يمكن القول إن هذا الكتاب هو محصلة لقصص إنسانية عديدة عاشها المؤلف في العراق قبل وخلال الغزو الأميركي وما آلت إليه الأوضاع في أعقاب هذا الغزو.

ويرسم مؤلف هذا الكتاب من خلال أحاديث مع عراقيين من مختلف الأطياف، سنة وشيعة، فقراء وأثرياء، مثقفين وأنصاف متعلمين، متعاطفين مع الأميركيين ومعادين لهم، صورة حقيقية للعراق المتحدي المفعم بالأمل في المستقبل.

إن هذا الكتاب المهم يمثل شهادة لصحافي يستقي الأخبار من مصادرها بعيداً عن الرؤية الأميركية التي كانت بعيدة عن نبض الشارع وعن الصورة الكاملة لما جرى في تلك الفترة.وبأسلوب بسيط يقدم المؤلف كشف حساب للأخطاء التي ارتكبتها إدارة بوش وعدم إعدادها لعراق ما بعد الحرب الأمر الذي أثار حالة من الفوضى وانعدام الأمن والخروج على القانون، وهي الأوضاع التي لا يزال العراق يعاني منها إلى الآن.كثيرة هي الكتب التي تناولت الغزو الأميركي للعراق، لكن هذا الكتاب الذي نتناوله بالعرض في هذه الحلقات مختلف عنها جميعا. فمعظم مؤلفي هذه الكتب الذين تناولوا تفاصيل الحرب كانوا إما مرافقين بشكل رسمي للقوات الأميركية الغازية أو إنهم استقوا معلوماتهم من مصادر أميركية، لذلك نجد أن الصورة التي رسمها هؤلاء كانت تساير إلى حد كبير الرؤية الأميركية للحرب وتفتقر للتفاصيل الإنسانية لما جرى خلال عملية الغزو.

لكن أنتوني شديد مؤلف كتابنا «الليل يقترب... الشعب العراقي في ظل الحرب الأميركية» ذهب إلى العراق قبل بدء الغزو ولم يكن مرافقاً للقوات الأميركية، بل ولم يحاول استقاء معلوماته من مصادر أميركية سواء كانت عسكرية أو سياسية.وأنتوني شديد صحافي أميركي من أصل عربي وقد حاز على جائزة بولتزر المرموقة عام 2004 لإبداعه في تغطية تطورات حرب العراق لصالح صحيفة «واشنطن بوست».

ومع أن شديد مولود في أوكلاهوما بالولايات المتحدة، إلا أن أصوله اللبنانية أتاحت له تحدث اللغة العربية بطلاقة، كما جعلته جذوره الثقافية العربية يفهم طبيعة رجل الشارع العراقي، ما أتاح له الاقتراب من الناس العاديين في أزمة بغداد وحواريها، وأن يرسم صورة صادقة عما كان يفكر فيه أبناء هذا الشعب خلال الغزو الأميركي للعراق.

يضم كتابنا، الذي يبلغ عدد صفحاته 424 صفحة والصادر عن دار هنري هولت آند كومباني للنشر في عام 2005، خمسة أجزاء:

يتحدث المؤلف في الجزء الأول عن الإحساس بالهلع والخوف في الشارع العراقي قبل الحرب.

وفي الجزء الثاني ينقل بكل ألم الرعب الذي انتاب سكان بغداد والذي صاحب العمل العسكري الأميركي وما رافقه من قصف وتدمير وقتل.

أما الجزء الثالث فيتناول مشاهد النهب والسلب التي عمت شوارع بغداد في أعقاب الغزو، وشملت إدارات الدولة والبنوك والمتاحف والمكتبات، وذلك تحت سمع وبصر القوات الأميركية الغازية.

وفي الجزء الرابع يتناول الكاتب المرارة التي ملأت قلوب العراقيين الرازحين تحت نير الاحتلال، الذي فشل في إعادة الخدمات الأساسية من ماء وكهرباء في الوقت الذي كان يعتدي فيه الكثير من الجنود الأميركيين على المدنيين الأبرياء.

