يتناول المؤلفان في هذه الحلقة الأخيرة من الكتاب المؤسسة العسكرية الإسرائيلية من حيث أداؤها ودورها الوظيفي المستديم في تأمين بقاء واستمرار الدولة العبرية وتحقيق أهدافها التوسعية على حساب محيطها من الأرض العربية.
وتتطرق هذه الحلقة من الكتاب إلى الأسس التي تقوم عليها الرؤية الإستراتيجية الصهيونية فيما يتعلق بالأمن، والمتغيرات التي طرأت على هذه الرؤية في العقدين الأخيرين في ضوء سقوط مبدأ تأمين الحدود باعتباره الوسيلة الفاعلة لحماية أمن الدولة وذلك بعد قيام العراق بضرب إسرائيل بالصواريخ البالستية خلال حرب الخليج عام 1991.
أما الملف الأكثر أهمية بالنسبة للمؤسسة العسكرية الإسرائيلية فهو الملف النووي، حيث تعتبر إسرائيل السلاح النووي، خيار الردع الأول، ولهذا فإنها تواصل توسيع ترسانتها النووية ضاربة بعرض الحائط كافة المطالبات الدولية بأن تكون منطقة الشرق الأوسط خالية من السلاح النووي، لكي يتسنى تحقيق السلام في المنطقة.
يلحظ المتابع لأداء الحركة الصهيونية ولأدبياتها أيضاً، أن الأداة العسكرية اليهودية والإسرائيلية فيما بعد، أي بعد إنشاء إسرائيل في عام 1948، تبوأت مكاناً مهماً. ويرى المؤرخ الفلسطيني الدكتور الياس شوفاني أنه من خلال نظرة سريعة إلى الكيان تبرز أولوية الأداة العسكرية فيه على جميع مؤسساته، بل يتم إخضاعها جميعها لمستلزمات أداء المؤسسة العسكرية والأمنية لدورها، الذي يشكل حجر الزاوية.
فيما يسمى «أمن الكيان الاستراتيجي». ففي كتابات الأب الروحي للحركة الصهيونية ثيودور هرتسل، تطالعنا إشارات صريحة إلى ضرورة استعمال العنف والقوة للاستيلاء على الأراضي ونزع ملكيتها، من جهة، ولمواجهة حركات شعوب المنطقة التحررية، من جهة ثانية.
وفي فلسطين ومنذ اتساع نطاق عمليات الاستيطان التهويدي الصهيوني بداية القرن التاسع عشر، وتصاعد المقاومة العربية لها، أخذ المستوطنون يشكلون منظمات شبه عسكرية، تحت ستار الدفاع عن النفس، وتأمين الحماية اللازمة للمستوطنات.
وحلت منظمة «هاشومير هاتسعير» «الحارس الشاب» عام 1909 محل التنظيمات المتفرقة، التي عرفت باسم «هانوطير» (الناطور) والتي جرى تأسيسها منذ عام 1887، وهو العام الذي ترافق فيه إنشاء أولى المستعمرات اليهودية على أرض فلسطين مثل «زخرون يعقوب» و «زمارين»، و«رحبوت» و «بتاح تكفا» و« ريشون لتسيون» فالتزمت المنظمات شبه العسكرية الصهيونية القيام بأعمال حراسة المستوطنات في الليل.
وكذلك حراسة الكروم والحقول التي كانت تتعرض لهجمات المقاتلين من أبناء القرى العربية التي أقيمت المستوطنات على أراضيها، أو القبائل البدوية التي كانت الأرض مرعى لمواشيها. وبعد صدور وعد بلفور عام 1917 تم حل منظمة «هاشومير هاتسعير» الصهيونية، واندمج أعضاؤها في منظمة «الهاغانا» في العشرينات، بعد أن تحولت إلى أداة عسكرية، ذات قيادة مركزية، وأنشأت معسكرات للتدريب.
وذلك في سياقات التحول المتسارع في استشراء سرطان التهويد والإعداد لقيام الدولة العبرية تحت دعم وإسناد سلطات الانتداب البريطاني.
وخلال الفترة التي امتدت حتى مايو 1948، كان في فلسطين عدة عصابات صهيونية، ارتكبت عدة مجازر ضد الفلسطينيين، ووضعت الخطط لترحيلهم قبل العام المذكور، وأهم العصابات المشار إليها كانت عصابات شتيرن والهاغانا والأرغون وفي 26 مايو 1948 أصدر رئيس الحكومة ووزير الدفاع آنذاك، ديفيد بن غوريون قراراً بتوحيد معظم هذه المنظمات، تحت علم ما سمي بـ «تساهال» أي «جيش الدفاع الإسرائيلي» ، لتكون قوات مسلحة نظامية، وغير مسيّسة، وخاضعة للسلطة المدنية التي تقرر شؤون الحرب والسلام.
