الوسائل التعليمية غير التقليدية أضحت السمة البارزة والعائمة على سطح الميدان التعليمي الحالي، والتي تأتي تزامناً مع تكثيف الجهود من الجهات المسؤولة للنهوض بالتعليم العام في مدارس الحكومة، والسير مع أساليب حديثة تزيد من ارتباط الطالب بمدرسته وتهيئ له أجواءً تعليمية أكثر عمقاً ومرونة.

وبعد أن تناول أحد الملتقيات لمجموعة من المعلمات أسلوب التعلم باللعب كواحد من أبرز الأساليب المتبعة، دارت في محافل تعليمية أخرى قضية مسرحة المنهاج كآلية متبعة من أجل تعليم شيق ومجدٍ، فهنا وهناك تبرز ملامح متنوعة، همهما الأكبر انتشال العملية التعليمية من سباتها التقليدي، وإيصالها إلى المكانة التي يمكن للطلبة حينها تقبلها والسير معها.

وحديثاً برز أسلوب آخر من أساليب تحديث التعاطي مع المنهاج الذي مل رتابة وروتين العلاقة بين المعلم والطالب وفق منهاج يخضع لأسلوب واحد يتكرر منذ سنوات، كما يقول أصحاب ومروجو مثل هذه الأفكار المبتعدة عن النمطية، لا سيما وأن المردود يبقى أكثر إيجابية في حال خلط شيء من البهارات الحديثة مع (طبخة) التعليم التقليدية.

التعليم بالبيئة المجسمة واحد من هذه البهارات، وقد خلصت إليه معلمتان بعد سنوات الجمود في التعامل مع كتاب التدريس المتكرر، إذ أن الأساليب الحديثة من التعليم تبقى طريحة الاجتهاد للعاملين في الميدان الذين يحددون الطريقة المثلى التي يتعاملون بها مع طلبة ألزمتهم ظروف محددة بالبقاء في خانة المتلقين، إلا في قليل من الحالات الخارجة عن مثلث التلقين والحفظ والاسترجاع.

أصحاب القرار والمسؤولون في الوزارة ومنهم معالي الدكتور حنيف حسن وزير التربية والتعليم لا يجدون حرجاً في أن تجتهد الإدارات والهيئات التدريسية بالمدارس من أجل توفير ما هو أصلح لطلبتهم، وإن كانت في أساليب حديثة لم يعتدها الميدان التربوي، فكل مبادرة مرحب فيها ما دامت تصب في الصالح العام وتعود بالنفع على أبنائنا المتعلمين.

وفي المقابل وكما يوضح أصحاب هذا الرأي المجدد للعملية التعليمية فإن مثل هذه المبادرات غير التقليدية بحاجة إلى إمكانيات تقيها شر الاندثار.

وتبقي روح العطاء والابتكار فعالة عند أصحابها، إذ تبدو الإمكانيات هي السبيل الوحيد والأهم في الحفاظ على مبادرات تبدو للوهلة الأولى غير ممكنة عملياً، فنمو ونضوج هذه الأفكار غير العادية يتطلب مزيداً من الجهود، ولكنها تمنح العملية التعليمية بعداً آخر إيجابياً وتجعلها نموذجاً مرغوب فيه.

معلمتا اللغة العربية في مدرسة قرطبة للتعليم الأساسي (الحلقة الثانية) في دبي عوشة بلال وبثينة عيسى، خلصتا قريباً إلى مشروع تعليمي حديث العهد في مدارسنا، والذي يتمثل (بالتعليم بالبيئة المجسمة)، وهو أسلوب حديث له مزايا إيجابية كبيرة، لا سيما في كونه يجعل من الدرس وكأنه متحف أو معرض فني لا تمل الطالبات الاستمرار معه أو التعرف على أدق تفاصيله.

أحد دروس القراءة في اللغة العربية كان البرهان على نجاح مثل هذه الأساليب في الواقع التطبيقي، وهو درس بعنوان أميرة الصحراء، والذي يتحدث عن التوعية بأهمية شجرة النخيل في بيئة الإمارات المحلية وفوائدها، إذ سعت الطالبات وبالتعاون مع أولياء الأمور إلى تجسيد الحديث المكتوب عن النخلة في كتابهن المدرسي إلى واقع ملموس بكل ما فيه من أشكال وفنون لغوية.