وفي الجزء الخامس والأخير يتناول المؤلف بروز فصائل المقاومة في الشارع العراقي.

يقول المؤلف في المقدمة إن كتابه يعتمد بصورة كبيرة على التقارير التي كتبها خلال زيارته للعراق. وقد كانت الزيارة الأولى في شهري نوفمبر وديسمبر 1998 عندما كان مراسلاً لوكالة «أسوشيتدبرس» الأميركية.

ثم عاد إلى بغداد في أكتوبر 2002 مراسلاً لصحيفة «بوسطن غلوب». أما الزيارة الأطول فقد بدأت في شهر مارس 2003 أي قبل أسابيع من الغزو الأميركي وذلك كمراسل لصحيفة «واشنطن بوست» وظل شديد يبعث بتقاريره للصحيفة خلال الحرب وبعدها، قبل أن يغادر في شهر يونيو 2004 ليبدأ في تأليف هذا الكتاب الذي بين أيدينا.

طبول الحرب

خلال خريف 2002 كانت طبول الحرب تدق بعنف في الولايات المتحدة. وبدأ غزو العراق الذي طال توقعه وشيكاً. يقول المؤلف إن العالم العربي كان يعيش حالة من الغضب والاستياء والشعور بالظلم والإحباط مع عدم قدرة زعمائه على منع وقوع المزيد من إراقة الدماء.

وفي بغداد حاولت حكومة صدام حسين تعبئة العراقيين وإعدادهم لمواجهة جديدة مع الأميركيين. وكانت أكثر المحاولات اللافتة للأنظار وغير المتوقعة هي قرارات العفو التي صدرت بعد ظهر يوم 20 اكتوبر 2002، والتي أدت إلى الإفراج عن عشرات الآلاف من المسجونين العراقيين، بل ربما مئات الألوف الذين كان معظمهم ضحايا أبرياء لنظام صدام الوحشي.

ولكن بعد يومين من صدور العفو حدث تمرد مفاجئ وغير متوقع، حيث تظاهر الكثيرون أمام مبنى وزارة الإعلام مطالبين بمعرفة مصير أقاربهم الذين لم يكونوا ضمن أولئك الذين تم إطلاق سراحهم، والذين من المحتمل أن يكون قد جرى تصفية وإعدام معظمهم.

يقول أنتوني شديد إن الولايات المتحدة تصورت خلال مراحل الإعداد للحرب ضد العراق، أنها إذا استطاعت تغيير هذه الدولة، فإنها ستتمكن من تغيير العالم العربي. ورأى الأميركيون، الذين أثارتهم مخاوف الإرهارب، أن بغداد هي أفضل اختيار للمكان الذي يمكن ان تنطلق منه موجة الإصلاحات الديمقراطية في المنطقة العربية.

وكانت الذريعة لتبرير الغزو من خلال اتهام العراق بامتلاك أسلحة دمار شامل واتهام صدام بحكم العراقيين بالحديد والنار وتهديده للدول المجاورة بصورة مستمرة.

لقد كان العراق أداة للتغيير بالنسبة للولايات المتحدة، أو ما يمكن وصفه بأول قطعة دومينو في الشرق الأوسط. لكن ما لم تدركه إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش هو أن العراق ليس مجرد صورة أسود وأبيض للديكتاتورية والقمع. ولم تفهم الولايات المتحدة حقيقة التراث الحضاري والتاريخي لهذا البلد. ولم تدرك سوى أن العراق دخل في حرب ضد إيران امتدت لثماني سنوات من العام 1980 حتى 1988 ثم غزا الكويت في عام 1990 وتعرض لعقوبات دولية امتدت عقداً من الزمان.

وعندما وصلت الولايات المتحدة، وطأ جنودها ودبلوماسيوها وموظفو وكالات المساعدات فوق أرض عريقة تفوح كل طبقة منها بعبق التاريخ، أرض خاضت الكثير من الحروب، وأصابتها الكثير من الندوب، أرض يعاني أهلها الكثير من المآسي ويتطلعون لمستقبل أفضل. لقد جاء الأميركيون كقوة تحرير، ثم سرعان ما أصبحوا قوة احتلال، الأمر الذي أدى لتطورات لم تكن في حسبان أولئك الذين خططوا لشن هذه الحرب.

