يقول مؤلفنا انتوني شديد انه في الوقت الذي تم فيه الاعداد بصورة جيدة للحرب على العراق «فإنه لم تكن هناك أبداً خطة أميركية حقيقية لعراق ما بعد صدام، ولم تكن هناك أبداً نظرة واقعية لما قد يحدث بعد السقوط.

ومن خلال لقاءات الكاتب العديدة مع مختلف أطياف الشعب العراقي لجمع معلوماته، ومن بينهم المثقفون العراقيون الذين كانوا يحنون إلى الأيام الذهبية الخوالي للعراق خلال السبعينات في القرن العشرين، ورجال الشرطة العراقية الذين كانوا يشعرون بالخوف والقلق.

وهم يجوبون شوارع مدن «المثلث السني» لأن أهالي هذا المثلث يعتبرونهم خونة ومتعاملين مع الأميركيين المحتلين، من كل هذه اللقاءات، يرسم المؤلف صورة رائعة لما يعتمل في نفوس العراقيين من مشاعر تتراوح بين اليأس والأمل، الحزن والفرح، الخوف والقلق.

وبالنسبة للكثيرين في الحكومة الأميركية، فإن اسقاط صدام كان هو هدف عملية حرية العراق. لم تكن هناك أبداً نظرة واقعية لما قد يحدث بعد السقوط. لقد تبدد الأمل في تغيير الأوضاع وأصبح أوهاماً قاتلة.

لقد وضع الأميركيون ثقتهم في المنفيين العراقيين، أمثال أحمد الجلبي، الذين كان لهم تأثيرهم الكبير على الكونغرس ووزارة الدفاع الأميركية. اعتقد الأميركيون من خلال هؤلاء المنفيين أن الحلوى والورود ستكون بانتظار القوات الأميركية.

وإنه برحيل صدام سيحتضن العراقيون المنتشون أولئك الذين حرروهم، وان الأميركيين سيتمكنون من خلال التعاون مع المنفيين من بناء عراق قائم على الديمقراطية والرفاهية في منطقة تفتقر لذلك. ويقول شديد إن هذه الرؤية لونت كل قرار اتخذته إدارة بوش.

وقد اعترف بول وولفويتز، نائب وزير الدفاع الأميركي بالحسابات الخاطئة للبنتاغون في عراق ما بعد صدام إذ قال في شهادة أمام احدى لجان الكونغرس «لقد كان من الصعب علينا أن نتخيل ان الأمر سيستلزم وجود عدد من القوات بعد سقوط صدام أكبر من عدد القوات التي خاضت الحرب».

وفي الواقع فإنه بعد أيام من سقوط صدام في ابريل، كان كبار القادة الأميركيين يدرسون خططاً لتخفيض عدد القوات الأميركية البالغ 140 ألف جندي إلى نحو خُمس هذا الرقم بحلول سبتمبر. وكان مساعدو بوش يأملون في تجنب ربط القوات الأميركية بمهمة إعادة بناء الدولة في الوقت الذي يواجهون فيه التزامات عسكرية يمكن أن تستمر لسنوات.

ولكن لم يكن هناك أحد يريد أن يدرك أن القوات الموجودة بالفعل في العراق ليست مهيأة للتعامل مع المستجدات الجديدة التي طرأت بعد سقوط صدام. فقد كانت القوات الأميركية معدة لقتال جيش صدام وليس للتعامل مع مجموعات من اللصوص والخارجين عن القانون ومثيري الفوضى والشغب.

الأمل المفقود

يقول المؤلف إنه حتى بعد شهور من سقوط صدام، كان لا يزال العديد من العراقيين يفتقدون الخدمات الأساسية مثل الكهرباء والماء، كما زادت الأسعار وارتفعت معدلات البطالة، وتحولت الحياة اليومية للعديد من الناس إلى حقول ألغام خطرة.

وكما يقول أحد العراقيين «لقد دام حكم صدام 35 عاماً، واستغرق زمن الاطاحة به على أيدي الولايات المتحدة أقل من ثلاثة اسابيع، فكيف يمكن أن يكون الأميركيون بهذا الضعف عقب السقوط؟».

لقد انتظر العراقيون مشروعاً على شاكلة مشروع مارشال الذي أعاد بناء أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية. ولكن لم يحدث شيء من هذا في العراق. فعلى مدى عام، انهمكت 16 مجموعة من المنفيين العراقيين، بتنسيق من مكتب شؤون الشرق الأدنى التابع لوزارة الخارجية الأميركية، في إعداد تقرير عن المشاكل الكامنة في العراق بعد الحرب.

