التعامل مع الفن التشكيلي بعد إنساني لا يجيده إلا العشاق، فعندما نتأمل واقع الفن التشكيلي نجد الكثير من الأسماء الفاعلة التي أخذت على عاتقها مسؤولية النهوض بالحركة الفنية التشكيلية، ومن هؤلاء فنان إماراتي يتميز بنسج الحلم وصوغ الواقع والخلط بين الإحساس واللون في هذا الفن، يملك العديد من اللوحات المعروضة في رحابة التشكيل عبر الحروفية، تلميذ بار بمعلمه الخطاط الكبير سيد إبراهيم، الذي جعله كالمارد بتشجيعه له ووضعه على أول درجة في سلم النجومية في عالم الخط العربي.
إنه الفنان التشكيلي الإماراتي محمد مندي، نائب مدير مؤسسة الثقافة والفنون في المجمع الثقافي مسؤول المرسم الحر، عضو جمعية الإمارات للفنون التشكيلية، حاصل على دبلوم الأوائل على مستوى جمهورية مصر العربية من مدرسة تحسين الخطوط العربية بالقاهرة عام 1977م، وعلى المرتبة الأولى في (الخط العربي) على مستوى الجمهورية، تتلمذ على يد الخطاط الشهير سيد إبراهيم «مصر»، ويعتبر مندي أحد أبرز الوجوه الإماراتية التي لمعت بعالم الفن التشكيلي بدولة الإمارات،ترعرع وسط عائلة فنية فيها الرسام والخطاط وغيرهما.
يقول مندي: إن بدايته كانت منذ الصغر حين تكون بداخله هاجس نحو الرسم وطريقة كتابة الحروف المتنوعة، حيث كان يلفت نظره براعة الخطوط العربية وطريقة كتابتها المتنوعة وتشكيلاتها المتعددة وأنواعه المختلفة إلى أن وجد بنفسه ميوله ورغبه لتعلمها، وبعزيمة وإصرار منه قرر محمد دراسة فنون الخط، ولعدم وجود معاهد مختصة اتجه لجمهورية مصر العربية والتحق بأكبر المعاهد الفنية لتعليم وتحسين الخطوط التي تخرج منها عام 1977، حاصلاً على دبلوم الأوائل على مستوى الجمهورية،
ثم أصبح يمارس هوايته في فن الخطوط ويتفنن فيها بإضافة بعض اللمسات التي تحمل بصمته الخاصة وأسلوبه المتميز الذي أعطاها طابعا خاصا وسط نخبة كبيرة من الفنانين التشكيليين، وبتشجيع من أهله ومن حوله احترف هذه المهنة ليصبح أستاذ الفن التشكيلي الإماراتي له لمساته الخاصة المتميزة.
مسيرته التعليمية
وأوضح الفنان مندي انه تعلم على يد أكبر أساتذة الخطوط، الأستاذ سيد إبراهيم الذي كان له الفضل في دعمه وصقل موهبته وتوجيهه لتعلم فنون الكتابة العربية الأصيلة،حيث تعلم على يديه فنا وأخلاقا فكان الوحيد الذي يطلعه على رسائله الخاصة التي كان يرسلها له هاشم البغدادي وغيره من رواد الخط والأدباء والشعراء العرب،مشيراً إلى أنه اقتبس منه شدة الافتخار بعلاقة التلميذ بأستاذه، وتذكر قوله له (سيأتي يوم لا تتاح لكم فيه فرصة التدريب خاصة في زمن غلبت عليه الماديات وظروف العمل والمعيشة الصعبة)،
ففي بداية دراسته قدم له امتحان تحديد مستوى لاختبار قدراته الفنية في الخط، حيث اندهش الأساتذة خلال التقييم بمستواه العالي التي تتمثل بقدرات الفنان التشكيلي المبدع،وتمكن مندي على دراسة الخط خلال سنتان رغم أن الدراسة المقررة ست سنوات، ولم يكتف بالتعلم من دروس المعهد فقط، بل كان يأخذ دروسا إضافية مكثفة ببيت الأستاذ السيد الذي علمه الكثير من أسرار الكتابة.
مجال العمل
وبين انه مارس كتابة الخط العربي في الصحف والمجلات، وله تجربة متميزة في مزاوجة الخط بالرسم، كما شارك في مسابقة الخط العربي باسم «حمد الله الآماسي» وكان ترتيبه الأول في الخط الكوفي على مستوى العالم، حيث نال الجائزة التقديرية الثالثة على لوحة بالخط الكوفي حملت الآية القرآنية «فول وجهك شطر المسجد الحرام وحيث ما كنتم فولوا وجوهكم شطره».
ومن الملاحظ في أعمال مندي كما ورد في كلامه استلهامه للقرآن والحديث والشعر العربي والتفنن في كتابتها في أشكال فنية جذابة تجمع بين الذوق الرفيع والفن البديع، حيث قام بعمل لوحة ضمن خلالها حديث الرسول صلى الله عليه وسلم «الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة» حيث شكل هذا الحديث على شكل خيل، بمعنى أنه جمع بين الفن التشكيلي والخط العربي وبين الشكل والمضمون، وأيضا بكتابة بعض الآيات القرآنية وشكلها في شكل الكعبة المشرفة، وحولها الحجاج وهم يطوفون حولها.
