في هذه الحلقة الجديدة من كتابنا، تشق الأرقام طريقها تصاعدياً مشكلة لغة واضحة المعالم لا لبس فيها تقدم حقيقة الحقائق، التي لا مجال لدحضها والتي تفيد بأن القنبلة الديمغرافية الفلسطينية هي العامل الحاسم مهما طال النزاع الصهيوني ـ العربي.
ومهما تشعبت طرق حله وطال أمده، كما سيبقى هذا العامل الاستراتيجي مصدر القلق الأكبر في الأوساط الصهيونية وربيبتها «إسرائيل» على مر العصور، حيث وصل سكان الدولة العبرية إلى مرحلة الشيخوخة التي لا ترحم.
ورغم أنه عامل لا يمكن مجابهته بنيران أسلحة الكيان الصهيوني الكريه، إلا أنه لا يمكن البناء فقط على هذه القنبلة الديمغرافية، التي ستبقى دون صاعق يفجرها ما لم تترافق مع تصعيد وتيرة العمل الوطني الفلسطيني في كل أماكن تواجد هذا الشعب الذي اقتلع من أرضه اقتلاعاً عام 1948 .
وأحلَّت مكانه قطعان المستوطنين اليهود، الذين قدمت لهم الأرض الفلسطينية على طبق من ذهب من قبل قوات الانتداب الانجليزية بالتواطؤ مع العديد من القوى والدول الإقليمية والعالمية.
تشير المعطيات الإسرائيلية الصادرة عن مكتب الإحصاء الإسرائيلي في نهاية عام 2000، إلى أن مجموع سكان إسرائيل ارتفع من 801 ألف، منهم 650 ألف يهودي في عام 1948، إلى 5987000 في عام 1998، فقد ازدادت أعداد سكان الكيان الصهيوني منذ عام 1948 حتى نهاية عام 1998 بمقدار 4 ,7 أضعاف، وبلغت الكثافة السكانية 256 نسمة في كل كيلو متر مربع.
وهي كثافة عالية مقارنة مع الكثافة السكانية في العالم. حيث تحظى منطقة تل أبيب جنوب فلسطين المحتلة على الكثافة الأكبر وبواقع سكاني يقارب 660 نسمة.
بينما تشير المجموعة الاحصائية الإسرائيلية لعام 2000 إلى ارتفاع مجموع سكان الكيان الصهيوني ليصل في نهاية العام المذكور إلى 3 ,6 ملايين نسمة منهم 2,5 ملايين من اليهود يشكلون 5 ,82%.
والعرب 5,17%. اما احصاءات عام 2005 فتشير إلى أن مجموع سكان إسرائيل وصل إلى ستة ملايين وثمانمائة الف نسمة، منهم خمسة ملايين وخمسمائة ألف يهودي اضافة إلى مليون وثلاثمائة ألف عربي.
من جانب آخر، ان المجموعات الاحصائية الإسرائيلية تضع أرقام الفلسطينيين في القدس الشرقية ضمن أرقام الفلسطينيين داخل الخط الأخضر لأهداف سياسية معروفة في المقدمة منها، اعتبار القدس الشرقية العاصمة الأبدية للدولة الصهيونية.
وإذا أخذنا سكان القدس من العرب، والمقدر عددهم بنحو 190 ألفاً عام 2000، فإن مجموع السكان الفلسطينيين الحقيقي داخل مناطق 1948 في العام المذكور هو 910 آلاف عربي فلسطيني.
ويتوقع مكتب الاحصاء الإسرائيلي أن يصل مجموع سكان إسرائيل عام 2006 إلى 7 ملايين منهم نحو 4,5 ملايين يهودي، وفي عام 2010 سيصل حسب نفس المصدر إلى 5,7 ملايين نسمة. بيد ان ثمة تمايزاً في الأرقام بين عام وآخر طبقاً لعوامل مختلفة.
إضافة لذلك توقعت دراسة، صادرة عن الجامعة العبرية في القدس أن يكون معظمهم يهود العالم في إسرائيل خلال العشرين سنة المقبلة، حيث قدرت الدراسة المشار اليها أعداد اليهود في العالم بحوالي 1 ,13 مليون يهودي، ولا يتضمن الرقم عدد اليهود في إسرائيل. لكن لا بد من التأكيد أنه خلال أكثر من قرن مر على مؤتمر بال 1897-2005.
