لا شيء يبشِّر بالخير في التطوُّرات الجارية على أرض فلسطين، وفقاً لما تذهب إليه هذه الحلقة من كتابنا، الذي يلقي الضوء على واقع التوجهات المسيطرة على عقلية القادة الصهاينة، الذين يديرون دفة الأمور في كيانهم المصطنع.
. تلك العقلية الماضية قدماً في سحق أدنى الحقوق الوطنية الفلسطينية عن طريق سياسات عنصرية محضة لا لَبس في هويتها، لكنها سياسات تستند إلى منطق القوة، لا قوة المنطق، الذي يطلق العنان لممارسات تعسفية مثل بناء جدار العار ومصادرة المزيد من الأراضي الفلسطينية ومواصلة عمليات الإبادة الجماعية بحق الشعب الفلسطيني.
ومحاولات إجباره على الرحيل عن أرضه المقدَّسة أو إبقائه حبيساً في غيتوهات مغلقة لا متنفس لها إلا بمقدار ما تشاء قوات الاحتلال وقادة الدولة العبرية، الماضون في تجاهلهم واستهزائهم بأي مبادرة سلام مطروحة، حتى لو جاءت من حليفهم الاستراتيجي القابع في البيت الأبيض الأميركي، الأمر الذي لا ينذر إلا باستمرار دوَّامة العنف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي عموم الشرق الأوسط.
بعد عقد اتفاقات أوسلو في 13 مارس 1993، حاولت إسرائيل فرض الأمر الواقع على الأرض عبر النشاط الاستيطاني المحموم، ومن أهم النشاطات كان الاستمرار في بناء الجدار العازل.
حيث بات من المؤكد أن إسرائيل أنهت بناء قسم كبير من جدار الفصل العنصري الإسرائيلي مع أفول شمس العام 2005، وقد صادر الجيش الإسرائيلي من أجل الأعمال المباشرة في البناء 16 ألف هكتار من الأراضي الفلسطينية تمثل نحو 5 ,2% من مساحة الضفة الغربية.
وتشير الدراسات الفلسطينية الصادرة عن مراكز البحث المتخصصة بأراضي فلسطين إلى أن الجدار سيبتلع في نهاية المطاف 58% من مساحة الضفة الفلسطينية، بحيث تصبح في الجانب الإسرائيلي من خلال نقل مسار الخط الأخضر شرقاً في عمق الضفة الغربية، وتبقى المساحة المخصصة للدولة الفلسطينية المطروحة في خارطة الطريق 42% من مساحة الضفة الغربية بعد استبعاد مساحة القدس الشرقية التي تشكل نحو ربع المساحة الإجمالية للضفة الغربية.
إن السلطات الإسرائيلية تسعى لتحقيق أهداف ديموغرافية من وراء بناء الجدار، تتمثل بداية في عزل القسم الأكبر من سكان الضفة والقطاع 5,3 ملايين فلسطيني عن أهلهم داخل الخط الأخضر.
ومن جهة أخرى وللإطباق على مدينة القدس، أعلن في إسرائيل بداية العام 2006 عن خطة إسرائيلية لإقامة 20 ألف وحدة استيطانية، وتمنح وزارة المالية الإسرائيلية 23 ألف دولار للعائلة اليهودية التي توافق على تنفيذ المخطط المذكور.
ويرمي هذا المخطط إلى تهويد المدينة ديموغرافياً وجغرافياً وتغيير ملامحها العربية، هذا في وقت دعت فيه قوى سياسية إسرائيلية، إلى طرد 220 ألف فلسطيني من أرضهم في القدس الشرقية.
وبشكل عام، فإنه في الوقت الذي تدعي فيه إسرائيل بأنها دولة الديمقراطية والحريات في الشرق الأوسط، إلا أنها في حقيقة الأمر تمثل دولة التمييز العنصري من الطراز الأول، فالتمييز العنصري الموجه ضد الجماهير العربية في المناطق المحتلة عام 1948 يفصح عن نفسه من خلال التمييز في التعليم والصحة والقوانين والضرائب.
