال على زيارتها نظراً للتهديدات الحقيقية التي يتعرضون لها».
التقاليد القبلية
وفي الوقت نفسه يشعر العراقيون خاصة في المناطق السنية المحافظة التي تحكمها التقاليد القبلية، بأنهم محاصرون هم أيضاً مثل الأميركيين. وتتردد على ألسنة العديد من التساؤلات: من طلب منهم تحريرنا؟ وكيف يجرأون على السير في شوارعنا كما لو انها شوارعهم؟ وبأي حق يملون علينا مستقبلنا؟
ويواجه رجال الشرطة بشكل خاص حصاراً من نوع خاص. وشكوى رجال الشرطة لا تنتهي. ورغم انه توفرت لهم البزات الرسمية إلا انهم يفتقرون إلى أجهزة اللاسلكي والاتصالات. وقال بعضهم ان قوة مكونة من مئة رجل شرطة تتوفر لها ثلاث سيارات ودراجة نارية فقط.
ويقول معظم العراقيين انه يتعين على رجال الشرطة ان يقاتلوا بجانب رجال المقاومة ضد الأميركيين. وقال حلاق يدعى حكيم طالب «اذا كان رجال الشرطة يعملون مع الأميركيين، فإننا نعتبرهم أعداء، بينما رد أحد الزبائن بمحله قائلاً: وسوف نهاجمهم كما نهاجم الأميركيين».
أما الأميركيون فيرون انه على رجال الشرطة اعتقال المقاتلين العراقيين أو على الأقل إبلاغ القوات الأميركية عن انشطتهم كخطوة أولى باتجاه الاضطلاع بالسيطرة الكاملة على مهام الأمن.
وبالنسبة لرجال الشرطة فإنهم يرون انهم «كبش فداء بين الجانبين، ويقول رجوب «كيف نرضي القبائل ونرضي في الوقت نفسه الأميركيين؟ اننا نجلس هنا بين نارين.
وقال شرطي آخر يدعى صالح «ان الناس يقولون عنا اننا نبيع بلدنا مقابل الدولارات، حتى عائلاتنا تعتبرنا متعاونين مع الأميركيين».
ويقول المؤلف ان قانون البندقية أصبح هو السائد في العراق. ففي أحد الأيام صادر رجال الشرطة سيارتي بيك أب غير مرخصتين. ولم تمر سوى لحظات حتى وأحاطت بالقسم ثلاث سيارات بداخلها عدد من الأشخاص يحملون البنادق الآلية والقنابل ويطالبون باستعادة العربتين.
وعندما يلقي رجال الشرطة القبض على شخص يحمل سلاحاً ويبدو أنه مجرم أو لص يزعم عند اعتقاله انه من المجاهدين الذين يقاتلون الأميركيين وإنه من الأفضل لهم أن يتركوه وشأنه!
وروى رجال الشرطة للمؤلف العديد من المواقف التي تعرضت فيها سيارات الدورية لكمائن وعمليات إطلاق نار أدت إلى مقتل العديد من زملائهم.
ويقول الكاتب إن معظم رجال الشرطة الذين التقى بهم في قسم قرية خالدية قتلوا في عدد من الهجمات التي قام بها المتمردون ورجال حرب العصابات أو المقاومة، ليصبح رجال الشرطة ضحية رئيسية للاحتلال الأميركي للعراق.