تناول التقرير العديد من القضايا من بينها العدل والعفو وجرائم الحرب والتخطيط الاقتصادي والموازنة والتهديدات التي تتعرض لها الصحة العامة والمياه والزراعة والبيئة. لكن هذا التقرير الضخم، الذي اشتمل على آلاف الصفحات، لم يخرج أبداً عن إطار التقرير، ولم يجد طريقه لحيز التنفيذ.

وقبل شهرين من الغزو، حمّل بوش، وفقاً للمرسوم الرئاسي رقم 224 مسؤولية عراق ما بعد الحرب لوزارة الدفاع. وقام وزير الدفاع رامسفيلد ومساعدوه بشكل متسرع بتشكيل فريق من الجنود والمدنيين ضمن مكتب إعادة البناء والمساعدات الإنسانية. وكان الرجل الذي تم اختياره لقيادة عمليات ما بعد الحرب هو غاي غارنر الذي وضع خطة تقوم على سيناريو لأسوأ ما يمكن توقعه..

تدفق للاجئين عبر الحدود، مشردون في كل مكان، تغشي الأمراض والأوبئة، مجاعة. ولم يحدث بالطبع شيء من هذا، بل ما هو أقل من ذلك بكثير وهو انتشار عمليات النهب والفوضى والخروج عن القانون، وهي أمور لم يكن غارنر وفريقه مستعداً للتعامل معها!

والأمر الذي يدعو للسخرية أن غارنر نفسه لم يصل إلى العراق إلا بعد أسبوعين من سقوط صدام.

من غارنر إلى بريمر

وعندما تم استبعاد غارنر في مايو ليحل محله الحاكم المدني للعراق بول بريمر كانت عمليات النهب قد وصلت إلى درجة من التدمير تفوق ما جرى خلال الحرب، وبدا أنه من الأسهل تفكيك البنى التحتية ببغداد وليس إعادة بنائها. وعندما هبط بريمر في مطار بغداد، كانت العاصمة تحترق على حد تعبيره. وكان رجال الشرطة يخشون السير في الشوارع وكان الخروج عن القانون هو العرف السائد.

كانت عمليات النهب لافتة للأنظار، ولكن ظهرت معها موجة متعمدة من جرائم الشوارع منها سرقة السيارات والاختطاف والاغتصاب والقتل ارتكبها البعض للانتقام والأخذ بثأر قديم ولكن معظمها ارتكبها مجرمون أفرج عنهم صدام مع السجناء السياسيين في أكتوبر 2002.

وفي ظل هذه الفوضى والخروج عن القانون، فشل الأميركيون في إصلاح البنية التحتية المتهالكة والقديمة والتي عانت من العقوبات التي فرضت على العراق لأكثر من عشر سنوات.

وكانت محطات الكهرباء بالعاصمة لا تعمل لأسابيع، وكان الظلام يسود في مختلف أحياء العاصمة التي كانت تعاني أيضاً من الحر. ومع انقطاع الكهرباء اختفت مياه الشرب وتراجعت وسائل العناية الصحية ليتجسد فشل الأميركيين في الإعداد لعراق ما بعد الحرب.

يقول المؤلف إن الأوضاع المستجدة كانت هي محور مناقشات الجميع في بغداد. وراح كبار السن يتذكرون ما كانت عليه الحياة قبل حكم صدام ويستعيدون أجزاء من التاريخ العراقي التي تنطبق على الوضع الراهن.

مثل فترات الانقلابات العسكرية والتصفيات الدموية والثورات الزائفة في أعوام 1958 و1963 و1968 ثم في عام 1979 عندما قام نائب الرئيس العراقي في ذلك الوقت صدام حسين بتجريد رئيسه من كل مسؤولياته ووضعه رهن الإقامة الجبرية في منزله واستولى على كل السلطات.

وتوقع الكثيرون نمطاً مماثلاً لذلك بحيث يبدأ الأمر بحملة اعتقالات ثم تنفيذ حكم الإعدام وفرض حظر التجول وأخيراً تشكيل حكومة جديدة. ورأى آخرون ان أحداث الفوضى قد استمرت لفترة غير طبيعية خاصة وأن العراق اعتاد على أن يظهر حاكم بسرعة ويعيد الأمور إلى طبيعتها حتى لو كان بيد من حديد.

تجربة إنسانية

يرى الكاتب أن عائلة كريمة سلمان الفقيرة تجسد الوضع في العراق خلال السنوات الثلاث الماضية. وكريمة أرملة لديها ثمانية أطفال وهي شيعية وتقيم في منطقة الكرادة في شقة غاية في التواضع. كما تعكس حالة عائلة كريمة تجارب إنسانية متكررة في جميع أنحاء العراق.

تجارب تعكس المعاناة والحلم والتحدي. كما تمثل رؤية كريمة ـ وهي السيدة البسيطة، طبيعة الحرب في العراق والعلاقات مع الولايات المتحدة وهي الرؤية التي تشاركها فيها الأغلبية الصامتة من العراقيين.

يسرد انتوني شديد تفاصيل كثيرة من حياة عائلة كريمة من أهمها ذهابها قبل بدء الغزو في احدى ليالي شهر مارس 2003 مع ابنها علي إلى موقف الحافلات كي يسافر إلى الموصل لينضم لجنود جيش صدام. وينتمي علي إلى وحدة من سلاح الدفاع الجوي قرب مدينة الموصل.

وتم سجنه قبل الحرب لمشاركته في سرقة سيارة، لكنه خرج من السجن بعد خمسة أشهر فقط بعد عفو صدام حسين العام عن المساجين العراقيين قبل نشوب الحرب.

ويمضي شديد بتفصيل حياة عائلة كريمة، وتمثل إحدى بناتها وتدعى «أمل» التي تبلغ من العمر 14 عاماً فقط أحد أركان الكتاب المهمة من خلال عرض المؤلف ليومياتها التي كتبتها منذ بدء الحرب وسردت فيها مشاعرها ورؤيتها للأحداث علاوة على خبراتها الجيدة المتمثلة في رؤية الجنود الأميركيين في شوارع بغداد والتعامل معهم أحياناً.

يقول المؤلف إن أمل، مثل الكثيرين من أقرانها، كانت عضوة في منظمات شباب حزب البعث. دافعت أمل عن نظام صدام حسين وقالت «ماذا ستفعل لو جاءك الغرباء وهاجموك وأخذوا بيتك بالقوة؟».

تبدأ أمل مذكراتها دائما بالبسملة، وتكتب في أولى صفحاتها «اسمي أمل. لدي عائلة سعيدة تتكون من تسعة أفراد. ثلاثة أخوة هم علي الجندي في الموصل، ومحمد الذي يعمل نقاشاً، ومحمود الذي مازال طالباً.

وهناك خمس أخوات: فاطمة التي تساعد أمي في المنزل وزينب وأمل، وأختاي التوأم دعاء وهبة. أنا فخورة بأمي لأنها امرأة عظيمة تعمل لكي تحصل على قوت يومنا بعدما توفي أبي ونحن صغار».

كما ينقل المؤلف جزءاً مما كتبته أمل يوم العاشر من أبريل 2003، يوم سقوط نظام صدام، حيث تقول «إننا لا نعرف ما الذي سيحدث في الأيام المقبلة. إن أعمال النهب والسرقة واللصوصية مستمرة. يا إلهي لماذا تحيط بنا المآسي بهذا الشكل». ثم طرحت الفتاة سؤالاً يتردد على ألسنة الكثيرين في بغداد خلال تلك الأيام «ما الذي سيفعله الأميركيون معنا؟».

مذكرات عراقية

أما ما كتبته أمل يوم 11 أبريل فقد جسد مدى الفوضى والاضطراب، إذ قالت إن المستشفيات تتعرض للنهب ولا أحد يحتج على ذلك. لماذا يحظى مستشفى سانت رفائيل بحماية دبابة أميركية؟

هل لأنه مستشفى مسيحي؟ ماذا عن مستشفى علوية للولادة؟ وماذا عن النساء الحوامل على أسرتها؟

أه.. يا إلهي ماذا علينا أن نفعل؟ لماذا كل هذا الدمار؟ لماذا يتعرض العراقيون لكل هذا؟ ألا يكفي نهب المكاتب الحكومية! لماذا تتعرض المستشفيات والمدارس وحتى المنازل لأعمال السرقة والنهب؟

لقد كانت أمل فتاة لم تتجاوز الرابعة عشرة من عمرها وتعيش مع أمها كريمة في شقة متهالكة تضم أيضاً سبعة أخوة وأخوات.

يقول مؤلفنا إنه كان هناك اتجاه في العراق خلال تلك الشهور بدا أنه يدين الاحتلال منذ البداية مع وقوفه مكتوف الأيدي أمام حالة الفوضى والنهب التي عمت العاصمة في أعقاب سقوط النظام، رغم الكفاءة الكبيرة التي حققتها القوات الأميركية خلال عملية الغزو مستهينة بأحدث الأجهزة والمعدات القتالية تطوراً في العالم.

