في جلسة اجتماعية جمعتني وإخوة أفاضل كنت أعرف بعضهم والبعض الآخر كان أول لقاء لي معهم، وبادرني أحد الذين تعرفت عليهم في تلك الجلسة بسؤال حول ابنه الذي شيب شعر رأسه وأنهكه بسبب عناده وكثرة مخالفاته. ولقد اعتدت على هذه الأسئلة كثيراً

وأصبحت مما يقدم لي مع الضيافة في أي مجلس، ولم تكن هناك مشكلة مع السؤال، لكن المشكلة التي تتكرر غالباً هو ما يختم به السؤال، وهو أن يذكر الأب تاريخه الناصع بالبياض أيام طفولته وفترة المراهقة التي لم يكن بأي حال من الأحوال يتصرف بها نفس تصرفات ابنه، فابنه لا يحترمه ولا يقدره كأب. فهل حقيقة لم يمر هذا الأب بهذه المرحلة؟ ولم يكن له تاريخ يشابه تاريخ ابنه؟ سألته هذه الأسئلة لأبين له أن ابنه طبيعي، وأنه يخطئ أخطاء المرحلة التي يعيشها، وأنها سلوكيات متوقعة.

وحاولت تذكيره بأنه كان مراهقاً في يوم من الأيام، ولا بد أنه قد بدرت منه بعض من هذه السلوكيات. ولكنه كعادة كثير من الآباء أنكر ذلك، وكم يتكرر علي هذا المشهد في حياتي. وفي غمرة دفاعه عن تاريخه ومراهقته، قاطعه أحد زملائه الموجودين بسرد قصص التمرد والمشاكل التي كان يثيرها ذلك الأب في مراهقته وكم كان والده منزعجاً منه، أخذ ذلك الشخص يبرر

ويحاول أن يلمع الصورة ولكن كثرة ما سرد زميله من مواقف وذكريات جعلت ذلك الأب مصدوماً من تاريخه الذي ظهر له في تلك اللحظة أنه «أسود» على حد رؤيته، وأنه هناك فقرات من فيلم حياته كانت مقطوعة وغير واضحة على الشاشة لديه.

هل تفاجأ ذلك الوالد حقاً من تاريخه؟

أعتقد، نعم، فلم أكن أشك في صدق ذلك الرجل وهو يقارن بين حياته وحياة ابنه. ولكنه لم يكن يتذكر إلا الصفحات المشرقة من حياته، وهذا ما نحب أن نتذكره دائماً، ولكن حينما نكون مربين لابد أن تكون ذاكرة أخرى، ذاكرة تجعلنا قادرين على أن نضع أنفسنا مكان أبنائنا، ذاكرة تمكننا حتى إلى الوصول للمشاعر التي كنا نشعر بها ونحن نتعامل مع والدينا ومعلمينا في تلك المرحلة، وتجعلنا قادرين على أن نفهم لماذا يتصرف أبناؤنا هذه التصرفات، وما الذي يشعرون به.

إننا ننسى تلك المشاعر وتلك السلوكيات برحمة من الله، فلو كنا دائمي التذكر لمشاعرنا تجاه الآخرين لما نجا أحد من بغض أحد. ولكننا أيضاً ننسى لأن حياتنا تصبح مع كثرة المشاغل والهموم كالطريق الطويل الملتوي الذي يصعب النظر إلى معالمه لكثرة منعطفاته، فضعفت قدرات الذاكرة عندنا لأننا نعيش الحاضر جداً بيد أننا في مثل هذه الحالة بحاجة إلى أن نعيش الماضي قليلاً.

ونحن ننسى لأننا نقارن حياتنا بحياتهم، فبينما كان الصراع بين الأب والابن في الماضي حول خروجه مع زملائه في رحلة برية، أصبح الصراع اليوم حول السفر مع زملائه إلى الخارج، وبينما كانت طلبات الطفل في تلك الأيام نوعا من أنواع الدراجات الهوائية أصبحت طلباته اليوم سيارة بورش أو فراري، فهو في ذلك الوقت يطلب وفي هذا الوقت يطلب وهو يشعر كما كنا نشعر حينما يرفض طلبنا. هو يريد أن يثبت رجولته وإذا كانت بنت فهي تثبت أنوثتها، ونحن كلنا في زمننا كل يثبت رجولته بطريقته الخاصة والبنات يثبتن أنوثتهن بطريقتهن.

فمن الضروري أن نعلم في هذه الحالة أن ما ينطوي من سلوكيات خاطئة تبدر من الابن خاضعة للمرحلة السنية التي يعيشها، وليس من العدل أن نقول ان جميع الناس يمرون بنفس المشاكل ونفس السلوكيات والمشاعر ولكن يدخل هنا مبدأ الفروق الفردية الذي يوضح لنا أسباب التفاوت التي تكون موجودة في سلوكيات الأبناء ومشاعرهم في مرحلة واحدة.

إن قدرتنا على وضع أنفسنا مكان أبنائنا وتذكر مراحلنا بتفاصيلها قليلاً يمنع الكثير من الاحتقان الداخلي والتشنج الخارجي الذي قد يصيبنا حينما يخطئ أبناؤنا، ويجعلنا قادرين على التماس العذر لسلوكهم، مع الحرص على تعديله وعدم تركه، فلا يعني أنه ضمن هذه المرحلة أنه لا يسعى إلى تعديله بل يحرص على ذلك، فإذا حرصنا على تعديل سلوكهم من خلال شعورنا بمشاعرهم، فسوف نستخدم الاسلوب الذي كنا نتمنى أن يستخدمه آباؤنا معنا حينما كنا نخطئ أو نزل.

مستشار تربوي وأسري

gulfeduc@yhoo.com