بعد زحمة الامتحانات، وملء أوقات الأبناء بالمذاكرة، بعد الضغط الشديد مع نهاية السنة الدراسية.. وكل أفراد الأسرة في استنفار ليل نهار، تأتي العطلة الصيفية بكل ما يملؤها من فراغ، وما يكتنفها من برامج وخيارات لدى الأبناء.
فجأة يجد الآباء أنفسهم أمام كم هائل من الوقت يساوي ربع السنة، ومع هذه المفاجأة تبدأ الاختيارات إما العشوائية أو الروتينية لبرنامج الأسرة. فالذي اعتاد على السفر سنوياً بدأ بحزم أمتعته وحجر التذاكر للوجهة المعتادة سواء أكان هناك هدف من السفر أم لا. والذي اعتاد على قضاء صيفه في البلد ينتظر أو يبحث عن البرامج المطروحة في هذا الصيف لكي يرتاح من إزعاج الأبناء.. فهل هذا الأسلوب صحيح؟
إننا نتعامل مع الأمور بالطريقة التي ننظر اليها، فمفهوم الصيف يختلف من شخص لأخر، هو بالنسبة لبعض الآباء فترة الراحة من عناء متابعة دراسة الأبناء، وهو بالنسبة للبعض الآخر يمثل المشكلة المقبلة من الفراغ الذي يغزو حياة الأبناء، أما آخرون فيرونه موسم الهروب من الحر والاستمتاع بالأجواء اللطيفة،
ومع كل هذا يمثل للأبناء موسم العتق من ربقة الروتين اليومي ليحل برنامج جديد يغلب عليه الراحة واللهو واللعب. وليس كل أبنائنا يفكرون على هذا النحو ولكنها السمة الغالبة والتي لا نستطيع ان ننفيها نظراً لطبيعة السن التي يعيشونه ولنظام التعليم المزعج بالنسبة والمسيطر على حياتهم طوال أيام السنة.
ان المربي المتميز تختلف نظرته تماماً لهذه المواسم، فهو صاحب نظرة تربوية ايجابية، وعقلية تتحرى الأوقات التي تغرس فيها غرساً طيباً في شخصية الأبناء. هذه العقلية تنظر الى العطلة الصيفية على أنها فرصة تربوية كبيرة تحتاج الى جهد الوالدين والتربويين.. وقد يدور في ذهنك انك كنت تنتظر الإجازة الصيفية لكي ترتاح من العناء فهل من المعقول ان تصرفها أيضاً في تربية أبنائك؟ نعم.. بل سنصرف كل حياتنا لأجل سعادتهم ونجاحهم، ألسنا نشعر بالسعادة والغبطة حينما نراهم سعداء وناجحين؟ وذلك بسبب اننا لم نفوت فرصة ولم ندخر وسعاً في استغلال الأوقات لتربيتهم.
ان فترة الصيف فترة خصبة لتوطيد العلاقات مع الأبناء فأبناؤنا طوال السنة يتوجسون خوفاً من سؤالهم عن دراستهم ودرجاتهم وواجباتهم، إلا من اجتهد، هم يتهربون منا في وقت الاختبارات ولكنهم يترصدون لنا في وقت الاجازات لكي يذكروننا بوعودنا: «انت قلت انك ستشتري تلك الدراجة اذا نجحت، انت قلت اننا سنسافر اذا حصلنا على درجات عالية.. الى آخر تلك القائمة من الوعود التي نقطعها لهم لنحفزهم على الدراسة.
لقد اصبحوا يبحثون عنا بعد ان كنا نبحث عنهم وهم يلاحقوننا ويتصلون دائماً ودون انقطاع. أليس شعوراً جميلاً ان تشعر ان ابناءك يريدونك دائناً، نعم انهم يبحثون عما عندك وقد تقول انهم لا يبحثون عني ولكن عن رغباتهم، اترى لو وجدها عند شخص آخر تركوك وذهبوا اليه؟ بالطبع لا.. أنت الأم وأنت الأب.. أنتما من يجر الابناء للتواصل معهما دون حواجز. انني لا أبالغ حينما اقول ان فصل الصيف فصل تربوي رائع حقاً اذا احسنا فهمه والتعامل معه، ومع ذلك فإن الهواجس التي تقتحم قلوب الوالدين في هذه الفترة لم تأت اعتباطاً. ففي الحقيقة ان الصيف يشكل خطراً على الأبناء ولكن متى؟
حينما يشعر الآباء ان مسؤوليتهم تجاه برامج أبنائهم قد انتهت، ويفهم النجاح بمفهوم ضيق على انه النجاح الدراسي فقط، ويعتبر الوالدان ان العطلة هي ان يعطل الإنسان عقله عن التفكير ومن حقه ان يمارس ما يشاء، هنا تنشأ المشكلة، وقد يتعرض الأبناء للضياع جراء تلك النظرة القاصرة، ولذلك فنحن نرى ان جرائم الأحداث تكثر في فترة الصيف وخاصة مع نهاية الاجازة أي في شهر اغسطس وفقاً لمراكز الأحداث.
انني ادعو كل أب وأم ان يصنعا الدفء لصيفهم بدلاً من ان تلهبهم مشاكل الأبناء بحرارتها وذلك بأن يبدأوا بالتخطيط لصيف تربوي مميز، فيضعون الأهداف مع ابنائهم بالاجابة على: ماذا يريد كل شخص من أفراد الأسرة ان يستفيد في الصيف؟ كل يضع هدفه الخاص به، كتنمية موهبة معينة أو اكتساب مهارة أو غيرها، ثم يضع الوسائل المقترحة لتحقيق الهدف كالالتحاق بناد صيفي أو الانتساب الى دورة تدريبية أو العمل في مكان معين يحقق الهدف،
وبعد ذلك توضع الأهداف الخاصة بالأسرة بأكملها بحيث لا تتعارض والأهداف الفردية، وحبذا ان تكون من الأهداف التي تساعد الأبناء في جوانب حياتهم المختلفة كالاجتماعية والدينية والنفسية. اننا ان وضعنا أهدافاً مفيدة لأبنائنا في الصيف، وساعدناهم على انجازها نكون قد وفرنا على أنفسنا عناء المشاكل التي ترتفع حرارتها في الصيف، فنحن نعطي هذا الوقت اهمية كبرى بدلاً من ان نجعله وقت فراغ يحرقنا ويحرق أبناءنا. ولمشاركة الأبناء في وضع برنامجهم الصيفي دفء تربوي يذهب بحرارة الصيف