وتضيف عوشة إن الدرس يعرِّف النخلة بأنها رمز الحياة خصوصاً في المنطقة الصحراوية، لا سيما وأن منافعها كثيرة وتدخل في كثير من الجوانب في حياة الأفراد، وتم خلال العرض تجسيد فقرات الدرس بأسلوب مجسم ومفسر لجميع مفرداته وما يترتب عليه من إملاء ونحو وحفظ وغيرها من الأمور.

وأشارت إلى أن الحصة تتم عبر هذا المعرض الذي يوفر بمجسماته كماً من المعلومات يضاهي ما تشرحه المعلمة، وفوق ذلك فإن المعلمات ترافقن الطالبات ويشرحن لهن عن كل صغيرة وكبيرة تمس الموضوع أو تساهم في زيادة الفهم والاستيعاب.

وبالنسبة لأركان الدرس المختلفة قالت معلمة اللغة العربية إنه ومن خلال الشرح المرافق لتفقد الطالبات فقرات المعرض يكون هناك شرح واف فيه جميع اركان اللغة المطلوبة، مثل التذوق الجمالي والقواعد والتعبير والأسلوب القصصي، علاوة على شرح مكتوب يتم عرضه عبر «البوربوينت».

أما فائدته فهي كبيرة جداً وتفوق المجهود الذي بذلته الطالبات ومعلماتهن، كون الفرق في الفائدة والاستمتاع ملموسة وواضحة بين الشرح وفق الأسلوب التقليدي أو أسلوب البيئة المجسمة.

وأن الأخير يعمل على تخزين أو ترسيخ المعلومات في ذهن الطالبة بطريقة لا تنسى أبداً، علاوة على أنه أسلوب جديد ومشوق يجعل الطالبات يندمجن ويقبلن على المشاركة والعمل، الأمر الذي يعكس فائدة كبيرة.

وبالنسبة لهذا الأسلوب التعليمي هو حديث العهد ولم يسبق أن عملت به أية مدرسة، والمعلمتان عوشة وبثينة هما صاحبتا هذه الفكرة التي ثبت نجاحها وتقبلها من الطالبات، وكما تقولان فمن الممكن أن يصبح هذا النهج متبعاً في كثير من الدروس التي يمكن تجسيمها والتعلم من خلالها، لا سيما في المواد العلمية التي تصلح لتكون بيئة مجسمة أكثر من غيرها.

وهذا النوع من التعليم يتطلب جهوداً مضاعفة من الطالبات تحديداً واللائي يبحثن في الانترنت عن المعلومات الكافية لتجسيد الفكرة المعنية، ثم يرتبن المعرض بصورة مناسبة للتعلم تحت إشراف ومتابعة المعلمة، وهذه الأمور تحافظ على قدر كبير من الفائدة، فالفرق واضح بين التعلم التقليدي والتعلم عبر البيئة المجسمة.

وتقول معلمة اللغة العربية أنها تطبق هذا النمط من التعلم قدر المستطاع، ففي الفصل الأول تم تجسيد درس تحدث عن السم الأبيض وهو المخدرات.

ومن خلال المعرض تطرقت المجسمات إلى الأضرار التي يذكرها الدرس والأسباب المؤدية للوقوع في هذا المنحدر عبر رسومات ومجسمات منفرة وقاسية يرفضها المجتمع، وكان لذلك بالغ الأثر في نفوس الطالبات اللواتي أبدين اهتماماً كبيراً في معرفة أضعاف ما يوفره لهن الدرس المكتوب.

وما يتطلبه هذا الأسلوب التعليمي الحديث بشكل أساسي مساحة كافية لعرض أركان الدرس، إضافة إلى الإمكانيات المادية ثم الإرادة الصادقة في البذل والعطاء كما توضح صاحبتا الفكرة، فإن وجدت هذه الأركان سيكون من السهل السير مع هذه الأساليب التي يحتاجها الطلبة، كونها تزيح عنهم شيئاً من الملل.

وتبقيهم في مساحة أكثر اتساعاً حول الحدث أو الدرس محور الحديث، وتمنحهم المشاركة والفاعلية في التعلم، لا سيما وأن الاتجاهات تسير هذه الأيام نحو التعلم غير النمطي الذي يرتكز على الطالب بشكل أكبر.

دبي ـ عنان كتانة: