يرى رئيس البرلمان الأوروبي جوزيب بوريل،الذي يشغل هذا المنصب منذ 2004، أن الاتحاد الأوروبي ما هو إلا انعكاس لعالم منمنم بسبب عدم التجانس والفروقات السائدة في كنف مجتمعه نتيجة عملية توسيع الاتحاد الأوروبي بضم عشرة أعضاء جدد. ويؤكد بوريل أنه لولا أوروبا لما كانت السلطة الوطنية الفلسطينية موجودة، لكنه يضيف أن القارة القديمة لن تتخلى عنها أو تتركها لتواجه مصيرها وحدها.

صحيفة «لا فانغوارديا» التقت المسؤول الأوروبي في برشلونة وأجرت معه الحوار التالي:

* بعد مرور عام على رفض فرنسا وهولندا للدستور الأوروبي، يبدو أن الاتحاد الأوروبي لن يتمكن من رفع رأسه مجددا.. متى سيتجاوز هذه الأزمة؟

ـ من حيث المبدأ لا بد من الإشارة إلى أن جميع المؤسسات واصلت عملها بصورة طبيعية جدا. كما تم التوصل إلى اتفاق حول التوقعات المالية الخاصة بالفترة الواقعة بين عامي 2007-2013.

وتم التفاوض والاتفاق حول التوجهات المثيرة للجدل الخاصة بتحرير الخدمات واستهلت مفاوضات الانضمام للاتحاد مع كل من تركيا وكرواتيا وجمهورية مقدونيا اليوغوسلافية السابقة وهناك توجه للتوسع بعشرة بلدان أخرى، لكن ذلك لا يلغي أن الاتحاد ينقصه منظور مستقبلي، الأمر الذي يثير أسئلة كبرى.

* هل يعود هذا النقص في المنظور المستقبلي إلى نقص في القادة؟

ـ إنها نتيجة منطقية لغياب الديناميكية في البناء الأوروبي . إنها أزمة نمو وهوية. أما عن أزمة النمو، فإنها حتمية، إذ إنه لا يمكن الانتقال من 15 إلى 25 بلدا وقريبا إلى 27 بلدا بلا تأثيرات وعواقب.

كذلك الأمر فيما يتعلق بأزمة الهوية، لأن الأهداف التي يصبو إليها الاتحاد الأوروبي قد تحققت وانتهى الأمر، والسؤال الآن هو: ما هو سبب كينونته. فالانقسام الكبير الحاصل بين الشركاء المنضوين تحت مظلة الاتحاد الأوروبي يعود تحديدا إلى أسباب وجود هذا الاتحاد.

* ما مدى صحة السياسة الأوروبية تجاه حماس؟

ـ نحن نأمل في جميع مؤسساتنا أن توفر حماس أسبابا مرضية لإبقاء المساعدات . لكن وللأسف، فإن الحكومة الفلسطينية الجديدة لم توفر الأسباب الكافية كي يبقي الاتحاد الأوروبي، بصورة كاملة، على المساعدات التي يقدمها للسلطة الوطنية الفلسطينية.

ونحن من جانبنا سنحافظ على المساعدات التي تصل إلى الفلسطينيين عبر قنوات غير حكومية. لكني أود التذكير بأن البرلمان الأوروبي أعرب دائما عن رغبته بجعل الدولة الفلسطينية دولة قابلة للحياة وأنا آمل بأن تلتزم أوروبا أكثر وأكثر في حل مشاكل الشرق الأوسط.

* هل الحوار المباشر بين واشنطن وطهران هو السبيل إلى حل الأزمة الإيرانية؟

ـ ذلك ما لا يكل الاتحاد الأوروبي من ترديده. ينبغي الحيلولة دون هدم جسور الحوار ودون الوقوع في مصيدة غواية اللجوء إلى الحل العسكري لمجرد اللجوء إليه. بماذا سيفيد التصعيد العسكري في المنطقة؟ بعد أن أصبحت ماثلة أمامنا التجربة العراقية، التي نعلم إلى أين قادت الولايات المتحدة وحلفاءها،إذ ينشأ الآن ثغرة هائلة بين العالمين الإسلامي والغربي.

* وماذا عن أوروبا؟

ـ يتعين على أوروبا أن يكون لديها وعي واضح بأن التحدي الأهم في المستقبل ومن جميع وجهات النظر إنما يتجسد في علاقتها بالعالم الإسلامي.

