اللغة العربية وحدها هي كل ما تبقى لفتيات غير عربيات لا يملكن من المقدرات سوى إرادة التعلم، فلا ظروفهن المادية تساعدهن ولا أحوالهن القانونية تعيقهن، حتى بقين أسيرات الإصرار الذي أوقفهن عند باب مركز قرطبة للتعليم المسائي، فكانت النهاية مشروع محو أمية اللغة العربية لغير الناطقين بها، الذي يمثل عملا مميزا حيث يقدم خدمة مجانية لمتعثرات لم يستطعن إكمال المسير.

ذلك المشروع بدأ قبل ثلاثة أعوام نتيجة وجود حالات كثيرة من فتيات يظهرن رغبة قوية في التعلم والتغلب على ظروف أجبرتهن على غير ما اشتهين، فتمخض الواقع عن فكرة مشروع ديني وخيري وتعليمي وإنساني كما أسمته فاطمة آل مالك مديرة مركز قرطبة لتعليم الكبار للفتيات، وهذا المشروع يحفظ لبعض المحرومات جزءاً من حقهن في التعليم.

إنجاز يحسب للقائمين على أمر المركز، فبالرغم من إمكانياته المتواضعة جداً كما تقول مديرته، فقد أكملت ومعها بعض المعلمات ذلك المشروع بعيداً عن الدعم المادي سواء كان من الوزارة أو من المنطقة التعليمية، وفي ظل معاناة كبيرة تحملها المركز في سبيل توصيل أقصى ما يمكن من المعرفة والمعلومات لطالبات علم لا يعرفن من العربية شيئاً، فكان التواصل معهن من أكبر المعوقات.

* حاجة إلى الدعم

وتقول آل مالك : في هذه الأوقات تواصل 65 فتاة من جنسيات مختلفة لا يتمكن التحدث بالعربية الدراسة وبإمكانيات محدودة، حيث يجلسن معاً في قاعة لا تزيد مساحتها على العشرين متراً مربعاً بمركز قرطبة لتعليم الكبار، وهناك يتعلمن العربية والتربية الإسلامية من معلمتين تطوعتا ببذل جهود جبارة مقابل راتب متواضع يحكمه نظام المكافأة.

* ظروف لا تسمح

وتوضح فاطمة آل مالك أن المشروع حصل على موافقة المنطقة التعليمية، وأما الدارسات فيه فمن تتمكن من القراءة والكتابة تعود إلى بيتها، وذلك يحصل للعديد منهن،ومن لم يسعفها عام في تعلم اللغة العربية التي أرادتها، تبقى في المركز لعام إضافي، حيث يتم بداية كل سنة دراسية قبول عدد من المتقدمات والراغبات الحصول على لغة عربية تمكنهن من التواصل مع المجتمع الذي يعشن فيه.

وتشير إلى أن الوضع القانوني والمادي للدارسات لا يسمح لهن الدراسة في مدارس الحكومة أو الخاصة، فبعضهن ذهب إلى مدرسة خاصة ولم يكمل نظراً للحالة المادية الضيقة.

وتلفت إلى أن إحدى الفتيات من أصل بريطاني جاءت إلى المركز طالبة وزميلتها الهندية التي تعمل معها في إحدى الشركات الخاصة تعلم اللغة العربية، ولكونهما وصلتا بعد مضي شهر على بدء السنة الدراسية تعذر قبولهما وكان الرد بأن عليهما الانتظار حتى العام الدراسي المقبل حتى تبدأ مع الفتيات الأخريات من نقطة الصفر.

* امتنان كبير

الدارسات في المشروع وعلى بساطة اللغة التي يتحدثن بها أبدين سروراً وامتناناً كبيرينً لما وصلن إليه من معرفة في لغة يرينها مهمة جداً في تعاملهن مع بقية شرائح المجتمع، وتقول فريبة أحمد الأحمدي إيرانية الجنسية وتبلغ من العمر اثنتين وعشرين سنة انها تدرس اللغة العربية لأهميتها، فهي جاءت إلى المركز قبل عامين، حيث لا تعرف من العربية شيئاً، ولكن تشجيع عائلتها لها، واحتياجها لهذه اللغة في تفاهمها مع صديقاتها العربيات دفعاها إلى المجيء بنفسها للمركز وطلب تعلم العربية.