لقد أصبح الجميع يخافون على أنفسهم، وإذا اضطر احد للخروج من منزله ليلاً فإنه يحمل معه أي سلاح يتوفر لديه، ويتحرك البعض ضمن مجموعات. ولم يسمح سوى القليل من الاباء لبناتهم بالخروج الى الشارع بمفردهن.

وكانت أسرة أمل تقضي معظم الوقت داخل الشقة المظلمة نظراً لانقطاع الكهرباء والخانقة نتيجة للحر الشديد. كانت الهواتف لا تزال معطلة بعد ان دمر القصف شبكاتها. وكانت النقود شحيحة في الوقت الذي ارتفعت فيه الأسعار بصورة جنونية مع لجوء الكثيرين الى تخزين لوازمهم.

وبين عشية وضحاها فقد عشرات الآلاف وظائفهم ومن بينهم أفراد أسرة أمل، فساءت الأحوال المعيشية بشكل لم يسبق له مثيل.

كتبت أمل في مذكراتها: «أين المساعدات التي تحدث عنها بوش؟

إننا نعاني من نقص في كل شيء.. ليس هناك غاز ولا كيروسين ولا أمن. وحتى لو توفرت الحافلات لنقل التلميذات إلى مدارسهن، فليس هناك وقود. إننا دولة نفطية، لكننا نضطر للوقوف في طوابير لشراء الوقود، ما كل هذا الذي يحدث؟ ما الذي سيكون عليه مستقبل العراق؟

انهيار الجيش العراقي

يقول المؤلف انه في ذروة الغزو، انهارت القوات المسلحة العراقية من الداخل، فقد فر الجنود بالجملة، ورفض قادة الوحدات العراقية الدفع بمقاتليهم الى معركة سيواجهون فيها بالتأكيد حتفهم وسيتحول الأمر الى مذبحة، وقرب نهاية المعارك فر أيضاً أولئك الذين صدرت اليهم الأوامر بالقتال.

وكان الجنود يتخلصون من بزاتهم العسكرية ويرتدون الملابس المدنية قبل ان يختلطوا بالمدنيين في الشوارع والساحات والقرى العراقية. وكانوا يتركون سلاحهم خلفهم ويعودون الى منازلهم.

يقول المؤلف ان انحلال الجيش العراقي كان مشهوداً رغم انه كان متوقعاً. بل ان وحدات صدام الخاصة انحلت بسرعة هي الأخرى. وقد لعبت فلول أفراد الحرس الجمهوري دوراً ضئيلاً في الدفاع عن العاصمة بغداد التي سقطت بسهولة أكبر من المدن الأخرى في الجنوب.

كان علي شقيق أمل من بين الذين فروا من الجيش. وقد ترك وحدته قبل يومين على وصول الدبابات الأميركية الى بغداد.

كانت وحدته تعسكر في الموصل بشمال العراق واستغرق الأمر منه أكثر من يومين للعودة الى منزل أسرته في بغداد.

تحدث علي إلى المؤلف وقال له: «انه لن تكون هناك حكومة لمدة شهر أو شهرين، ولا أعتقد ان العراق سيشهد استقراراً لمدة تتراوح بين عامين وثلاثة أعوام.

لا أحد يعرف ما سيحدث في المستقبل. كان هذا الشعور هو السائد في بغداد في ذلك الوقت، لقد أصبحت العاصمة مدينة لا تحمل أية فكرة عما سيكون عليه شكلها خلال الأسابيع والأشهر المقبلة. لقد أدى الترقب والانتظار قبل الغزو الى تجميد الزمن وإلى حالة من الجمود بالحياة اليومية للعراقيين. وتعد الشكوك التي تنتاب العراقيين بعد الحرب ظاهرة مماثلة لما انتابهم قبل نشوبها.

أخطر أحياء بغداد

كان علي يتحدث مع شقيقاته عن الأوضاع في الأحياء المجاورة خاصة الحي الذي كان يعرف من قبل بمدينة صدام ويعتبر من أخطر أحياء العاصمة ويباع فيه كل شيء بنادق، رشاشات، قنابل وحتى دبابات. كان الوضع كما وصفته أمهم كريمة «بهدلة» وخليط من الفوضى والرعب.