وقد أرسى بن غوريون تقليداً، وضعت وزارة الدفاع بموجبه أسس الإستراتيجية الشاملة أو المفهوم الأمني الاستراتيجي أو القومي، بينما تتولى هيئة الأركان العامة صوغ العقيدة العسكرية القتالية ومتطلباتها العملياتية والتكتيكية.
أسس الإستراتيجية العسكرية
تعتبر الإستراتيجية العسكرية الإسرائيلية الأداة الحقيقية والترجمة الفعلية لنظرية الأمن والحدود الإسرائيلية الآمنة، وتستند هذه الإستراتيجية إلى تفوق تقني هائل واستقلالية.
فيما يختص بمصادر السلاح ووجود جيش من المستوطنين، كما تعتمد أيضاً على جملة من المبادئ والمذاهب والخيارات القتالية المتطورة والمتقدمة والتي يتم تنفيذها وتطبيقها بصورة تلقائية متكررة كما حصل في كل جولات الحروب العربية الإسرائيلية التي حدثت منذ عام 1948.
ولعل من الأهمية بمكان استعراض أهم وأبرز المبادئ والمذاهب والخيارات القتالية الإستراتيجية والتي تشكل - بطبيعة الحال - خلاصة الفكر الاستراتيجي الصهيوني، ومن أهمها :
أولاً : مبدأ الحرب الخاطفة، الذي تبوأ مكانة كبرى في أذهان القادة الإسرائيليين ومجالات أعمالهم، وتصرفاتهم العسكرية في المنطقة العربية.ويهدف المبدأ المذكور إلى تحقيق الحسم السريع والانتصار العسكري، الشامل والنهائي، على الجيوش العربية، في سبيل الحصول على مكاسب إقليمية ومعنوية، للانتقال إلى الدفاع عن المكاسب المتحققة، والحفاظ على الوضع الراهن، والتلويح بقوة الردع الشامل.
ثانياً : مذهب الحرب الوقائية (الاستباقية) ويعد من أقوى مذاهب العقيدة القتالية الإسرائيلية وأشدها أهمية في تأريخ الحروب العربية الإسرائيلية. ويعتمد هذا المذهب على تحقيق الضربة الأولى، أي اتخاذ الخطوة العملياتية الأولى، والمبادرة بالهجوم والمفاجأة من أجل تحطيم قوات العدو العسكرية واحتلال أراضيه وانتقاء الزمان والمكان والأسلوب الملائم.
ثالثاً : مبدأ نقل المعركة إلى داخل الأراضي العربية، هذا المبدأ يتبوأ مركز الصدارة بالنسبة لما عداه من المبادئ القتالية الإسرائيلية الأخرى، ومرد ذلك هو افتقار إسرائيل إلى العمق الاستراتيجي، وعدم القدرة على تحمل الضربة الأولى فضلاً عن ضرورة الحسم العسكري السريع تفادياً لخسائر بشرية، ومنعاً للضغوط الدولية، وتتويج ذلك يتحقق بمكاسب تؤكد التفوق الإسرائيلي، الذي يتيح الضغط على العرب لتقديم التنازلات وفق الشروط الإسرائيلية.
رابعاً : ومن المبادئ القتالية الإسرائيلية، مبدأ التقرب غير المباشر، ويشكل رافداً حيوياً من روافد العقيدة العسكرية الإسرائيلية بوجه عام، ويعتمد هذا المبدأ على الاختراق والتطويق والالتفاف وعدم مواجهة العدو وجهاً لوجه، وإنما الالتفاف عليه من أحد الجوانب وتهديد مؤخرته وخطوط مواصلاته.
وقد طور هذه النظرية الجنرال ايغال يادين، حيث قام بتطوير مبادئ الالتفاف حول جناح العدو، وتفادي المقاومة مع التأكيد على عنصر المباغتة والمخادعة، وقد عمل القادة الإسرائيليون على تنفيذ المبدأ المذكور وتطبيقه في كل الحروب التي جرت مع الدول العربية منذ عام 1948 وحتى عام 1982.