* ما هي وجهة نظرك حول تطور عملية برشلونة، ما الذي يشجعه ويروج له الحوار اليورو- متوسطي؟

ـ عملية برشلونة لا تسير على خير ما يرام وقمة نوفمبر 2005 عكست صورة تنم عن وجود مشاركة بدون شركاء. بعد هذا الاجتماع، أكد لي المسؤولون السياسيون لبلدان الضفة الجنوبية أنه يتعين على أوروبا أن تأخذ على محمل الجد ،بصورة أكبر بكثير.

العلاقة مع العالم الإسلامي عموما ومع منطقة المتوسط على وجه الخصوص. فلديهم شعور واضح بأن أوروبا لا تلعب الدور الذي وعدت به. منذ مدة طويلة وأنظارنا شاخصة باتجاه الشرق، ولقد استثمرنا أموالا في بولندا خلال عام واحد أكثر مما استثمرناه في حوض المتوسط برمته منذ 1995.

* ما هي وجهة نظرك حول نشر الرسوم المسيئة للرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم؟

ـ لقد ساهمت في تعميق فجوة عدم الفهم والتفاهم وهي تعكس رغبة المتشددين في الوصول إلى حالة المواجهة. لابد من استثمار جميع الطاقات السياسية اللازمة كي تسمح لنا علاقتنا بالعالم الإسلامي بأن نطرح المشكلات الديمغرافية ومشكلات الطاقة التي تعصف بنا.

وهذان هما العنصران الأساسيان بالنسبة لمستقبل أوروبا واللذان لا نستطيع حلهما بمفردنا بمعزل عن العالم.

* لكن بعد مشكلة الغاز بين روسيا وأوكرانيا في يناير الماضي، التي أظهرت الضعف الأوروبي في ميدان الطاقة، بدأ الاتحاد الأوروبي في البحث عن حلول..

ـ لم يكن لدى أوروبا سياسة للطاقة أبدا. لقد كان لديها سياسة تنافسية مطبقة في قطاع الطاقة. وبالتالي، فإنها تعاملت معها تماما مثلما تفعل في قطاع الأحذية، مع أن الأمر ليس سيان. لكنه صحيح أن الأزمة الروسية- الأوكرانية تركت أثرها ومثلت عبرة لمن يعتبر والأوروبيون أدركوا هذه التبعية.

للخروج من هكذا أزمة لا بد من عمل مشترك، لكن ثمة خلافات واختلافات كثيرة. وأخشى من أن تتخطى سياسة الطاقة المعلنة أنانيات كل بلد.

* الانتخابات الأخيرة التي جرت في إيطاليا وألمانيا تظهر لنا أن الناخب في أوروبا منقسم إلى كتلتين متعارضتين؟

ـ ربما يعود ذلك إلى أن تأثيرات العولمة تؤثر بطريقة متباينة جدا على الناس. والانقسام الحاصل ليس فقط بين الأفراد، وإنما بين الأراضي أيضا، فالمجتمع الأوروبي ليس متناغما مطلقا، إلى درجة يمكن معها القول إن أوروبا بمثابة عالم منمنم. وأوروبا ما بعد توحيد ألمانيا هي أحد أكثر المجتمعات غير المتساوية في العالم.

حيث تشكل البلدان الستة المؤسسة مجتمعا أكثر تناغما وتماسكا. والفروقات في الدخل الآن بين أغنى حي في لندن وأفقر بلدية في رومانيا كبير جدا إلى درجة أنه لا يوجد لها مثيل حتى في المجتمع البرازيلي، وذلك على سبيل الاستشهاد بالبلد الذي يعاني من أعلى مستويات عدم المساواة في أميركا اللاتينية.

* نحن الأوروبيين ليس لدينا هذه النسبة والتناسب..

ـ لكن الأمور تسير على هذا النحو. فإما يكون هناك دعم وإمدادات على قاعدة التضامن وعلى أساس سياسة التماسك وإما يفقد المشروع الأوروبي معناه من الأساس. ومع ذلك، فإنه يوجد تحفظات خطيرة على إبقاء هذا الجهد الهادف إلى تعزيز التماسك وذلك بسبب التكلفة التي تتحملها الميزانية والتي يفترضها ذلك الجهد. لكن إذا ما تخلت أوروبا عن بعدها الاجتماعي وإرادتها في وحدة وتماسك أراضيها، فإنها ستفقد أي معنى كمشروع سياسي.

ترجمة: باسل أبو حمدة

عن«لا فانغوارديا» - اسبانيا