أما طيبة محمد عيسى وعمرها سبعة عشر عاماً من باكستان فأبدت سعادة كبيرة لوجودها في هذا البلد، حيث وصلت إلى هذا المركز بعد تشجيع وتحفيز والديها لها على تعلم العربية، فقد درست قبل ذلك في مدرسة إنجليزية خاصة ولم تتمكن من الاستمرار بفعل الظروف المادية الصعبة، أما اليوم فقد أنقذها هذا المركز الخيري لأنها أصبحت تعرف جزءاً كبيراً من اللغة العربية الجميلة برأيها.

وتقول الفتاة الباكستانية فاطمة علي عبد الله وعمرها ثمانية عشر عاماً أن تعلمها للغة العربية نابع من قناعتها أن الإمارات هي بلدها الأم ، فهي لا تملك حتى ثمن التذكرة التي يمكن أن تسير بها إلى باكستان لذلك فالإمارات هي بلدها الأول والأخير، وجميع عائلتها تعرف العربية باستثنائها وأمها.

* واقع ومستقبل

وتؤكد زميلتها أمينة قادر أن مستقبلها سيكون في هذا البلد، وبالرغم من أن ظروفها الصعبة حرمتها الوصول للثانوية العامة، إلا أنها تصر على الاستمرار في المعرفة، فوالدها هو من أحضرها إلى هذا المكان لتتعلم فيه العربية دون أن تتكلف مادياً، ودراستها تسير بكل متعة واهتمام.

مريم حسن ومريم محمد فتاتان قهرتهما الظروف المادية وعمق من مأساتهما موت والديهما، فعاشتا على المساعدات أكثر من أي شيء آخر، ولأنهما من اللواتي ولدن في هذا البلد رأيتا أن تعلم اللغة العربية على الأقل خطوة في اتجاه فقدتا القدرة على المواصلة فيه، ولسان حالهما يقول ان تعرف القليل خير من ألا تعرف.

* 65 في غرفة واحدة

بشرى جاوي معلمة اللغة العربية في المشروع تشتكي من ظروف صعبة تعيشها مع 65 دارسة في غرفة واحدة، حيث تقول ان القاعة لا يمكن أن تستوعب هذا العدد من الفتيات، إذ أن بعضهن يجلسن على الأرض، فالعدد كبير وصعب على المعلمة إيصال المعلومة بيسر، ورغم ذلك فالجميع عازم على تقديم ما عليه، المعلمات والفتيات الراغبات بتعلم اللغة العربية.

وتضيف أن أحوال الدارسات لا تسمح حتى بشراء كراسة للكتابة، ونحن نوفر لهن كل ما يساعدهن على التعلم، سواء كان دفاتر أو كتبا أو أقلاما، علاوة على تدريسهن لبعض أساسيات منهاج تعليم الكبار، أما الفتيات فيعشن اندماجاً كبيراً لأنهن جئن برغبة وحب ذاتي.

وعلاوة على ما سبق فإن المشروع ممثلاً بمديرته فاطمة آل مالك يقدم للفتيات فيه مساعدات بأشكال متنوعة، منها المواد الغذائية والقرطاسية والمبالغ النقدية متى توفرت من أصحاب الخير، فالإدارة تعاملهن وكأنهن طالبات نظاميات دون أي تفرقة.

* صعوبة تواصل

وعن مخاطبة المعلمة للفتيات قالت جاوي ان معظم حديثها معهن يكون باللغة العربية وأحياناً تتحدث إلى بعضهن بالإنجليزية، وبالرغم من أن الفتيات أتين من بيئات ثقافية متباينة، وأن أعمارهن كبيرة فإن صعوبة توصيل المعلومة تبدو أكبر، فجميعهن حرمن من التعليم، وهذا هو المكان الوحيد في الإمارات الذي يقدم خدمة إنسانية تساهم في تخطي الفتيات لعقبة الفقر والحرمان من التعليم.

*دعم ورعاية

مديرة مركز قرطبة أبدت رغبة كبيرة في أن ترعى جهة معينة مشروع محو الأمية لديها، حتى يبقى الأمل حياً عند فتيات شاءت الأقدار أن تحرمهن من حق عالمي في التعليم، وأضافت أن الدراسة الأولية بينت أن حاجة المشروع السنوية من المال تصل إلى خمسين ألف درهم، والمنطقة قدمت هذا العام أقل من هذا المبلغ، فالمشروع يحتاج إلى من يقف إلى جانبه ويقدم دعماً خيرياً متواصلاً، لأن هدفه إنساني ونبيل، وحال المتعلمات لا يحتمل غير الإرادة شيئاً

متابعة : عنان كتانة