وتبعاً لذلك فإن العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر لا يملكون سوى 3% فقط من المساحة التي أقيمت عليها إسرائيل، هذا في وقت أصبحت نسبتهم تمثل نحو 18% إلى 19% من إجمالي السكان في الدولة العبرية.
والمتتبع للشأن الإسرائيلي بشكل عام يلحظ أنَّ هناك جدراناً عنصرية إسرائيلية عديدة تجاه العرب داخل الخط الأخضر وفي الضفة والقطاع، سبقت البدء في بناء جدار الفصل العنصري الإسرائيلي الذي سيبتلع المزيد من أراضي الضفة الفلسطينية .
ويوسع الخط الأخضر باتجاه الشرق لتقويض أي فرصة لإنشاء دولة فلسطينية على كامل مساحة الضفة والقطاع البالغة اثنان وعشرون في المئة من مساحة فلسطين التاريخية من جهة، ويحد من خطر الهاجس الديموغرافي الذي أرقَ المخططين والاستراتيجيين في إسرائيل من جهة أخرى.
المناعة الهشة
تكمن الأهداف الرئيسية من وراء انعقاد مؤتمرات «هرتسيليا» السنوية في البحث عن المخططات والسياسات التي يوصى بها من قبل المجتمعين من استراتيجيين إسرائيليين وغيرهم، لمواجهة التحديات التي تواجهها إسرائيل وفق تقارير مسبقة من مراكز بحث إسرائيلية، مثل مركز «جافي» في تل ابيب.
وغيره من المراكز في الجامعات، ومراكز الأحزاب الإسرائيلية المختلفة، فضلاً عن المراكز الخاصة في الكيان الصهيوني التي يصل عددها إلى عشرين مركزاً، ويعقد المؤتمر السنوي تحت شعار ما يسمى بتفحص المناعة والأمن القومي في إسرائيل.
وفي المؤتمر الخامس الذي عقد في «هرتسيليا» خلال الفترة الممتدة من الثالث عشر من ديسمبر إلى السابع عشر من نفس الشهر من العام الجاري 2004، تم التركيز على وثيقة مهمة تطالب بإنشاء قناة فضائية إخبارية إسرائيلية تبث باللغتين العبرية والإنجليزية تكون قادرة على مواجهة الصورة التي تنقلها بعض الفضائيات العربية، وخاصة الجزيرة، التي ينتشر مراسلوها في كل مكان ومن قلب الحدث، حيث استطاعت نقل صورة ممارسات الجيش الإسرائيلي وقتله بدم بارد مئات الأطفال الفلسطينيين.
وأكدت الوثيقة التي أعدها معهد «تخطيط الشعب اليهودي» التابع لمؤتمر «هرتسيليا» على أنه في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى في يوم الخميس 28 سبتمبر 2000، تم فضح صورة إسرائيل وممارساتها إزاء الفلسطينيين العزل.
وقد نجحت قناة الجزيرة في ذلك على مدار أربع سنوات من الانتفاضة،ودعت الوثيقة المؤتمرين في «هرتسيليا» إلى ضرورة البحث والعمل لنشر اللغة العبرية في الجامعات الكبيرة في العالم، والقيام بنشر الثقافة العبرية من أدب وشعر وتراجم في كافة المراكز البحثية في العالم خاصة في أوروبا والدول العربية أيضاً.
وتحتم الضرورة ـ كما جاء في الوثيقة ـ الإسراع في العمل من أجل تجميل صورة إسرائيل في الإعلام الدولي، وكذلك أهمية مشاركة إسرائيل في مؤتمرات البيئة الدولية في العالم، ولكن دون الإشارة إلى ترسانتها النووية وحقوق العرب المهدورة في فلسطين في ظل تمييز عنصري إسرائيلي واضح المعالم ضدهم منذ عام1948.