الخداع والتضليل
خامساً : مذهب الخداع والتضليل في الحرب ويعد من صميم المذاهب العسكرية الإسرائيلية، وتم تنفيذه بدقة في حرب يونيو عام 1967على الجبهتين المصرية والسورية، حيث أعلن اسحق رابين رئيس الأركان الإسرائيلي آنذاك في 13 مايو 1967، عن نية إسرائيل في شن هجوم خاطف على سوريا، في حين كانت فرق الهجوم في ذلك الوقت تحشد في مواقع الانطلاق على سيناء ومتخذة أقصى تدابير السر والحيلة، ويعتبر ذلك سمة من سمات الفكر العسكري الإسرائيلي.
سادساً : مبدأ مواجهة الجيوش العربية كل على حدة، وينطلق هذا المبدأ من وحي الضرورات العسكرية المتمثلة في عدم استطاعة الجيش الإسرائيلي مواجهة الجيوش العربية في أكثر من موقع وفي آن واحد، نتيجة للتفوق العسكري من حيث العدد والعتاد على إسرائيل.
والقيام بمواجهة الجيوش العربية كل على حدة لضمان تحقيق الانتصار العسكري عليها عبر مراحل متوالية ومتلاحقة. ولقد طبقت إسرائيل هذا المبدأ عام 1967، عندما قامت بهجومها الكاسح على الجبهة المصرية ثم انتقلت إلى الجبهة الأردنية فالجبهة السورية.
سابعاً : خيار الردع النووي، حيث يمثل هذا الخيار مكانة متميزة لدى إسرائيل، ويستند تبني المعادلة الحذرة التي تدعي إسرائيل بموجبها علناً أنها لا تملك السلاح النووي وليس في نيتها امتلاكه في المستقبل، بينما تسعى في ذات الوقت إلى اتهام الدول العربية وإيران - بطرق غير مباشرة - بأن لديها عشرات القنابل النووية الجاهزة للاستخدام الفعلي.
ثامناً : ومن الخيارات المهمة التي تعتمد عليها إسرائيل في إستراتيجيتها، خيار الاعتماد على حليف دولي كبير وقوي، وقد لاحظ المتتبع للشأن العسكري، أن الاتجاه الأكثر جذباً للدعم العسكري لإسرائيل كان في بداية الستينات باتجاه الحليف البريطاني والفرنسي، من خلال رؤية مؤشرات عديدة، أهمها الدبابات البريطانية التي كانت تزود بها إسرائيل.
وطائرة الميراج الفرنسية الصنع، وبعد عام 1967، تبوأت إسرائيل مكانة مهمة في إطار المصالح الأميركية الشرق أوسطية الأمر الذي عزز التحالف الاستراتيجي الإسرائيلي الأميركي.
الصواريخ البالستية
ولكن، مما لاشك فيه، أن التحولات الجديدة التي طرأت على تشكيل خارطة القوى في العالم بعد انهيار الكتلة الشرقية وحلف وارسو، والتطور الكبير في تقنيات العتاد القتالي أحدثا تغييراً واضح المعالم في فلسفة ومفهوم الأمن عند مختلف الجهات الإسرائيلية وعلى كافة مستوياتها.
فبينما يصّر البعض ممن يطلق عليهم صفة الحرس القديم أو جيل «الآباء المؤسسين للدولة الصهيونية» ومعهم شرائح جديدة من أجيال شباب اليمين الصهيوني بشقيه العلماني والتوراتي، على ترديد ركائز المفهوم التقليدي « للأمن القومي الإسرائيلي» والمتمثل بأهمية الاحتفاظ بعنصر الأرض وجغرافيتها في تحقيق الأمن، يرى البعض الآخر ومنهم بعض من رجالات جيل «المؤسسين» بأن التطور التكنولوجي.
خصوصاً تكنولوجيا الصواريخ البالستية قد ألغى مفهوم الأمن القائم على «حدود آمنة» بالمعنى الجغرافي، ليحل مكانه مفهوم آخر للأمن يقوم على «التوصل إلى اتفاقيات سلام مع الأطراف العربية» مضافاً إليه «امتلاك الدولة العبرية قوة متفوقة تقنياً وتكنولوجياً على المستويين العسكري والاقتصادي».
ويعتبر آريئيه هيرتصوغ مدير منظومة الدفاع الصاروخي الإسرائيلية، أن مسألة «الاحتفاظ بالأرض ـ ويقصد الأرض العربية المحتلة عام 1967 ـ من منطلق أمني» تراجعت إلى الوراء في ظل انتشار وتطور الصواريخ البالستية، التي أصبحت تمثل «التحدي الكبير أمام إسرائيل».
حيث أضاف يقول «من حيث سياستنا الإستراتيجية، كان العراق يشكل تهديداً رئيسياً لأن العراقيين أثبتوا استعدادهم لإطلاق صواريخ بالستية على إسرائيل. غير أنه من ناحية الكمية، ونوع الصواريخ التي كانت ذات جودة متدنية ودقة متواضعة ومن السهل اعتراضها، فإنها مثلت خطرا اقل أهمية».
وعليه، فاكتساب المعرفة بجوانبها المختلفة عند أنصار المفهوم الجديد «للأمن القومي الإسرائيلي» وفي رأي حاييم وايزمان زعيم المنظمة الصهيونية العالمية هو «سلاح إسرائيل الجبار» وهو «شريان القوة ومصدر الدفاع». ويوضح عاموس بيير العضو السابق في مؤسسة الطاقة الذرية الإسرائيلية ذلك بالقول «في إسرائيل كان العلم دائما مرتبطاً بقوة مع الأمن، فمنذ عام 1947 نظمت الهاغانا فروعاً علمية ضمت خيرة العلماء.
وورث جيش إسرائيل هؤلاء العلماء الذين أصبحوا جزءا من العاملين في وزارة الحرب وطوروا البحوث في المجالات العسكرية والنووية ». لذلك فان الفجوة العلمية أكبر ما يقلق في الصراع العربي ـ الإسرائيلي، وهذه الفجوة يقدرها البروفيسور بركمان، رئيس هيئة الطاقة الذرية الإسرائيلية السابق بنحو 50 سنة فيما يخص المستوى التكنولوجي والأداء، فكثير من الإنجازات التي تحققت للكيان الصهيوني يرجع الفضل فيها للتقدم العلمي الإسرائيلي.
الخيار النووي
يعود تطوير القدرة النووية الإسرائيلية إلى اعتبارين أساسيين في التصور الإسرائيلي : الأول، أن ميزان القوى العسكرية، ولاسيما العنصر البشري منه، سيكون في مصلحة العرب بمرور الوقت، ووفقاً لتطورهم العلمي والتقني. والثاني، أنه طبقاً للتجربة التاريخية لا يمكن الاعتماد على الضمانات الدولية للمحافظة على الكيان الصهيوني.
ومن الناحية العلمية، يجمع الباحثون في مجال الطاقة بأن إسرائيل تمتلك حالياً سبعة مفاعلات نووية، أهمها مفاعل ديمونة الذي أسس له أول رئيس وزراء إسرائيلي ديفيد بن غوريون في العام 1957، في منطقة صحراء النقب بالاتفاق مع فرنسا ، وقبل ذلك وفي عام 1949 تم إنشاء معهد وايزمان للأبحاث النووية، وقد جرت عدة محاولات لإيجاد طرائق جديدة لإنتاج الماء الثقيل واستخلاص اليورانيوم من الفوسفات، ويتوازى ذلك مع بناء وامتلاك السلاح الكيميائي بكافة أنواعه بما في ذلك المحرم دولياً.
وعليه تابعت الدولة العبرية الصهيونية نشاطها لجهة بناء مفاعلات نووية، ففي عام 1960 تم إنشاء مفاعل «ناحال سوريك» بالقرب من أسدود، بمساعدة أميركية. ويعتبر هذا المفاعل من المفاعلات القادرة على إنتاج البلوتونيوم، وسبق ذلك بناء مصانع لإنتاج الأسلحة الكيميائية بمعونات بريطانية، أما المواقع المختلفة للأسلحة النووية فهي:
أولاً : موقع «بالميكيم» للتجارب شمال سوريك، وهو مخصص لإجراء تجارب على الصواريخ النووية مثل صاروخ أريحا.
ثانياً : موقع «يوديغات» لتجميع الأسلحة النووية وتفكيكها.
ثالثاً : موقع «كفار ذكري ا» ويعتبر قاعدة للصواريخ النووية ويحتوي ملاجئ تخزين للقنابل النووية، وفي عيلبون شرق الجليل موقع لتخزين الأسلحة النووية التكتيكية الإسرائيلية.
رابعاً : موقع «بئر يعقوب» لبناء صواريخ أريحا ذات الرؤوس النووية.
إضافة إلى ذلك فإن إسرائيل استطاعت تشييد عشرة مصانع كيميائية، وأكثر المناطق ذات النشاط الكيميائي الإسرائيلي هما منطقتا حيفا وعكا، حيث تعمل شركة «حيفا كميكاليم» وشركة «وفرقاروم» وتتركز صناعة الذخائر الكيميائية في منطقة «بتاح تكفا» في حين تتركز صناعة الغازات السامة في منطقة «حولون» و«ريشون لتسيون».
