في إطار الهدف الاستراتيجي لمنظمة اليونسكو لتحسين جودة التعليم من خلال تنويع محتويات وأساليب التعلم، يهدف برنامج المنظمة للتعليم المهني والفني إلى تكريس قنوات الحوار والتفاعل بين الدول الأعضاء في المنظمة الدولية وإلى الارتقاء بمعدلات التدريب التي يحصل عليها المدرسون في مختلف دول العالم وتحسين المناهج وتطوير المواد التعليمية ووضع استراتيجيات المراقبة المهنية.

ومن أجل بلوغ ذلك الهدف، فإن برنامج التعليم المهني والفني الذي تتبناه اليونسكو يقوم على مساعدة الدول الأعضاء في اليونسكو على تطوير سياسات تعليمية تكاملية تربط بين التعليم والقطاعين الصناعي والزراعي. ويشير تقرير أصدرته منظمة اليونسكو إلى أن الاستراتيجية التي تتبناها المنظمة تجاه التعليم المهني تقوم على عنصريين رئيسيين. أما الأول فيتعلق بتنمية القدرات والمهارات وتطويع سياسات البرنامج كي تلبي احتياجات عدد أكبر من الذي يبحثون عن فرص عمل.

وفي إطار تحقيق هذا الهدف فإنه يجري صقل قدرات أصحاب اتخاذ القرار كي ينفذوا التوصيات التي تخرج بها منظمة اليونسكو بشأن تنمية الموارد البشرية. أما العنصر الثاني فهو ذلك الذي يركز على الأفعال والإجراءات التي تُتخذ بالفعل على الأرض والتي من شأنها تنفيذ السياسات التعليمية الإصلاحية.

ويؤكد التقرير أن الهدف الأساسي لمبادرات تعزيز التعليم الفني والمهني التي تطلقها بعض المنظمات والهيئات العالمية يتمثل في تسهيل الحصول على عمل بالنسبة للشباب تبعاً لما اكتسبوه من مهارات جديدة، ولتتمكن الدول المعنية بتلك المبادرات من الوقوف على المهارات والمؤهلات التي يحتاجها الاقتصاد وتمكين مؤسسات التعليم المهني من تلبية احتياجات البلاد والعباد.

ويشير إلى مفهوم التعليم المزدوج الذي يقوم عليه أساس التعليم المهني الألماني. ويطلق اسم التعليم «المزدوج» أو «التعاوني» على ذلك التعليم الذي يسير في خطين متوازيين، يتمثلان في المصنع والمدرسة التي تكون بدورها متخصصة في الإعداد للعمل بمهنة أو بمجال ما، حيث يحصل المتدربون على الجانب العملي من تعليمهم في أحد المصانع بينما يدرسون الجانب النظري في المدرسة المهنية.

ويعتبر نظام التعليم المزدوج أحد نجاحات الاقتصاد الألماني . ويوضح التقرير أن تطبيق هذا المفهوم في التعليم هو السبب الرئيسي وراء جودة المنتجات الألمانية ونجاح ألمانيا الاقتصادي. ويتم الآن العمل بهذا النظام في دول كثيرة على غرار ألمانيا.

ويشير التقرير إلى برنامج التعليم والتدريب المهني في أوروبا والذي يوضح أنه خلال الخمس عشرة سنة الأخيرة حدث تطور وتقدم هائل في مجال المعلومات والاتصالات، الأمر الذي تبعه حدوث تغييرات جذرية في كثير من الأشياء مما أثر ليس فقط على البُنى الاقتصادية والاجتماعية والسياسية للدول، وإنما أيضاً على أنظمة وبرامج التعليم العام جميعها والتدريب المرتبط بمجالات العمل. لقد أدت أنظمة الاتصالات الفورية عالية التقنية وحركة السلع والخدمات بين الدول والشعوب إلى توحيد سوق العمل.

ونشأ عن هذه التقنية شكل من أشكال التعاون البنّاء من جهة وقدر كبير من روح التنافس التي تفوق الخيال من جهة أخرى. فنجد حاليا، بحسب التقرير، أن أجزاء أو مكونات بعض المنتجات يتم تصنيعها في دول مختلفة وتجميعها في موقع واحد حيث العائد الاقتصادي المجزي مما ينجم عنه نظام دولي للتعاون في مختلف ضروب العمل.

وكلما تعددت خيارات المستهلك العالمي، أولى أرباب الصناعة اهتماماً أكبر بجودة المنتج والكفاية الإنتاجية حتى يُكتب لها البقاء والاستمرار. والملاحظ في الوقت الراهن، بحسب التقرير، أن محيط العمل قد تغير بسبب الطريقة التي يتصل ويتعامل بها الناس بين بعضهم بعضاً على نطاق العالم، مما أثر على كثير من الاقتصادات الوطنية.

وتغيرت معه الأساليب التقليدية المتبعة في إنتاج السلع والخدمات بشكل كبير وتحولت إلى أنظمة آلية تعمل ذاتياً. وبدلاً من التركيز في السابق على الإنتاج أصبح التركيز يتجه نحو تقديم الخدمات. لقد كان لهذه التطورات تأثير مباشر على القوى العاملة الوطنية مما يحتم على صانعي القرار التكيف مع هذه التغيرات التقنية المتسارعة.

لقد ازداد الاهتمام عالمياً، بتأثيرات التقدم التقني في مجال العمل؛ فالتغير أصبح سمة من سمات عصرنا وسوف يواصل هيمنته وتأثيره مستقبلاً. وهذا يعني أن العلاقة بين المعرفة والعلوم والتقنية بين الآلة وأسس الإنتاج سوف تتغير. فالمهارات التي اكتسبها العامل اليوم باعتبارها مهارات حديثة ستصبح عتيقة تماماً بعد سنوات قليلة.

فإذا أراد العامل أن يصبح كفئاً في حرفته أو يظل محافظاً على عمله، عليه عندئذ أن يطور نفسه لمواكبه المستجدات الحديثة. ومع ذلك، ليست خطوات التغيير المتسارعة هي التي تحدد المسائل الضرورية والشروط التي يلزم استيفاؤها لأجل إصلاح عملية التعليم والتدريب، بل أيضاً الأبعاد الأخرى المتفاوتة التي تؤثر في حياة الإنسان.

ويشير التقرير إلى أن التعقيد المطرد في أنواع الماكينات يقتضي من فني التشغيل أن ينشئ علاقة جديدة ليس فقط بالتكيف مع الماكينة من الناحية الذهنية، بل بانتهاج أسلوب يستطيع من خلاله تنظيم العمل وفق نظام تخصصي قائم على أسس هيكلية.

ويشير التقرير كذلك إلى أن منظمة اليونسكو حريصة دائماً على الارتقاء بالتعليم المهني والفني على امتداد العالم ودعت إلى عقد مؤتمر دولي حول التعليم الفني والتدريب يهدف إلى معالجة المسائل المطروحة. وقد عقد المؤتمر في برلين- ألمانيا حيث اتفقت الدول الأعضاء على وضع خطة عمل دولية للنهوض بالتعليم الفني والمهني وتطوير أسس التعاون الدولي في هذا المجال بحيث تضطلع بهذه المهمة وكالة جديدة أطلق عليها برنامج الأمم المتحدة للتعليم المهني «يونيفوك».

ومنذ ذلك الحين، طرح المشروع عدة برامج لتبادل الخبرات والآراء بين صناع القرار في الدول المعنية من جهة والأطراف الممولة لعملية التدريب وإتاحة فرص العمل على النطاقين الدولي والإقليمي.

يخلص التقرير إلى أن إصلاح العملية التعليمية من شأنه أن يُمكن مؤسسات التعليم المهني من توفير القوى العاملة المؤهلة ضمن أسواق العمل الدائمة التغير. ونتيجة للتطور التقني المستمر، لم يعد التعليم الابتدائي والتدريب في مختلف المهن يمثل غاية في حد ذاتها بل مجرد مرحلة تمهيدية لاقتحام العملية التعليمية متعددة المستويات.

ومن ثم فإنه لابد من الاستمرار في عملية التعليم والتدريب وأن يكون ذلك على نفقة الشركات ذات الورش والمختبرات المعدة بأحدث الأجهزة والمعدات. لقد كانت سياسات التعليم الفني والتدريب في السابق تهدف إلى تطوير كفاءات ومؤهلات الخريجين حتى يتمكنوا من الالتحاق بالوظائف وهم أكثر قدرة على الإنتاج.

ومع ذلك تشير التقارير إلى أنه في الحقبة الجديدة، سيتنقل الشخص من مهنة إلى أخرى حوالي 6 أو 7 مرات في المتوسط خلال حياته العملية. ولكي يصبح مواكباً للتقدم التقني ومنافساً للآخرين في مجالات العمل ينبغي أن يكون متابعاً وعلى اتصال دائم بحقول التعليم والتدريب. علاوة على ذلك، يجب أن يسعى بصفة مستمرة للبحث وتقصي المعلومات واستيعاب المعارف الجديدة والإمكانات الحديثة التي تندرج تحت دائرة تخصصه

إعداد: حاتم حسين