وتُولي المنظمة الدولية أهمية خاصة ومتنامية لقضية الإعداد الجيد للمعلم عن طريق التدريبات المتخصصة التي من شأنها الارتقاء بمستواه في ظل التغيرات المتلاحقة التي تشهدها الساحة التعليمية على مستوى العالم بشكل عام وذلك انطلاقا من رغبة أصيلة لدى منظمة اليونسكو في رفع مستوى المعلمين في دول العالم الثالث والتي تعاني نقصا حادا في عدد المُدرسين بشكل عام وفي الكفاءات القادرة على الارتقاء بمستوى الطلبة بشكل خاص.
ووفقا لتقرير صدر عن المنظمة العالمية العام الماضي تُحدد فيه أولوياتها الخاصة بإعداد المدرسين، يتبين أن اليونسكو تعمل من خلال قسم تدريب المدرسين بها على تطوير عدد من الخطوط العريضة التي تمثل بدورها سياسات واستراتيجيات تهدف إلى مساعدة الدول الأعضاء بها على توظيف الوسائل التكنولوجيا المناسبة وتقنيات التعليم عن بعد في الأنشطة التي تتم داخل الفصل الدراسي أو في عمليات الارتقاء المهني بمستوى المدرسين الذين يمثلون الجزء الأكثر أهمية وحيوية في العملية التعليمية.
ويشير التقرير إلى أن التوصيات الصادرة عن المؤتمرات الدولية التي تتناول قضية التعليم بشكل عام وقضية الارتقاء بمستوى المدرسين بشكل خاص قد حددت بدورها الاتجاهات الخاصة بعملية تدريب العاملين في العملية التربوية.
ويجري من خلال تلك التوصيات التركيز بشكل متنام على الدور المتغير للقائمين على العملية التعليمية وتنظيم البرامج التدريبية والتكامل بين الأنظمة التدريبية في دول العالم بشكل عام والدول المعنية ببرامج تدريب المعلمين بشكل خاص فضلا عن الأثر الإيجابي لعملية التدريب ذاتها وما تحققه من نتائج إيجابية.
وتشير ورقة بحثية عربية في هذا الشأن إلى أن تدريب المدرسين أثناء الخدمة يعد أحد الأساليب التربوية الحديثة للنهوض بمستوى المدرس علميا ومهنيا، وزيادة كفاءته الإنتاجية. والهدف من التدريب في المجال التربوي هو تحقيق النمو الذاتي المستمر للقائمين على عملية التدريس، لرفع مستوى الأداء والارتقاء بما يحقق طموحهم واستقرارهم النفسي، والرضا عن عملهم وإخلاصهم في أداء رسالتهم.
ولتحقيق ذلك تُظهر النظم التعليمية في الوقت الحاضر اهتماماً ملحوظاً بتدريب المدرس، علاوة على اهتمامها بإعداده اعترافا بدوره في العملية التعليمية. ويُقصد بتدريب المدرس أثناء الخدمة تقديم الأنشطة والفعاليات التي تُمكًن المدرس من الحصول على مجموعة من الخبرات الثقافية والمهنية الجديدة، وكل ما من شأنه أن يرفع مستوى عملية التدريس، ويزيد من طاقاته الإنتاجية ولا بد قبل الشروع في هذا التدريب من وجود خطة مسبقة وأن تتم في إطار جماعي تعاوني وبموجب أهداف واضحة ومحددة.
ويتضمن تدريب المدرسين أنشطة تتدرج من الحصول على مهارة عملية محدودة، إلى تطوير المعرفة التقنية ومهارات التدريس، فضلاً عن تطوير الاتجاهات المتعلقة بالجوانب الاجتماعية نحو كثير من القضايا الاجتماعية لكون المدرس خاضعاً للتقاليد والأعراف السائدة.
وفي ضوء ما سبق يتبين أن هناك عددا من الأهداف المحددة لعمليات تدريب المدرسين مثل إيصال المعلومات والمعارف للمدرسين المتدربين وإكسابهم مهارات جديدة أو تطوير المهارات التي يمتلكونها وتغيير اتجاهات المدرسين المتدربين وتغيير سلوكهم لجعلهم أكثر انسجاماً مع الأهداف التربوية المأمولة من النظام التربوي المعمول به.