ويشار إلى ان مؤتمر هرتسيليا الرابع، الذي عقد تحت نفس العناوين نهاية عام 2003 ركز على ما يسمى الهاجس الديموغرافي اليهودي بفعل تطور عدد الأقلية العربية في داخل الخط الأخضر ليصبح أكثر من مليون فلسطيني في عام 2003، مقابل 156 ألفاً في عام 1948.
وكان وزير المالية آنذاك بنيامين نتانياهو ووزير الصناعة ونائب رئيس الوزراء الإسرائيلي أيهود أولمرت من أشد المنادين لوضع خطط وتنفيذ سياسات محددة للحد مما يسمى بالخطر الديموغرافي للعرب داخل الخط الأخضر وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967 على حد سواء، وانصبت الدعوات الى عزل الفلسطينيين في كانتونات في الضفة الغربية من جهة.
و جعل العرب هامشيين في الحياة الاقتصادية والاجتماعية وبالتالي في الحياة السياسية داخل إسرائيل، ويشير الدكتور عزمي بشارة إلى أن إسرائيل طبقت سياسات خاصة منذ الستينات لجعل حياة الفلسطينيين هامشية بالنسبة للمجتمع اليهودي في فلسطين المحتلة.
وقد حدد الأكاديمي والسياسي الفلسطيني ذلك بما عرف بمصطلح الأسرلة الذي يهدف في نهاية المطاف إلى شطب هوية الأقلية العربية والانقضاض على ما تبقى لها من أرض الآباء والأجداد.
ويمكن التأكيد على أن سياسة إسرائيل نجحت إلى حد ما في ذلك، فبالرغم من أن العرب يشكلون نحو 18% من السكان بيد أنهم لايستأثرون إلا بنحو 3% من المساحة عام 2004، لكن بفعل الوعي السياسي للأقلية العربية ورموزها وقادتها، بات الخطاب السياسي للعرب داخل الخط الأخضر عبر الأحزاب العربية.
واضح المعالم منذ منتصف السبعينات يتركز على قضايا مطلبية آنية لتحسين الشروط المعيشية وقضايا وطنية عامة، من أهمها دعم توجهات أهداف الانتفاضة في إقامة دولة فلسطينية وعاصمتها القدس الشريف، وكذلك دعم حقوق اللاجئين وآمالهم في العودة.
وتبقى الإشارة إلى ان كافة المؤتمرات التي عقدت في هرتسيليا ركزت على عقدة الأمن الإسرائيلية، فالأمن هو الهاجس الأكبر للكيان الصهيوني منذ إنشائه في ظروف طافرة معاكسة لمنطق التاريخ عام 1948، فالأمن هو الركيزة لنمو اقتصادي حقيقي، فضلاً عن كونه عاملاً من عوامل الجذب الأساسية ليهود العالم باتجاه فلسطين المحتلة.
ترسيخ الاستيطان
على الرغم من إتمام الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة وتفكيك المستوطنات التي تعتبر من أهم معالم الاحتلال، إلا أن الجرافات الإسرائيلية استمرت بعملها في مدينة القدس لفرض وقائع ديموغرافية على الأرض يصعب الانفكاك عنها من جهة، ويتم من خلالها محاصرة آمال الفلسطينيين السياسية من جهة أخرى.
قبل فترة من إقرار الكنيست لخطة الفصل الأحادي، كان رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلي أرييل شارون قد أعد التعديلات الأولية على خريطة الطريق الأميركية للتسوية على المسار الفلسطيني ـ الإسرائيلي، آخذاً بعين الاعتبار مجموعة من العناوين الجوهرية التي تنسف الخطة، على ما فيها من مساوئ، ولم تقف مسبحة التعديلات عند حدود ما قبل الحرب، فانتقل شارون آنذاك إلى طرح تعديلات إضافية تهبط بالخطة نحو الحضيض.