الصراع الأميركي ـ العربي

ويرى المؤلف ان التجربة الأميركية في العراق هي بمثابة صورة مصغرة للصراع الأميركي الأوسع مع العالم العربي، الصراع الديني والثقافي والحضاري، صراع بين ثقافتين متناقضتين يصعب أن يتواجدا في مكان واحد. لقد حقق الأميركيون التغيير و لكن دون أن يلبوا ثورة التطلعات التي يتعطش إليها كل مواطن عراقي.

لقد كانت كلمة «التحرير» هي كلمة السر التي فتحت أسوار بغداد وقلوب العراقيين. ولكن سرعان ما أكتشف العراقيون زيف هذه الكلمة. ورغم وعود الاحتلال الأميركي لم ينبلج الفجر الجديد حتى الآن.

يقول المؤلف إن فشل إدارة بوش في الإعداد وبشكل دقيق لعراق ما بعد الاحتلال، والخطوات المتخبطة والحسابات الخاطئة عقب الإطاحة بصدام، كل ذلك أدى إلى تصاعد أعمال العنف والشغب وانتشار الفوضى وغياب الأمن وظهور حركات التمرد وتصاعد عمليات المقاومة العراقية على مختلف أطيافها ضد قوات الاحتلال.

عاد المؤلف إلى بغداد يوم 11 مارس 2003 أي بعد خمسة أشهر من فتح سجن أبوغريب والإفراج عن جميع المسجونين بداخله وقبل أيام قليلة من بدء القصف الجوي الأميركي. وخلال الأيام الأولى من الزيارة التقى المؤلف بالعديد من العراقيين من بينهم فنان تشكيلي يدعى ماهر السامرائي الذي أبدى تخوفه من الحرب وما يتبعها من ويلات وقال «إنني لم استطع النوم لمدة أسبوع.

إنني أخشى على الجسور والمنازل والمباني الجميلة والأماكن الفنية التي بنيناها بعد عام 1991 والتي ستتعرض للقصف والتدمير. لقد تفرق فنانو العراق وهجروا العاصمة خوفاً من القصف ومن المؤكد تقريباً أننا لن نتجمع مرة أخرى.

إن فننا مثل الحمامة البيضاء التي ستجعلها طائرات بي ـ 52 سوداء وأنا أكره اللون الأسود.

وتعقيباً على ما قاله بوش يوم 17 مارس 2003 موجهاً خطابه للعراقيين «إن يوم تحريركم أصبح قريباً»، قال ماهر «إنهم سيحرقون الغابة من أجل قتل الثعلب».

يتذكر معظم العراقيين سطراً من التاريخ، عندما قال الميجور جنرال سير ستانلي مود، القائد البريطاني الذي دخل العاصمة العراقية في 1917 لإنهاء الحكم العثماني «إن جيوشنا لم تدخل مدنكم كقوات غازية أو معادية، ولكن كقوة تحرير».

ويدرك العراقيون مدى التلاعب في الألفاظ، فالبريطانيون لم يخرجوا من العراق بعد ذلك وظلوا يسيطرون على نفطه لعشرات السنين بعد ذلك. وقال ماهر «إنها نفس الجملة تقريباً».

لقد عانى العراقيون كثيراً .. كانوا حفاة وعراة بينما كانت عائدات البترول تذهب إلى جيوب الآخرين. من الصعب أن تثق فيما يقوله الغرب».

كان ما وراء ملاحظات هذا الفنان العراقي خوف على مصير بغداد، خوف من أن يؤدي الغزو المنتظر إلى غياب القانون وعمليات سلب ونهب وخوف على مصير العاصمة.