ونحو 58 عاماً على إنشاء دولة إسرائيل فإن أصحاب القرار فيها لم يستطيعوا جذب سوى 6, 5 ملايين يهودي في العالم، يمثلون نحو 40% من إجمالي يهود العالم، وبالتالي، فإن تقديرات الدراسة المذكورة في سياقها العام.
وما توصلت إليه نتائج هي غير دقيقة وبناء على ذلك، فإن الزيادة السكانية لليهود في فلسطين المحتلة ستعتمد في المستقبل وبشكل رئيسي على عامل النمو الطبيعي، وهو 5 ,1 مولود لكل إمرأة يهودية خلال سنوات حياتها الانجابية.
وبالنسبة للتركيب السكاني لليهود حسب بلد المنشأ، فإنه من بين 6,5 ملايين يهودي في عام 2005، ثمة 40% من أصول أشكنازية/غربية أوروبية وأميركية، في حين36% من اليهود في فلسطين المحتلة هم من السفارديم (الشرقيين)، و24% من إجمالي «يهود الصابرا»، أي من اليهود الفلسطينيين ومن مواليد فلسطين قبل عام 1948.
وفي هذا المجال يمكن الاستئناس بالمعلومات التالية الضرورية للباحثين والمتابعين وأصحاب القرار عن تخوم الخارطة الديمغرافية للكيان العبري الصهيوني خلال عام واحد من الأعوام الأخيرة التي حبلت بالتطورات المتسارعة.
ففي تقرير أصدره مكتب الإحصاء المركزي الإسرائيلي نهاية العام 2004، يتضح أن عدد سكان الدولة الإسرائيلية بحدود خطوط 1948، كان مع نهاية العام 2004 يقترب من الأرقام التالية:
9,4 ملايين نسمة من اليهود ويشكلون ما نسبته 4,79 %.
229 ألف مسلم من العرب الفلسطينيين ويشكلون ما نسبته 8 ,14 %.
130 ألف مسيحي من العرب الفلسطينيين ويشكلون ما نسبته 1 ,2 %.
كما يظهر في السجل 126 ألف نسمة دون تحديد.
فالسكان اليهود سجلوا في مطلع سنوات تسعينات القرن الماضي، نسبة عالية من الزيادة بفعل الهجرة الكبيرة من دول الاتحاد السوفييتي السابق.
حيث أثرت هذه الهجرة على نسبة السكان، المستعمرين من اليهود على أرض فلسطين التاريخية بنسبة 4, 29 %، بينما كان الارتفاع العادي الزيادة الطبيعية + الهجرة القادمة لا يتعدى 8, 1 % خلال سنوات الثمانينات.
ومع نضوب الهجرة من المناطق المذكورة أخيراً، ارتفع عدد اليهود بوتيرة 6% في عام 1997 أي 86 ألف نسمة 40% نبع من الهجرة و60% من التكاثر الطبيعي.
وأفاد تقرير سابق نشره المكتب المركزي للإحصاء الإسرائيلي بأن الهجرة إلى إسرائيل شهدت انخفاضاً كبيراً بشكل خاص خلال النصف الأول من السنة الحالية 2005 حيث لم يسجل سوى وصول 9200 شخص.
وانخفض عدد المهاجرين خلال الأشهر الستة الأولى بنسبة 39% مقارنة مع الفترة نفسها من العام الماضي، بينما انخفض بنسبة 55% مقارنة مع عدد المهاجرين خلال الشهور الستة الأولى من سنة 2001.
وأفاد التقرير ذاته، بأن معظم المهاجرين أتوا من بلدان الاتحاد السوفييتي. وتعتبر هيئة الحاخامات أن نصفهم ليسوا من اليهود لكنهم رغم ذلك يستفيدون من «قانون العودة» الذي يمنح المهاجرين الجنسية الإسرائيلية بصفتهم أقارب لأشخاص يهود.
وانخفض عدد المهاجرين الآتين من الأرجنتين إلى 500 شخص بعد أن كان 2500 خلال النصف الأول من 2002 بينما بقي عدد الآتين من فرنسا مستقراً بنحو 500 شخص.