وقال الفنان «مندي» انه خطط عملة دولة الإمارات الورقية الحالية، بجميع فئاتها، كما قام بكتابة ثماني آيات قرآنية بمسجد المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان والمعروف باسم «المسجد الكبير». نالت أعماله العديد من الجوائز، وهو يعمل حالياً في المجمع الثقافي كنائب مدير مؤسسة الثقافة والفنون ومسؤول المرسم الحر.
وفي سنة 1982م التحق مندي بوزارة الإعلام بدولة الإمارات، كرئيس قسم الفن التشكيلي، وقتها مارس مندي عمله كفنان تشكيلي له لمساته الإبداعية بعمله، وقال إن أهم أعماله المعروضة في بيت الشيخ سعيد آل مكتوم بدبي «مارس 2000»، فإلى جانب استمراره بتكبير وتصغير بعض الحروف والكلمات وتوشيتها بنصوص من تحتها وفوقها، وتنويع ألوانها، لجأ إلى أشغال سطح اللوحة، بتدرجات لونية شفافة، توضع ضمن أخاديد، تتبعثر كضوء الشمس حول الكلمة والنصوص، أو تتمايل كلهب الشمعة، في خط مستقيم، وقد يزرع فراغ اللوحة، بالأزاهير والورود، وفقاً للمعنى الذي توحي به الكلمة والنصوص المتناولة في هذه اللوحة.
ويفتخر مندي بنفسه لرفع اسم بلده من خلال هذه الموهبة، وقال: عن بدايته وتطوره في الخطوط إنه كان يأخذ الخط بروحه الكلاسيكية، ثم أنزل عليه إيقاعات لونية هندسية، محولاً إياه إلى لغة بصرية إعلانية فيها خصخصة من الفسيفساء والعمارة الإسلامية، وقد كانت لوحته في هذه المرحلة مشغولة السطح بكامله، بالخطوط وعناصر الزخرفة الهندسية والنباتية. ثم انتقل إلى نوع من التوزيع المتكافئ، بين كتل الخط والزخرفة، وبين الفراغ الذي تركه أبيض في البداية، ثم شغله باللون المتدرج الشفاف.
ويطمح مندي بمعهد خاص بالخطوط تابع لوزارة التربية والتعليم يشرف على إدارته لتعليم الأجيال أسس ومبادئ الخطوط العربية، كما يأمل بإنشاء متحف خاص بلوحاته وأدواته وكل ما يتعلق به كفنان تشكيلي، ولعل أبرز ما يحلم به مندي بناء مسجد يحمل طابعا إسلاميا خاصا مزخرفا بريشته الخاصة.
وشارك الفنان في العديد من المعارض الشخصية والمشتركة في دولة الإمارات العربية والعديد من الدول الأخرى منها الهند، فرنسا، إيطاليا، الأردن، الكويت، قطر.
ما لم يتعلمه أحد
أوضح محمد مندي أن للخطوط قواعد وأسسا لابد علينا التقيد بها وممارستها، فالألف في خط النسخة يختلف ارتفاعها عن الألف في خط الرقعة أو الكوفي أو غيره، فخلال دراسته على يد هؤلاء الأساتذة تعلم ما لم يتعلمه من قبل، فكل عمل له أسس ومبادئ علينا التقيد بها ولا مانع من إضافة لمسات خاصة ولكن دون الخروج عن تلك الأسس.
ويقول مندي، انه في قديم دورة تعليمية تعلم الأطفال فنون الخطوط وأنواعها، وذلك من خلال صفحتين خصصتا له بمجلة الأطفال التي تصدر من مجلة المرأة اليوم، ويحرص مندي على ضرورة تعلم فنون الخط منذ الطفولة، كما لابد أن نعطي لأبنائنا خلفية واسعة بمدى أهمية تعلم قواعد الخطوط الأصيلة لتكون واضحة بذاكرتهم ويهتمون بها حتى الكبر، فما يثير العجب الأجانب يهتموا بالخطوط العربية وروعتها أكثر منا كعرب ؟!، فعلينا المحافظة عليها وحمايتها.
كما ينظر مندي، أن الكتابة كالرسم، رغم أن هناك اختلافا بينهما، ولكن كما يراعي الرسام الإتقان في رسوماته لابد على الخطاط أيضا أن يكون دقيقا بكتابته، فمندي يستخدم القصب الخشبي المستخرج من غابات إيران في تشكيل لوحاته التي تقارب الألف لوحة.
ويرى مندي، أن كل شي في الحياة يحتاج وقتا وجهدا، كما لابد على الجميع أن يحافظوا على هواياتهم، ويسعون جاهدين على تطويرها بأنفسهم، كأن يبدعون بها ويحاولون أن يدخلوا لمسات تعطي العمل طابعا خاصا يميز الفنان عن غيره
أبوظبي ـ أفراح الجنيبي