وهناك مصنع لغاز الأعصاب في منطقة تل أبيب، وتنتشر مصانع لصناعة غاز الخردل وغيره، وصناعة الذخائر، وهناك برامج وخطط إسرائيلية، وموازنات ضخمة لتطوير المفاعلات النووية، والمصانع الكيمياوية الإسرائيلية، وتجري الخطط وعمليات البحث والتطوير في المجالات المذكورة بسرية كبيرة، رغم الإشارات غير المباشرة في الصحف، ومراكز البحث الغربية والإسرائيلية، لامتلاك إسرائيل الأسلحة الكيمياوية والنووية المتطورة.
والبرنامج النووي الإسرائيلي منذ الخمسينات، كان تحت إشراف وزارة الدفاع الإسرائيلية، ما يؤكد الطابع العسكري الذي يتسم به البرنامج المذكور، أي أن الخيار النووي، هو قرار سياسي إسرائيلي في الدرجة الأولى، للإخلال في التوازن مع الدول العربية. وكل الدلائل والمؤشرات تشي بأن إسرائيل تمتلك ما بين (100-200) رأس نووي بقدرات تدميرية متفاوتة، بما في ذلك قنابل نووية حرارية.
وقد أكد فريق صحافي في صحيفة «الصنداي تايمز» في أوائل التسعينات ذلك، فقد أكد مردخاي فعنونو الفني الإسرائيلي الذي حكم عليه بالسجن لمدة (18) عاماً ، من خلال صور ووثائق، وقالت الصحيفة المذكورة بأن إسرائيل ليست قزماً نووياً، ويجب على العالم النظر إليها، أي إسرائيل على أنها دولة نووية تتبوأ المرتبة السادسة في قائمة الدول النووية.
وساعدها في ذلك رفضها بدعم أميركي مطلق، التوقيع على معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، فباتت إسرائيل تمتلك سبعة مفاعلات نووية، وعشرة مصانع كيميائية، وفي هذا الاتجاه ولتعزيز مكانة وقدرة إسرائيل على الردع، تبرر الولايات المتحدة الأميركية ضرورة تفوق إسرائيل بالأسلحة الإستراتيجية غير التقليدية، للحفاظ على «أمنها وسلامتها في المستقبل».
وتبعاً لذلك، ساعد الموقف الأميركي إسرائيل بأن تصبح عضواً غير معلن في النادي النووي الدولي، شأنها في ذلك شأن الدول الكبرى دائمة العضوية في مجلس الأمن، بريطانيا، فرنسا، الصين، روسيا، الولايات المتحدة الأميركية.
سياسة الغموض
إن السلاح النووي وسياسة الغموض الإسرائيلي بهذا الخصوص يشكلان مصدر قلق لجميع الدول العربية ومنطقة الشرق الأوسط وعلى محيط دائرة واسعة تصل إلى باكستان شرقاً وشمال أفريقيا غرباً. ما يعني صعوبة التوصل إلى سلام شامل مع بقاء الترسانة النووية الإسرائيلية.
حيث تعتبر إسرائيل الدولة الخامسة من حيث امتلاكها السلاح النووي بعد كل من الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، والصين. حيث تمتلك الدولة الصهيونية قدرة نووية مرعبة، أضحت تفوق 200 ـ 300 رأس وقنبلة نووية معظمها محمول على متن قاذفات مقاتلة أميركية الصنع ترابط في مخابئ محصنة تحت الأرض في قاعدة تل نوف المبنية على أنقاض قرية عاقر الفلسطينية بالقرب من مدينة الرملة وسط فلسطين المحتلة عام 1948، وعلى صواريخ أريحا بأجيالها المختلفة والقادرة على الوصول إلى دائرة قطرها 1480 كيلومتراً.
فضلاً عن تحميلها على صواريخ لانس الأميركية ذات المدى الأقصر والموجودة في إسرائيل منذ العام 1976. وفي عام 1973 امتلكت الدولة العبرية نحو 20 صاروخاً نووياً، وطورت ما يعرف بالقنبلة الحقيبة، وفي العام التالي أقامت ثلاث وحدات مدفعية نووية تحوي كل منها 12 فوهة من عيار 175 مم و230 ملم، وفي العام 1984 امتلكت 31 قنبلة بلوتونيوم، وفي العام 1994 صنعت ما بين 64 إلى 112 قنبلة برأس حربي صغير.