يقول شديد إنه في الأيام التي سبقت القصف الجوي، هرع سكان بغداد إلى متاجر بيع السلاح والذخيرة واشتروا كل مافيها من مخزون، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعار البنادق والذخيرة أكثر من أربعة أضعاف. وقال له أحد أصحاب متاجر السلاح ويدعى نهاد إنه كلما اقتربت ساعة الحرب، كلما زاد الإقبال على الشراء. إن العائلات تشتري السلاح كما لو أنها تشتري الطعام والماء لتخزينه».

وكان نهاد وزبائنه يتوقعون أن تحدث حالة من الفوضى نتيجة للحرب.

نبض الشارع

يقول أنتوني شديد إنه في الساعة 34,5 من صباح يوم الخميس 20 مارس 2003 بدأت الولايات المتحدة الحرب على العراق حيث اندفع الجيش الأميركي في مسيرة طويلة باتجاه العاصمة بغداد والهدف هو إسقاط نظام صدام حسين.

وقد جاء البدء الرسمي لعملية «حرية العراق» في الصباح الباكر من ذلك اليوم بعد محاولات غير ناجحة لقتل صدام. فقد تم إطلاق 40 صاروخ كروز من ست سفن حربية أميركية في الخليج وبعد إلقاء قنابل ذات توجيه ذكي على أحد التحصينات تحت الأرض كان يعتقد أن صدام يختبئ فيه. وقبل سقوط بغداد، حاول الجيش الأميركي مرة أخرى القضاء على الرجل الذي كان الأميركيون يتوددون إليه خلال الثمانينات ثم حاولوا الإطاحة به خلال عقد التسعينات، والآن يستخدمون 250 ألف جندي للقضاء على نظامه.

جاءت المحاولة يوم 7 أبريل قبل يومين من غزو العاصمة بغداد، وقامت طائرة «بي ـ 1» بإسقاط قنابل زنتها ألفي رطل فوق مجموعة منازل في حي المنصور الراقي حيث اعتقدت المخابرات الأميركية أن صدام ونجليه، عدي وقصي، ويقيمون فيه، ولكن مرة أخرى تفشل المحاولة الجديدة التي راح ضحيتها 13 مدنياً عراقياً من المعتقد أنهم دفنوا تحت الأنقاض نتيجة للقصف العنيف.

وقال السكان إن القنابل قد هزت أساس المنازل بعنف كما لو كانت زلزالاً قد وقع، وقال أحد السكان ويدعى حسن أمين للمؤلف «لقد عرفنا الآن كيف بدأت الحرب، لكننا لا نعرف كيف ستنتهي».

يقول المؤلف إن القصف الشديد أدى إلى وقوع الآلاف من الإصابات بين المدنيين العراقيين الذين كانوا قد صدقوا ما أعلنه الأميركيون بأن المدنيين لن يلحق بهم أي أذى، وقال أحد المصابين للمؤلف «لقد كنت على يقين مئة في المئة بأنهم لن يفتحوا النار على أي مدني.. أما الآن فإنني على يقين مئة في المئة بأنهم سيطلقون النار على أي عراقي».

وبعد ان سقطت بغداد عانت العاصمة من فراغ في السلطة فقد اختفى جميع المسؤولين سواء كبار الموظفين أو رجال الشرطة الذين كانوا ينظمون حركة المرور في شوارع العاصمة، وفي غضون بضع ساعات حلت الفوضى التي كان يخشى العديد من سكان بغداد وقوعها.

ونزلت عصابات من الشباب الشوارع وانتشرت عمليات اقتحام البنايات الحكومية والشركات الرسمية ومباني الأمم المتحدة وخرج منها الكثيرون وهم يحملون أجهزة الكمبيوتر ومراوح الهواء والطاولات والكراسي وأي شيء يمكن حمله.

قال أحد أصحاب المطاعم ويدعى فالح حسن إن «الناس تعتقد أن هذه الأشياء ملكها.. لقد تغير الوضع.. حتى أحاديثنا قد تغيرت، حتى الخوف ابتعد عن قلوب الناس».

