أفادت دراسة حديثة صدرت عن معهد هدسون الأميركي أن ما قدمه المواطنون الأميركيون طواعية العام الماضي من مساعدات خارجية يفوق بثلاثة أضعاف ما قدمته الحكومة الأميركية للغرض ذاته. وهذا أمر لا يجب على الإطلاق الشعور بالدهشة حياله، لاسيما وأن الأميركيين يتسمون دائماً بالكرم تجاه من هم في حاجة، سواء أكان هؤلاء يعيشون داخل الولايات المتحدة أم خارجها.
فهناك عدد كبير من الأسباب الإنسانية والدينية والأخلاقية التي تدفع إلى مساعدة الرجال والنساء المحتاجين في شتى أنحاء العالم. ولا تحدث في هذا الصدد أي مشكلة سوى عندما تتدخل الحكومات وتحاول الضغط من أجل جمع مساعدات خاصة بشكل غير تطوعي.
وهناك أسباب وجيهة تفسر لماذا لا يسمح الدستور الأميركي لحكومتنا بإرسال أموال الضرائب إلى الخارج في صورة مساعدات أجنبية. أحد أقوى تلك الأسباب هو أن جمع التبرعات بالقوة لا يعتبر عملاً خيرياً على الإطلاق وإنما هو سرقة. فإذا حدث أن سرق شخص ما أموالاً من جيبك وتبرع بها لقضية ما، فإن هذا لا ينفي حادث السرقة الذي تعرضت أنت له.
وهناك أيضاً أسباب عملية في هذا الشأن. فعلى الرغم من أن الأمر ربما يحدث بنوايا طيبة، فإن الوكالات الحكومية ببساطة لا يمكنها أن تقوم بالعمل الخيري الذي تقوم به فعلياً المؤسسات الخيرية الخاصة عندما تساعد الأخيرة ذوي الحاجة. فالمساعدات التي تُرسل من حكومة إلى أخرى نادراً ما تساعد هؤلاء الذين هم في حاجة فعلية.
ولكونها تأتي عن طريق الحكومات، فإن تلك الأموال تكون في الأساس مرتبطة بأغراض سياسية تنطوي على تدخلات سياسية في شؤون هؤلاء المستفيدين من تلك المساعدات. على سبيل المثال، يمكن النظر في هذا الشأن إلى حال المؤسسة الوقفية القومية للديمقراطية.
فأموال «المساعدات» التي تُرسلها تلك المؤسسة يتم إنفاقها في العادة من أجل التلاعب في الانتخابات التي تجري في الخارج حتى يتسنى فوز حزب سياسي معين فيما يسمى بانتخابات «ديمقراطية». إن تلك الأموال لا تخدم مواطني الدول الأجنبية الذين يصوتون على أمل أنهم قد يختارون قادتهم من دون أي تدخل خارجي.
والأمر ذاته ينطبق على ما يسمى بـ «مؤسسة حساب تحدي الألفية»، التي تُرسل مساعدات أميركية إلى البلدان التي تلتزم بمعايير الإصلاح الاقتصادي التي تحددها الولايات المتحدة الأميركية. غير أن الواقع يشير إلى أن البلدان التي تضع سياسات اقتصادية محددة وإيجابية ستجتذب من الاستثمارات الأجنبية الخاصة الموجودة في أسواق المال العالمية ما يفوق بمراحل ما تتلقاه من مساعدات من خلال برنامج تحدي الألفية.
وثمة مشكلة أخرى تقع عندما تمنح الحكومة مساعدات إلى حكومة أخرى، إذ يظهر هناك عدد كبير من الوسطاء والسماسرة الذين بدورهم يقتطعون لأنفسهم من تلك الأموال ما يحولها إلى فُتات عندما تصل إلى مستحقيها في النهاية، مقارنة بما كانت الحكومة قد وافقت عليه في الأساس، ناهيك عن أن جزءاً كبيراً من تلك المساعدات يذهب إلى جيوب حكام وقادة دول فاسدين.
وعلى الجانب الآخر يتبين أن هيئات المساعدات الخاصة هي أكثر تأثراً بقوى السوق وبالتالي فإنها أكثر فعالية. وعندما يشعر الأميركيون بالدافع إلى الاستغناء عن جزء من أموالهم من أجل مساعدة المحتاجين في الخارج، فإنهم يريدون التيقن من أن أموالهم ستذهب إلى أغراض خيرية بالفعل.
ومن المعروف أن الأخبار السيئة تنتشر بشكل أسرع من الأخبار الجيدة، ومن غير المحتمل أن تقوم تلك الهيئات بإرسال أموالها إلى أماكن تضيع فيها تلك المساعدات، ما قد يتسبب في أن مواردها ربما تُستنفد في وقت قصير. ونحن جميعاً نتذكر ما حدث منذ أعوام عديدة عندما اتضح أن الإدارة العليا لإحدى الهيئات الخيرية تتقاضى رواتب خرافية، وما ترتب عليه الأمر عندما توقف الناس عن إرسال الأموال.
غير أن الأمر للأسف يختلف عندما تساء إدارة المساعدات التي تقدمها الحكومة، إذ يحدث غالباً أن الوكالات الحكومية ذاتها التي تُسيء إدارة المساعدات هي التي تطلب من الكونغرس زيادة ميزانيتها حتى يتسنى لها حل المشكلات التي أوجدتها هي لنفسها.
ومن ثم، فإنه يجب علينا أن نشعر بالسعادة عندما نسمع أن الأميركيين مستعدون لتقديم الكثير لمصلحة هؤلاء الذين هم أقل حظوظاً منهم في دول أخرى غير أميركا.
وينبغي لنا أن نفكر ملياً في أعمال الخير التي يمكننا تقديمها في الداخل والخارج إذا لم تأخذ الحكومة منا الكثير بسبب أولوياتها الخاصة بالمساعدات الأجنبية، وهي الأولويات التي تتسبب في إضاعة تلك الأموال أو توزيعها بشكل غير فعال. حقاً إن أعمال الخير الحقيقية لا إكراه فيها.
عضو في مجلس النواب الأميركي
ترجمة: حاتم حسين
عن: أنتي وور