وخلال 2002 هاجر 34 ألف شخص إلى إسرائيل مقابل 44 ألفاً خلال 2001، وكان العدد الأدنى للمهاجرين منذ بداية موجة الهجرة من بلدان الاتحاد السوفييتي سابقاً عام 1990.
ويعود انخفاض الهجرة إلى عدة عوامل:
نفاد الخزان البشري في الاتحاد السوفييتي السابق. حيث انخفض عدد اليهود في هذه البلدان من 45 ,1 مليون خلال العام 1989 إلى 400 ألف بسبب الهجرة الجماعية الكثيفة لاسيما إلى إسرائيل والى بلدان أخرى وبالدرجة الأولى إلى ألمانيا، وكذلك بسبب تقدم هذه الفئة من السكان في السن.
تدهور الحالة الأمنية داخل إسرائيل خصوصاً منذ اندلاع الانتفاضة.
الأزمة الاقتصادية
وحسب التقرير الاستراتيجي لمركز «جافي» الإسرائيلي ومقره تل أبيب، فإن الدولة الصهيونية تنفق سنوياً أكثر من 5 ,2 مليار دولار على مستوطنات الضفة والقطاع. وتصرف على التخديم وإعفاءات للمستعمرين. ولا تشمل المصاريف السابقة النفقات العسكرية المجندة لخدمة «أمن المستوطنين وحماية المستوطنات».
من جانب آخر، يتوزع سكان الدولة الإسرائيلية من اليهود طبقاً لأصولهم القومية وفق النسب الرئيسية التالية:
*9, 1 مليون من اليهود من أصول اوروبية - أميركية.
* 858 ألفاً من أصول تعود إلى دول الاتحاد السوفييتي السابق، وهذه المجموعة هي الأكبر في إسرائيل.
* 500 ألف من اصل مغربي.
* 30 ألفاً من أصل بولندي وروماني.
* 180 ألفاً من اصل عراقي،
* 180 ألفاً من أصل يمني.
*ألف من اليهود الفلاشا / الاثيوبيين.
* والباقي من أصول مختلفة سوري ـ ايراني ـ مصري .
* ويدخل في الارقام السابقة سكان المستوطنات المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.
وفي هذا السياق، تقع الدولة الإسرائيلية من ناحية عدد السكان في المرتبة 95 من بين 227 دولة في العالم. حيث واحد من ألف نسمة في العالم يحمل الجنسية الإسرائيلية. بينما تبلغ كثافة السكان 265 نسمة لكل كيلومتر مربع وتصل في مناطق تل أبيب إلى 6600 نسمة في كل كيلومتر مربع.
وفي منطقة القدس 1076 نسمة بينما تبلغ في جنوب فلسطين المحتلة 57 نسمة فقط لكل كيلومتر مربع. وبارتفاع واضح لنسبة سكان المدن حيث بلغ عدد سكان منطقة تل أبيب 6 ,2 مليون ساكن يشكلون 44% من السكان، ومتروبولين حيفا 828 ألف نسمة يشكلون 14% من السكان.
والمجتمع الإسرائيلي على النقيض من المجتمع الفلسطيني الفتي، فهناك 7,1 مليون إسرائيلي يشكلون نسبة 29% هم من الأطفال حتى سن 14 عاماً، وأكثر من نصف مليون 92 ,9 % هم من أبناء 65 عاماً فأكثر.
ولذلك فإن المكتب الإحصائي الإسرائيلي يشير إلى نمو زاحف لظاهرة الشيخوخة في المجتمع السكاني الإسرائيلي، حيث تسارعت هذه العملية في أعقاب الهجرة الاستيطانية اليهودية من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق.
القنبلة الديمغرافية
من جانب آخر، فإن العديد من الأبحاث الإسرائيلية الأخيرة أشارت إلى استمرار الميل إلى الاندماج وسط يهود العالم إلى درجة اعتبر فيها مراسل صحيفة «هآرتس» في واشنطن اليكس سوميخ في العديد من تقاريره التي بدأ بنشرها منذ العام 1998، بأن عدد اليهود في العالم سينخفض إلى النصف من 6 ,8 ملايين اليوم إلى حوالي 4 ,4 ملايين.