فالتعديلات الأساسية التي قدمها شارون على خريطة الطريق، تزيد عما كان سبق أن تم طرحه قبل وفاة الرئيس عرفات، فغاب التصور السياسي الأميركي للتسوية بحدوده الدنيا عند شارون وحلت مكانه «ثوابت صهيونية تامة» وعناوين جامعة لأقطاب وزارة شارون الائتلافية، تقوم على رفض حق العودة الفلسطيني.
ورفض المساس بـ «يهودية وصهيونية المدينة المقدسة، في إطار «القدس الكبرى» وكل ذلك مقابل ما أسماه شارون «تنازلات مؤلمة بصدد الاستيطان» ومقايضة هذا التنازل» على حق العودة الفلسطيني.
وزاد من اتساع فضاء رؤية شارون ما أدلت به كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الأميركية في زيارتها الأولى وتصويرها تفكيك مستعمرات في قطاع غزة، باعتباره المقياس والدالة على نوايا شارون الايجابية.
وفي الواقع الحالي، تشكل مستعمرات الضفة الغربية ما نسبته 91% من مجموع المستعمرات المقامة فوق الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وما نسبته 86 ,92% من مساحة المنطقة العمرانية للمستعمرات إذا ما استثنينا المستعمرات المقامة داخل مدينة القدس ومحيطها. حيث تضم محافظة القدس أكبر عدد من المستعمرات وعددها 84 مستعمرة.
كما أنها تضم المساحة الكبرى من حيث الأراضي الاستعمارية والبالغة 45615 دونماً، أي ما نسبته 14,56% من مساحة المنطقة العمرانية للمستعمرات في الضفة الغربية، لتكون نسبة مساحة المستوطنات بالنسبة لمساحة اللواء 76,5% في القدس.
وهذه أعلى نسبة مسجلة قياساً للمدن والمحافظات الباقية في الضفة الغربية. ويلي محافظة القدس في ذلك محافظة نابلس التي بلغت مساحة المنطقة العمرانية للمستعمرات فيها 20638 دونماً، أي ما نسبته 71 ,27 % من إجمالي مساحتها في الضفة الغربية، ثم يلي ذلك محافظة الخليل.
أما بالنسبة لمساحة المستعمرات بالنسبة لمساحة اللواء (المحافظة)، فهي أعلى ما تكون في لواء القدس بنسبة 76, 5%، ثم رام الله بنسبة 89,1%، ثم نابلس بنسبة 6 ,1%، ثم بيت لحم بنسبة 4, 1%.
كما تضم القدس عدداً كبيراً من مستوطنات الفئة الأولى التي تزيد مساحتها على أكثر من 1500 دونم، كمستوطنات جيلو، عوفر ومعاليه أدوميم، هذا إضافة لمستعمرة جبل أبو غنيم التي قاربت على الانتهاء.
من جانب آخر، يمكن تلخيص وضع مدينة القدس الكبرى (الشرقية + الغربية)، التي تقارب مساحتها ربع مساحة الضفة الغربية، وتحديد الخارطة السكانية فيها وفق التالي : يعيش حالياً في إطار القدس الكبرى 125,1 مليون نسمة، 46% منهم يهود ونسبة 54% من العرب الفلسطينيين.
وثمة في حدود القدس الغربية المحتلة عام 1948 غالبية يهودية واضحة تبلغ 90%، غير انه يوجد في مناطق الضفة الغربية الواقعة في إطار القدس الكبرى (ضواحيها) غالبية عربية نسبتها 85%. وحسب التقديرات الإسرائيلية.
وفق تقارير »معهد القدس لأبحاث إسرائيل«. سيصل عدد سكان القدس الكبرى عام 2010 إلى حوالي 8, 1 مليون نسمة، منهم 870 ألف يهودي، أي ما نسبته 48%، وما مجموعه 930 ألف عربي.
ولكن مع كل هذا وذاك، فإن الرضوخ الإسرائيلي، وتحديداً باني المستعمرات، وأبو اليمين العقائدي التوراتي لمنطق ما صنعته المقاومة والانتفاضة الفلسطينية على الأرض.
ولمنطق الإرادة الدولية التي اعتبرت الاستيطان الإجلائي التهويدي مخالفاً للقانون الدولي، يعبر في جانب مهم منه على تراجع ولو بطيء في الفكر الفلسفي الصهيوني، القائم على تكريس الحقائق والتوسع، وعليه، ومن هنا فتفكيك المستعمرات في قطاع غزة مسمار أول في نعش الفكر التوسعي الصهيوني أيا كانت الحسابات.
الانسحاب الأحادي
بالنسبة لقطاع غزة، فان الكثافة السكانية العالية التي تصل داخل المخيمات العشرة (النصيرات، البريج، المغازي، الشاطئ، جباليا، خان يونس، رفح، دير البلح، الشابورة، )المقامة على امتداد القطاع الى ألف شخص في الكيلومتر المربع الواحد.
وضيق مساحة القطاع البالغة 365 كيلومترامربعا، لعبا دوراً مهماً في الحد من الاندفاع الصهيوني التوسعي لاستعمار وتهويد مناطق القطاع، فضلاً عن وجود الكثافة العالية من اللاجئين الفلسطينيين داخل مجتمع فتي تصل نسبة من تقل أعمارهم عن 16 عاماً إلى 60% من نسبة السكان، يشكلون «القنبلة الموقوتة» في مواجهة المستوطنين.
ومع هذا، فقد تم إنشاء أول مستعمرة في القطاع سنة 1970، ثم بدأت السبحة تكر في سياق تفتيت الوحدتين الجغرافية والديموغرافية للقطاع، فأنشئت المستعمرات (قليلة السكان) كأوتاد عسكرية متقدمة ومغروسة في ثلاثة قطاعات من مناطق قطاع غزة، إلا أن المقاومة والانتفاضة والديمغرافية الفلسطينية انتصرت في قطاع غزة.
ففي غزة يعيش أكثر من مليون وثلاثمئة وخمسين ألف فلسطيني يضاعفون عددهم في كل جيل، والحقائق الديمغرافية كانت معروفة من قبل توجه أول مستوطن للسكن على أراض تجمع مستعمرات غوش قطيف وسط قطاع غزة.
وحينها قال قائد قوات جيش الاحتلال في غزة، العميد يتسحاق سيغف «ان اسرائيل لن تتمكن ببساطة من الاحتفاظ بالقطاع». شارون صده مثلما صد محاولة عضو الكنيست عمرام متسناع لاشتراط الانسحاب من غزة ووضعه في مركز الحملة الانتخابية في عام 2003.
ومع هذا، فقد وصل عدد المستعمرات في القطاع إلى 21 مستعمرة، بنيت معظمها في الفترة ما بين 1977 - 1991 وهي فترة وجود تكتل الليكود على رأس الحكم في الدولة العبرية. وتشكل مساحة المستوطنات في القطاع ما نسبته 62% من مساحة القطاع، بواقع سكاني لم يزد في أفضل أحواله عن 22 ألف نسمة.
وشهد هبوطاً متسارعاً، فوصل في السنوات الأخيرة إلى ثمانية آلاف نسمة فقط، جلهم من عتاة التطرف من يهود الولايات المتحدة الأميركية. وتستهلك المستعمرات إياها ما يقارب من 60% من مياه الشفة المستخرجة من الآبار الجوفية في القطاع، بينما يستهلك مليون وثلاثمئة وخمسين ألف فلسطيني الـ 40% الباقية من مياه الشفة المستخرجة من الآبار الجوفية.
لقد منع قطاع غزة، وسواعد الغزاويين من أبناء الانتفاضة والمقاومة، جفني إسحق رابين من النوم المريح، فكم أصابه الأرق الطويل والمضني جراء فعل الانتفاضة في مناطق القطاع، وتعاظم دور الجيل الصاعد خصوصاً من أبناء اللاجئين في اقتحام ومهاجمة المستعمرات في القطاع.
فقد شهد القطاع أكثر من 600 عملية فدائية لاقتحام المستوطنات والاشتباك حولها في الانتفاضة الراهنة. ومن هنا حلم شارون كما كان يحلم رابين بأن يصحو يوماً ويرى البحر وقد ابتلع قطاع غزة وسكانه.
إلا أن شارون الدموي وصاحب القفازات الحديدية، أصبح واقعياً في حلمه، فسارع إلى تفكيك المستعمرات «فالبحر لن يبتلع إلا الغزاة، والديناصور بدأ بالتهاوي كقطع الخزف عند سقوطها». وفي تشكيلها، انتظمت المستعمرات التي تم تفكيكها في قطاع غزة وفق ثلاثة تجمعات على ثلاثة محاور في الشمال عند بيت لاهيا وبيت حانون، وفي الوسط، وفي الجنوب من دير البلح إلى رفح. والمستعمرات هي:
نيسانيت (نيسان) تأسست عام 1990 وعدد سكانها 1000 مستوطن، نيتساريم (الجذور) تأسست عام 1972 وعدد سكانها 380 نسمة، كفار داروم (القرية الجنوبية) تأسست عام 1970 وعدد سكانها 330 مستوطنا، قطيف تأسست عام 1985 وعدد سكانها 340 مستوطنا، بنيه عتسمون (أبناء عتسمون) تأسست عام 1979 وعدد سكانها 450 مستوطنا، نيتسر حزاني (كنز حزاني) تأسست عام 1973 .
وعدد سكانها 410 مستوطنين، ايلي سيناي (إلى سيناء) تأسست عام 1983 وعدد سكانها 370 مستوطنا، دوغيت (قارب صغير) تأسست عام 1990 وعدد سكانها 80 مستوطنا، غاني طال (حدائق الندى) تأسست عام 1979 وعدد سكانها 380 مستوطنا، موراغ (المعول) تأسست عام 1983 .
وعدد سكانها 175 مستوطنا، غديد (قطف التمور) تأسست عام 1982 وعدد سكانها 310 مستوطنين، غان أور (حديقة النور) تأسست عام 1983 وعدد سكانها 320 مستوطنا، كفار يام (قرية البحر) تأسست عام 1983، نيفيه دكاليم (واحة النخيل) تأسست عام 1983 وعدد سكانها 2500 مستوطن، بات سديه (باروكة الحقل) تأسست عام 1993 .
وعدد سكانها 110 مستوطنين، تل قطيفة (تل قطيف) تأسست عام 1992 وعدد سكانها 90 مستوطنا، ياكال تأسست عام 1991، شيرات هيام (أغنية البحر) تأسست عام 2000، بدولح (شظايا الزجاج) تأسست عام 1986 وعدد سكانها 250 نسمة، ريفح يام (رفح البحر) تأسست عام 1984 وعدد سكانها 150 نسمة، شاليف (هادئ) تأسست عام 2001 وعدد سكانها 40 نسمة.
وعليه، لم تكن عملية الانسحاب الإسرائيلي وتفكيك المستعمرات التهويدية في قطاع غزة هبة إسرائيلية قدمت للفلسطينيين على طبق من ذهب. كما لم تكن عملية الانسحاب في سياق الكرم الإسرائيلي خدمة لعملية «التسوية والسلام»، فقد جاءت على خلفية واضحة سطرها الفلسطينيون بدمائهم وتضحياتهم، وبانتفاضاتهم المتلاحقة التي مرغت أنف جيش الاحتلال في رمال قطاع غزة.
فقطاع غزة شكّل منذ احتلاله الكامل عام 1967 شوكة في حلق سياسة التوسع الإسرائيلي، وبؤرة نهوض عارم للحركة الوطنية الفلسطينية، خصوصاً وأن أكثر من 65% من أبناء القطاع من اللاجئين الفلسطينيين الذين قدموا إلى القطاع من مناطق اللدويافا والرملة وبئر السبع عام 1948.
ووفق المصادر الإسرائيلية، قتل نحو 230 إسرائيليا واستشهد نحو 600 ,2 فلسطيني، منذ أن احتلت إسرائيل قطاع غزة في يونيو 1967. وحسب معطيات «نساء من أجل الخروج من غزة» فانه بين 1967 و1987 قتل 38 إسرائيلياً في عمليات فلسطينية في القطاع. وابتداء من يناير1987، عند اندلاع الانتفاضة الأولى وعلى مدى سنواتها الست، قتل في غزة 29 إسرائيلياً.
القتيل الأول كان تاجر الأثاث شلومو سيكلل. هذه الأرقام لا تتضمن القتلى داخل حدود 1948 والتي نفذها فدائيون فلسطينيون من قطاع غزة. ومنذ التوقيع على اتفاق أوسلو في سبتمبر 1993 وحتى أكتوبر 2000، قتل 39 إسرائيلياً في قطاع غزة.
ومع اندلاع انتفاضة الأقصى والاستقلال في 28 سبتمبر 2000. وفي السنوات الخمس من المواجهات قتل 124 إسرائيلياً في مناطق قطاع غزة، قتل منهم في منطقة غوش قطيف في آخر مواجهة 10 عسكريين إسرائيليين، وأصيب 115.
وفي السنة والنصف الأخيرة، منذ أعلن رئيس الوزراء أرييل شارون عن خطة الانسحاب من غزة قتل في القطاع 52 إسرائيلياً. وكان آخر قتيلين دوف ورحيل كول، في 24 يوليو 2005 في محور كيسوفيم.
في الانتفاضة الثانية قتل أيضاً 7 إسرائيليين بنيران صواريخ القسام داخل الأراضي المحتلة عام 1948. فقد أطلق الفلسطينيون في المواجهة الحالية أكثر من 500 صاروخ ونحو 6 آلاف قنبلة راجمة على المستوطنات في غزة، وعلى البلدات في الأراضي المحتلة عام 1948، ونحو مواقع جيش الاحتلال العسكرية.
في الانتفاضة الأولى استشهد في القطاع 414 فلسطينيا بنيران الجيش الإسرائيلي، مقابل 656 استشهدوا في الضفة الغربية. وبين سبتمبر 1993 وسبتمبر 2000، استشهد 92 فلسطينياً.
وفي الانتفاضة الحالية استشهد 265 ,3 فلسطينيا منهم 718 ,1 في قطاع غزة 6 ,52 % ونحو 1000 منهم كانوا مسلحين بينما الآخرون كانوا مدنيين بينهم 185 قاصراً. وذلك مقابل 547,1 استشهدوا في الضفة الغربية.
في هذا السياق، فان تحولات ما بعد الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة تركت بصماتها على الحراك الداخلي في إسرائيل، وعلى الاصطفافات الحزبية، والصراعات داخل الحزب الواحد كما حصل في الحزبين الأكبر:
الليكود والعمل وانبثاق حزب كاديما الجديد. فالمتغيرات السياسية كانت من أهم تداعيات الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وتوقيع الرئيس الإسرائيلي موشيه كاتساف أمرا بحل البرلمان وإجراء انتخابات مبكرة في 28 مارس 2006. في حين كانت ولاية البرلمان الحالي تنتهي أصلاً في نوفمبر 2006.
الحياة السياسية الإسرائيلية حافلة دوماً بالمفاجآت والمتغيرات الموضوعية منها وغير الموضوعية، خاصة وأن منطق المصالح الآنية شكّل دوماً العامل الأساس في الصيغ الائتلافية الحكومية داخل الدولة العبرية، فضلاً عن العامل المتعلق بالتسوية مع الطرف الفلسطيني والتباين بين الأحزاب الإسرائيلية بشأن الثمن المطلوب إسرائيلياً لتمرير التسوية المطروحة.
وعليه لم يكن مستهجناً توصل شارون إلى تشكيل صيغة حزبية جديدة قبل فترة من غيبوبته المرضية، جمعت بين بعض أضداد التكوين الفكري الأيديولوجي في الخارطة السياسية الإسرائيلية، حين استطاع أن يجمع في حزبه تشكيلة غير متوقعة تقوم على جذب شخصيات بارزة من أقطاب الليكود، الذي يمثل تيار « اليمين القومي العقائدي الصهيوني».
وحزب العمل فضلاً عن باقي أحزاب الخارطة السياسية الإسرائيلية، بما فيها الحزب العلماني المسمى بحزب شينوي «التغيير» المشهور بصراعاته مع حزبي المفدال وشاس والقوى التوراتية.
والذي يقدم نفسه باعتباره الحزب الأوروبي الأصيل في الحياة السياسية الإسرائيلية، بينما يحلو للبعض من أعضائه أن يصفوا الحزب باعتباره «حزب الخضر» الإسرائيلي.
لقد استطاع الجنرال أرييل شارون وقبيل غيبوبته الدماغية، تشكيل حزب كاديما «إلى الأمام» بغالبية يهودية اشكنازية غربية، تجمع بين كونها شابة نسبياً حيث متوسط عمر أعضائها 54 عاماً، والأغلبية من أعضائها عند حدود 45 عاماً،.
ومطعمة بزبدة طازجة من العسكر والجنرالات الذين مازالوا في عداد ضباط الاحتياط في الجيش الإسرائيلي، إضافة إلى المجموعات المدنية حاملة ارث الصهيونية الفاشية كيهودا أولمرت.
وتساحي هنغبي ابن المتطرفة المعروفة غيئولا كوهين زعيمة حركة «هاتحيا» المنقرضة، وفوق هذا يحمل الحزب إياه مسحة علمانية مصبوغة برداء «قومي يميني توراتي».
وبالمحصلة، فإن الخطوط العريضة لحزب كاديما الجديد وظروف ولادته، وتكوينه الجديد تشكل هبوطاً واضحاً حتى عن برنامج الليكود ذاته.
فغاب التصور السياسي للتسوية في الخطوط العريضة لإعلان الحزب، وحل مكانه «ثوابت صهيونية بامتياز» وعناوين جامعة لأقطاب وشخصيات مغرقة في صهيونيتها وأيديولوجيتها، والتي تقوم على رفض حق العودة الفلسطيني، ورفض المساس بـ «يهودية وصهيونية المدينة المقدسة في إطار منطقة القدس الكبرى».
أما مسألة الدولة الفلسطينية فقد تم الإشارة إليها بشكل ملتوي، حيث الدولة الفلسطينية، الممكنة تقوم فقط فوق المناطق أ، ب التي تساوي مساحتها 48% من مساحة الضفة الغربية دون القدس الكبرى و60% من مساحة قطاع غزة، بينما تتكرس حالة جدار الفصل العنصري، بحيث يقضم مساحات من أراضي الضفة الغربية، لتشمل ضمان إقامة 80% من المستوطنين في الضفة الغربية (إضافة إلى سكان الأحياء اليهودية في شرقي القدس).
ناهيك عن ما ورد من إشارات ضبابية بشأن خارطة الطريق الأميركية ـ بكل سلبياتها من الوجهة العربية والفلسطينية ـ التي قدم عليها شارون مائة تعديل إبان طرحها عام 2003 من قبل الإدارة الأميركية. ختاماً، وأمام نتائج الانتخابات التشريعية الفلسطينية التي أجمع العالم بأسره على نظافتها ونزاهتها.
وأمام التطورات المستقبلية في ظل تواصل الانتفاضة ونهوض المشروع الوطني الفلسطيني من جانب وتفاقم العجز السياسي الإسرائيلي عن تقديم الأجوبة لقضايا المرحلة الجديدة بصدد تسوية الشرعية الدولية، فإن الضباب مازال يلف التحالفات السياسية بين مختلف المكونات السياسية والحزبية في إسرائيل، وكل هذا لا يبشر إلا باستمرار دوامة العنف داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة وفي عموم الشرق الأوسط.