وهذه القنابل والرؤوس النووية قادرة على إلحاق دمار شامل في الشرق الأوسط وفق اغلب المصادر الدولية المعنية. ومؤخراً قامت إسرائيل بتعديل صواريخ كروز حصلت عليها من الولايات المتحدة.
بحيث تستطيع حمل رؤوس حربية نووية في غواصاتها معطية هذه القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط القدرة على إطلاق أسلحة نووية من البر والجو ومن تحت البحر، حسبما قاله مسؤولون في إدارة الرئيس الأميركي بوش الابن وفي إسرائيل. وهذه القوة البحرية التي لم يكشف عنها من قبل تعزز إمكانات إسرائيل النووية.
وقد أفصح مسؤولان كبيران في إدارة بوش عن خطوة تعديل الصواريخ هذه كما أكدها مسؤول إسرائيلي. وقد تحدث الثلاثة مع «لوس انجلوس تايمز» عن ذلك، شريطة عدم الكشف عن أسمائهم.
من جانب آخر، فإن الدولة العبرية مازالت إلى الآن ترفض الانضمام إلى الوكالة الدولية للطاقة الذرية الهيئة الدولية المعنية بالإشراف على المفاعلات النووية ومراقبتها، وبالتالي فان منشآتها النووية غير خاضعة للتفتيش الدولي. في الوقت الذي كررت فيه سوريا على لسان الرئيس بشار الأسد دعوتها لإخلاء المنطقة من أسلحة التدمير الشامل.
مخاطر اليورانيوم المنضب
تظهر المخاطر النووية الإسرائيلية أيضاً من خلال قنابل اليورانيوم المنضب التي تحتوي على النفايات النووية التي تصدر عن المفاعلات النووية سواء السلمية أم العسكرية، وتعتبر هذه الأسلحة محرمة دولياً تبعاً للعديد من القرارات والآراء القانونية والعلمية، التي أكدت أن استخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب للأغراض العسكرية جريمة دولية، لكون الذخيرة تقع ضمن فئة « أسلحة الدمار الشامل» المحظورة دولياً وفقاً لقرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة ولجنة الأسلحة التقليدية.
وقد اعتبرت هيئة الأمم المتحدة، قبل أكثر من عقدين، أن إبرام اتفاقية حظر استخدام وإنتاج وتخزين جميع أنواع أسلحة الدمار الشامل، النووية والكيمياوية والبيولوجية،وتدميرها، من أولى المهام الملقاة على عاتق المجتمع الدولي.
وجددت لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، في دورتها لعام 1996، إدانتها لاستخدام ذخيرة اليورانيوم المنضب بوصفها من أسلحة الدمار الشامل، واعتمدت اللجنة الفرعية لمنع التمييز وحماية الآليات التابعة للأمم المتحدة، في دورتها 48/1996، القرار 16/1996،الذي أعربت فيه عن القلق من استخدام أسلحة التدمير الشامل،سواء ضد أفراد القوات المسلحة أو السكان المدنيين.وحثت فيه كل الدول على كبح جماح إنتاج ونشر الأسلحة التي تحتوي على اليورانيوم المنضب.
وتمثل النفايات النووية أحد أوجه المخاطر الإضافية الكبرى للسلاح النووي الإسرائيلي، حيث يمكن لها أن تحدث آثاراً مدمرة على البيئة بعناصرها المختلفة من أرض ومياه وكائنات حية، وبعض المعلومات المتوفرة وشبه المؤكدة تشير إلى قيام سلطات الاحتلال بدفن كميات كبيرة من المخلفات النووية تحت أعماق الأرض في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1967.
أخيراً، إن حكومات إسرائيل المتعاقبة، ومنذ مؤتمر مدريد للتسوية في الشرق الأوسط لعام 1991 وهي تطمح برزمة «أمن» سخية من الولايات المتحدة الأميركية تصل إلى عشرة مليارات من الدولارات الأميركية، تستكمل من خلالها الترتيبات الأمنية بشأن التسوية مع سوريا على جبهة الجولان.
وتشمل التمويل لنقل البنية العسكرية الإسرائيلية من الجولان وتفكيك جزء من المستعمرات وفق مساحات الانسحاب، وتحديث واسع للجيش الإسرائيلي خصوصاً في مسألة سلاح وأجهزة الاستخبارات والأقمار الاصطناعية المخصصة لأعمال ومهام الرصد والتجسس.