مستنداً في ذلك إلى المعطيات المتتالية التي يبثها ويقدمها مركز الكونغرس اليهودي العالمي، حيث تبلغ نسبة الزواج بين اليهود وغير اليهود في العالم إلى 50% وأحيانا إلى 80% في بعض المدن الأميركية.
وتعتبر الولايات المتحدة حالياً الدولة التي تضم العدد الأكبر من أبناء الطائفة اليهودية 6,5 ملايين نسمة، يلي ذلك إسرائيل ذاتها، ثم فرنسا التي يوجد على أراضيها 600 ألف فرنسي ديانتهم باليهودية. ثم روسيا 400 ألف، تليها كندا 360 ألفاً، أوكرانيا 280 ألفاً، بريطانيا 280 ألفاً، الأرجنتين 220 ألفاً.
وغني عن القول بأن تأثير القنبلة الديمغرافية العربية الفلسطينية القابعة وسط معدة الكيان العبري الصهيوني يبقى بحدود دونها الخطر الداهم على مصير الكيان ذاته.
فالقنبلة الديمغرافية لا يمكن البناء عليها وتبقى معطلة ودون صاعق تفجير ما لم تترافق مع جهد متواصل يتم من خلاله اشراك كل القطاعات العربية داخل إسرائيل الخط الأخضر في الحراك الدائر على خلفية المشروع الوطني الفلسطيني.
وبالترابط مع حق الفلسطينيين في الدولة المستقلة فوق الأرض المحتلة عام 1967، وفتح الطريق أمام الحل العادل لقضية اللاجئين وفق القرار الدولي 194.
ومن بين مليون ومئة ألف عربي عام 2000، هناك 1 ,80% من المسلمين، ونحو 6 ,8% من المسلمين الدروز، و3 ,11% من المسيحيين بطوائفهم المختلفة، وذلك حسب المعطيات والتصنيفات الاحصائية الإسرائيلية.
وبالنسبة للتركيب العمري للسكان اليهود في الكيان الصهيوني، فإنه من بين مجموعهم البالغ 3 ,5 ملايين يهودي في عام 2002، هناك 29% منهم من الأطفال في سن أقل من الخامسة عشرة من العمر.
في حين تصل نسبة كبار السن من اليهود فوق الخامس والستين إلى نحو 10%، أما نسبة من هم في سن قوة العمل أو القوة البشرية فتصل إلى نحو 61% من السكان اليهود في الكيان الصهيوني، فالمجتمع اليهودي في الكيان الصهيوني هو مجتمع ناضج وفق المقاييس الديمغرافية.
أما العرب داخل الخط الأخضر فهم مجتمع فتي تصل معدلات خصوبة المرأة إلى 5 أطفال طيلة حياتها الانجابية، ومن مجموع العرب داخل الخط الأخضر في عام 2002، هناك 40% من الأطفال، و3% من الشيوخ، و57% في سن قوة العمل بين 15-64 عاماً من العمر.
التوزع الجغرافي
ويعكس التوزع الجغرافي لليهود في الكيان الصهيوني تركزهم في مراكز المدن بشكل كبير، وأهمية مناطق الجذب الاقتصادية والحضرية لليهود، حيث تستأثر منطقتا تل أبيب والمنطقة الوسطى على 6 ,49%، و7 ,12% في منطقة حيفا، والمنطقة الجنوبية 5, 24%، في حين تستحوذ مستوطنات الضفة الغربية على النسبة الباقية من إجمالي مجموع اليهود في فلسطين المحتلة عام 2000.
وفي المقابل، فإن العرب داخل الكيان الصهيوني والبالغ مجموعهم مليون وثلاثمئة ألف عربي عام 2002، يستقرون بشكل رئيسي في منطقة الجليل بنسبة 70% منهم، تليها منطقة المثلث بنسبة 20% منهم، ثم منطقة النقب بنسبة 10% منهم.
وهناك محاولات إسرائيلية لكسر التواجد العربي الفلسطيني المتجذر في منطقة الجليل، التي تعتبر مدينة الناصرة عاصمتها، وذلك عبر تهويد المنطقة، وجذب مزيد من اليهود المهاجرين إليها من جهة.