وقالت كريمة انه منذ بدء الحرب لم تحقق أي دخل يمكن ان يساعد أسرتها «لقد فقدنا كل شيء وأصبحنا محرومين من الكهرباء والماء». وكالآخرين قالت انها لا تستطيع ان تفهم كيف ان دولة في قوة أميركا لا تستطيع توزيع الغاز أو الكهرباء أو توفير الأمن. وتساءلت أين الحكومة؟ من أين تستطيع الحصول على مال لإطعام أطفالها؟

ماذا سنقول لصاحب البيت عندما يطلب الإيجار؟ لقد باعت بالفعل المصوغات الذهبية لابنتها، ولا تعرف ماذا ستفعل بعد ذلك، قالت كريمة «إننا نريد الأمن ونريد الاستقرار، لن نعترض على أي شخص يصل الى السلطة طالما انه سيحقق لنا الأمن والاستقرار.

ان العراق يحتاج الى زعيم قوي». ورغم ان كريمة تكره صدام إلا انها أشارت الى انه لم تكن هناك فوضى أو خروج على القانون. واذا ما سرق شخص ولو ديناراً واحداً فإنه سيلقى به في أبو غريب.

وفي ضوء عمليات الاختطاف والقتل بغرض السرقة قال فؤاد موسى محمد وهو طبيب نفسي شيعي شعر بأنه ولد من جديد في العاشر من أبريل عندما تم اسقاط نظام صدام، «إن الناس يقولون ان زمن صدام كان أفضل، فقط حتى يشعروا بالارتياح، لكنني لن أقول ذلك مطلقاً، ان العراقيين يعانون من الصدمة وسوف يتطلب الأمر سنوات للشفاء منها.

ولكن بقليل من الصبر وقدر من الواقعية سيعود العراق والعاصمة بغداد الى سابق مجدهما، إن لم يحدث هذا خلال حياته، فمن المؤكد ان تعيشه الأجيال القادمة».

أما زوجته سعاد فقد شعرت بالقلق ازاء ما يحدث في الوقت الحالي ورأت ان المستقبل مستحيل، مشيرة الى ان الأمر رقم 2 الذي أصدره في شهر مايو بول بريمر بعد اقل من أسبوعين من توليه السلطة كحاكم للعراق. وبمقتضى هذا المرسوم حل بريمر الجيش العراقي وحل وزارة الإعلام.

استياء واسع

وأثار القرار الأخير الاستياء حيث انه تم تسريح موظفي الوزارة دون ان يحصلوا على معاشاتهم ورواتبهم، بينما رأى الكثيرون القرار الأول بأنه قرار خاطيء، يدعو الى الدهشة. ففعلياً كان الجيش قد تشتت ولم يتبق منه سوى القليل، حوالي 18 دبابة وبعض قطع المدفعية.

ومع ذلك ظل الجيش مصدر فخر للعديد من العراقيين الذين رأوا انه لم يلوثه حزب البعث مثل المؤسسات الأخرى.

كان قرار بريمر يعني إرسال أكثر من 350 ألفاً من الضباط والمجندين، البعض منهم تلقوا بعض التدريبات العسكرية، الى الشوارع، الأمر الذي خلق على الفور احتياطياً من الأفراد المحتملين الذين يمكن ان يشكلوا أفراد حرب العصابات. فقد كان في حوزتهم نحو مليون طن من الأسلحة والذخيرة من مختلف الأشكال والأنواع.

وقد جاء القرار رقم 2 بنتيجة عكسية على الاحتلال، حيث أثار موجة من التمرد الذي اتسع يوماً بعد يوم ليشمل جميع أنحاء العراق، وليبتلع في طريقه الأخضر واليابس ليتحول العراق الى أخطر مكان في العالم.

وفي هذا الصدد يتذكر المؤلف مقولة قديمة للرحالة الشهير ابن جبير الذي عاش في القرن الثاني عشر الذي قال «لقد ولت قسمات هذه المدينة المتلألئة وتلاشت ملامحها ولم يتبق منها سوى اسمها، على الرغم من انها لا تزال عاصمة الخلافة العباسية».

ويرى المؤلف ان بغداد، التي تعرضت للغزو خمس عشرة مرة على مدار تاريخها، اصبحت مدينة مختلفة، مدينة تعيش في قلب العاصفة منذ سنوات.

ومن خلال أحاديث المؤلف مع العديد من المواطنين العراقيين يقول انه في حين لا يبدي العراقيون اهتماماً بمصير صدام حسين، فإن كلمة احتلال تثير نفورهم، ويرى ان فكرة استمرار وجود القوات الأجنبية في العراق فكرة غير قابلة للنقاش بين المواطنين العراقيين.

عرض ومناقشة: فكري بكر