كان فالح قد هرب من أداء الخدمة العسكرية خلال الحرب ضد إيران مخاطر بأن يحكم عليه بالإعدام لو تم إلقاء القبض عليه.

شعر فالح بالارتياح بعد الإطاحة بصدام لكنه مثل غيره من العراقيين يشعر بشكوك تجاه الأميركيين. قال فالح «إننا نشعر بالطمأنينة والسلام، لكننا نخشى ما سيحدث غداً سوف نعرف نوايا الأميركيين والبريطانيين خلال الأشهر المقبلة. لقد تعرض الناس للقمع على مدار ثلاثين عاماً.

انهم يتطلعون إلى الأمل في التغيير لأن الناس قد سئمت كل ما حدث لقد كان كل يوم أسوأ من اليوم الذي قبله».

ماذا بعد؟ كان هو السؤال الذي يتردد في الشارع العراقي بعد سقوط صدام، وكما قال فالح «أريد أن أشعر بأنني إنسان، أريد أن أشعر بأنني حر، أريد أن أعمل حتى تتمكن أسرتي من العيش. أريد أن أعيش في سلام مثل كل إنسان في أي مكان بالعالم».

وفي الشوارع لاحظ المؤلف ظاهرة لم تكن موجودة من قبل خلال حكم صدام فقد علت أصوات الناس وأخذوا يعربون عن آرائهم دون خوف ودخلوا في مناقشات ومداولات فيما بينهم.

وقال مهندس كهربائي يدعى مجيد محمد «صدقني لقد انتظرت هذه اللحظة منذ 35 عاماً». أما زهير جرجس الذي تردد في التحدث إلى المؤلف فقد قال «لا أحد يكره الحرية، وإذا ما كان الأميركيون سوف يحققون لنا الحرية، فلن يكرههم أحد»، بينما قال آخر «إذا كانوا قد جاءوا كغزاة، فإن أحداً لن يرحب بهم».

مشاعر متناقضة

يقول المؤلف إنه عندما دخلت الدبابات الأميركية شوارع بغداد انتابه فيضان من المشاعر المختلطة والمتباينة بوصفه صحافياً وأميركياً من أصل عربي ثم كمواطن أميركي، وقد كانت مشاعر الكاتب العربي الأصل متداخلة بشكل حاد. فقد رأى بغداد، المدينة العربية العريقة الذي يثير مجرد ذكر اسمها الكثير من الشجون، وهي تسقط في يد جيش أجنبي. يقول المؤلف إنه لم يشعر بالغضب أو الفرح لكنه شعر بالحزن، ليس على الإطاحة بصدام، ولكن على مصير المدينة التي تعرضت للغزو بذريعة تحريرها!

ونفس الشيء سمعه المؤلف من صحافي عربي آخر يعمل لصحيفة أميركية ويدعى حمزة هنداوي فقد قال له «إنني عندما رأيت جنود المارينز يدخلون بغداد، لم أشعر لحظتها بالأسى على صدام، لكني شعرت بأن فصلاً مهماً للغاية في التاريخ العربي الحديث قد بدأ تدوينه، وهو فصل لا يدعو إلى التفاؤل على الإطلاق، ولا يجعلك تتطلع إلى المستقبل برؤية إيجابية.

إنها ليست أي مدينة عربية إنها بغداد التي تماثل القاهرة ودمشق في عراقتها وتقاليدها وتاريخها، إن رؤية الجيش الأميركي في قلب هذه المدينة جعلني أشعر بالصدمة رغم أننا كنا نعرف أن هذا سيحدث».

أما بالنسبة للمؤلف انتوني شديد فقد شعر بأن بلاده قد استولت بالقوة على دولة أخرى، وإنها أصبحت الآن تتحكم في مصيرها رغم أنها لا تفهم الكثير من تعقيداتها وأوضاعها وتاريخها الضارب بجذوره في أعماق التاريخ.

شعر الكاتب بالقلق لأن بلاده، أميركا، لن تحاول فهم هذا التاريخ بل ستجبر العراق على اعتناق الأفكار والمفاهيم الأميركية، ومن الممكن في أسوأ الأحوال ألا تهتم بذلك.