وإذا ما تحققت هذه الأهداف المتوقعة من التدريب، فإنه من الممكن ملاحظة النتائج الإيجابية من خلال ما يحصل عليه الطلاب من معارف أو مهارات أو سلوكيات تنعكس بصورة مباشرة في مستويات تحصيلهم ومستوى تعامل الطلاب الأخلاقي فيما بينهم. كما يمكن ملاحظة زيادة اتجاهات المدرسين الإيجابية نحو مهنة التدريس بشكل عام.
ولما كان التدريب في المجال التربوي يركز بالدرجة الأولى على المدرس بوصفه أحد القوى العاملة في المجتمع فان تأهيل المدرسين يعتبر من أهم المقومات التي يرتكز عليها المجتمع في تقدمه وتحقيق التنمية الشاملة في المجالات المختلفة.
كما أن التدريب أثناء الخدمة يعد مصدرا أساسيا من مصادر التنمية البشرية وعاملا رئيسيا من عوامل الإنتاج كما وكيفا إذا توافرت جميع مستلزماته التي تحقق الأهداف المنشودة. لذا كانت ولا تزال غاية فكرة التدريب أثناء الخدمة هي متابعة النمو المطرد للمعرفة ومواكبة التطور الحاصل في العلم لاسيما ونحن نرى ونسمع كل يوم عن تطورات وابتكارات جديدة.
إن تكرار المدرس لدروسه على منوال واحد قد يضعف مقدرته الفكرية ويعطل طاقاته الابتكارية، وإنْ لم يزود بين مدة وأخرى بأفكار جديدة في فن التدريس وأصوله ويرتاد أفاقا معرفية واسعة فسوف ينخفض مستواه العلمي دون أدنى شك. ومن ثم فإنه أصبح لزاما على المدرس أن يعيد النظر في ثقافته وتحصيله العلمي وبذل أقصى الجهد في متابعة ما يستجد من معلومات حديثة توسيعا لمعارفه وخبراته ومهاراته.
ويبدو واضحا من نتائج المؤتمرات والحلقات الدراسية العالمية التي تقوم بها منظمات مثل اليونسكو وغيرها أن ثمة حاجة إلى زيادة الاهتمام بإعداد المدرس وتدريبه في ضوء أن تنمية كفاءة المدرس أثناء الخدمة أهم بكثير من إعداده للعمل في فترة ما قبل الخدمة.
* تقنيات التدريس
إن التدريب أثناء الخدمة من أهم ما يحتاجه المدرس في الآونة الحالية وذلك لمواكبة ما ينتج من ابتكارات أجهزة حديثة ونظريات جديدة.
وقد حدثت تغيٌيرات كبيرة في طرائق التدريس بعدما كانت الوسائل التعليمية لا تتعدى بعض الأجهزة والملصقات والخرائط والسبورة التي يعتمد عليها المدرس في التدريس، إذ تشهد الآونة الحالية تقنيات متطورة تُستخدم في التدريس وتتطلب بدورها من المدرس الإلمام بها لاستخدامها في التدريس مثل الحاسوب على سبيل المثال لا الحصر.
إن تدريب المدرس هو في حد ذاته غاية لأن المدرس هو من يقوم بتأسيس البناء التعليمي في أي مجتمع. وثمة ضرورة ملحة أن يمتلك المدرس كل مقومات النجاح لهذه المهمة. وفي الوقت ذاته يعد تدريب المدرس وسيلة لمساعدته على التواصل مع ما هو جديد من خلال ما يتضمنه التدريب من فرص لا يمكن الحصول عليها دون أن نجعل المدرس في موقف تعليمي يتعرض له من خلال البرنامج التدريبي الذي يتواجد فيه والحصول على كل ما هو جديد.
من المُخجل أن يظل المدرس يكرر ما تعلمه منذ سنوات في الوقت الذي تغيرت فيه كثير من الرؤى والمفاهيم، ومن المخجل أن يكون لدى الطلاب معلومات ومعارف ومهارات أكثر من المدرس نتيجة لكون الطالب يتلقى المعرفة من مصادر أخرى متنوعة في الوقت الذي لا يزال المدرس أسيرا لأدواته البالية.
وفي عصر أصبحت فيه تكنولوجيا المعلومات جزءاً لا يتجزأ من المنظومة التعليمية، فإن التوسع في استخدام التكنولوجيا في الارتقاء من مستوى المدرسين غدا ضرورة ملحة تفرضها معطيات العصر وهو ما يتجلى بشكل واضح في مبادرة التعليم للجميع التي تتبناها منظمة اليونسكو.
إعداد: حاتم حسين