انتابت سكان بغداد نفس المشاعر المتناقضة فمنهم من استقبل الأميركيين كقوة تحرير من حكم صدام ومنهم من كان أكثر تحفظاً، بل إن البعض قالوا إن الأميركيين يريدون نفط العراق وتنبأوا بأن القوات الأميركية جاءت لتبقى، وقال شخص يدعى ستيفان أبو جورج «هذه بلدي وهذا احتلال، لا يمكنني أن أتصور ما سيكون عليه الوضع في المستقبل» ورد عليه صديق قائلاً: مثل فلسطين».

في ساحة الفردوس

وبالقرب من ساحة الفردوس كان مازن حسين وهو طبيب في مستشفى ابن الهيثم يسير مع صديقين وعندما اقتربوا من دبابة أميركية يرفرف فوقها العلم الأميركي طلبوا من الجنود أن ينزلوا العلم، ومع هدير محرك الدبابة لم يسمع الجنود ما قاله العراقيون، وقال مازن لأصدقائه «هذا ليس تحريراً كما يدعون، فهذا ليس الوقت المناسب لرفع العلم الأميركي».

وفي ساحة الفردوس قام الأميركيون بإسقاط تمثال ضخم لصدام وسط هتافات الكثيرين الذين تجمعوا لرؤية هذه اللحظة التاريخية. لكن الفرحة تراجعت عندما رأوا أحد الجنود وهو يضع العلم الأميركي فوق التمثال.

وبسقوط تمثال صدام انكشف النقاب، ولكن لم يكن أحد على يقين بمضمون ما تم كشفه.

بحلول أبريل 2003 أعلن الأميركيون انه تم تحرير بغداد إلا أن المدينة واجهت حالة من جيشان المشاعر الممزوجة باليأس والتخبط والفرح، وقد تحدث بعض المراقبين عن حالة من الفوضى، وأن مدنيين مسلحين بدأوا يكسرون احتكار العنف الذي كانت تمارسه حكومة صدام قبل أسابيع قليلة، وبدت بغداد كمسجون خرج من زنزانته المظلمة ليتخبط تحت أشعة الشمس المتوهجة.

يقول المؤلف إن العاصفة بدأت يوم العاشر من أبريل بعد انتهاء المعارك في بغداد. فقد هرع الآلاف، الذين عانوا من الحرمان بسبب العقوبات التي فرضت على بلادهم، وعانوا من شظف الحياة بسبب الحروب ومن قسوة حكم صدام، إلى كل الوزارات والإدارات الحكومية والمتاحف وغيرها من الأماكن العامة وراحوا ينهبون أي شيء بدءاً بالشاحنات وحتى الأنابيب النحاسية والأسلاك الكهربائية والكراسي وأجهزة التكييف وأي شيء تقع عليه أيديهم.

ووقعت المستشفيات والسفارات ضحية لهذه الأعمال بجانب الوزارات والمكاتب الحكومية ومقار حزب البعث وطالت عمليات النهب المتحف القومي للآثار الذي يضم مجموعات فنية تسجل تاريخ المنطقة منذ بداية الحضارة السومرية القديمة في عام 3500 قبل الميلاد وحتى نهاية الخلافة العباسية في عام 1258 ميلادية، وبدا أن معظم الخارجين على القانون يستهدفون مؤسسات حكومة صدام حسين، حيث أشعلوا النيران في وزارات التجارة والصناعة والري وأخذت سحب الدخان الأسود تتصاعد في السماء.

وبدت عمليات النهب وكأنها انتقام من صدام وما فعله في حق شعبه.

إلا أن الكثيرين من سكان بغداد شعروا بالاشمئزاز والخزي من هذه الأعمال التي نقلتها معظم الفضائيات وقال بعضهم «إذا كان الأميركيون يريدون تغيير النظام فعليهم أن يعينوا حكومة أخرى. إن الحرية بهذا الشكل ليست جيدة على الإطلاق».

عرض ومناقشة: فكري بكر