ومحاصرتها بالمستوطنات والمدن والأحياء الاستيطانية لليهود للحؤول دون التواصل الديمغرافي بين التجمعات الفلسطينية داخل فلسطين المحتلة عام 1948، وقد توضحت الخطط الإسرائيلية من أجل ذلك بشكل جلي، فقد صرح الجنرال أرئيل شارون بأن إسرائيل «ستسعى لاجتذاب مليون يهودي إلى إسرائيل حتى عام 2010 والاسراع بتهويد الجليل».
ومع هذا نستطيع القول بأن شعار شارون بعيد المنال خاصة وأن غالبية يهود العالم تتركز في دول ذات عوامل اقتصادية جاذبة أكثر من إسرائيل نفسها، ففي الولايات المتحدة هناك نحو خمسة ملايين ونصف المليون يهودي وثمة ستمئة ألف يهودي في فرنسا ومئتي ألف في بريطانيا .
وهذه الدول إضافة إلى كندا وغيرها من الدول التي يتركز فيها يهود هي دول غير طاردة بالمعنى الاقتصادي والأمني والضمان الاجتماعي أيضاً.
من جانب أخر، وبالرغم من المراحل الأخيرة التي قطعتها عملية انجاز «جدار الفصل» إلا أن الموضوع برمته مازال من بين القضايا العالقة داخل كتلة الليكود وقوى اليمين التي عارضت مبدأ إنشاء «خطوط الفصل» على طول الحدود المفترضة بين الدولة العبرية والكيان الفلسطيني القادم، باعتبارها تشكل قيداً أمام إمكانية التوسع الاستيطاني اليهودي أولاً.
وتقرر بشكل شبه نهائي مصير حدود الدولة العبرية ثانياً، بينما يرى حزب العمل الإسرائيلي بأن «خطوط الفصل» أصبحت قضية ملحة نظراً للاعتبارات الديمغرافية أولاً والأمنية ثانياً.
ومما لاشك فيه فان التداعيات التي أفرزتها الانتفاضة الفلسطينية عبر أكثر من عامين ونصف من مسيرتها كانت عاملاً إضافياً مهماً دفعت نحو تبني حزب العمل ما أطلق عليه اسم «جدار الفصل».
وهذا الجدار بالمفهوم الإسرائيلي الذي يذهب إليه حزب العمل وقوى «اليسار الصهيوني» يحمل بالضرورة ارث أنظمة التمييز العنصري البائدة، ويشكل نكوصاً إلى الخلف بعد أن رحلت أنظمة «الأبارتهايد» والتمييز العنصري مع انتصار حزب المؤتمر في جمهورية جنوب افريقيا عام 1991، وانتصار مبدأ «الصوت الواحد للشخص الواحد».
ويستند دعاة الفصل في إسرائيل إلى المسألة الأمنية لمنع تسرب ودخول المقاومين الفلسطينيين إلى عمق إسرائيل. والى المسألة الديمغرافية، وضرورة فصل سكان مناطق 1948 عن السكان الفلسطينيين من أبناء الضفة الغربية وقطاع غزة حرصاً على استمرار التفوق الديمغرافي اليهودي، وعلى عبرية الدولة الصهيونية.
ولعل الهلع الكبير الذي بدأ يدب منذ زمن ليس بالقصير داخل الدولة العبرية وفي صفوف الأحزاب الصهيونية من حقيقة المسألة الديمغرافية الجارية تلقائياً فوق أرض فلسطين التاريخية شكّل الحجة الأقوى لدى حزب العمل لدفع مسألة الجدار الفاصل خطوات متسارعة نحو الإنجاز.
ترسيم الحدود
ففي المسألة الديمغرافية التي تلقى اليوم اهتمامات إسرائيلية متزايدة، فإن التقديرات التي أعطاها معهد فان لير في تقريره المنشور يوم 19/7/2003، يشير إلى أن أغلبية يهودية ستكون حتى نهاية العقد الجاري بين الأردن والبحر بنسبة 51 %.
وأن هذه النسبة ستصبح 47 % في العام 2020، وفي العام 2050 ستكون 37 % فقط. أما إذا تم تحديد خط الفصل من الأن ففي نهاية العقد الجاري ستكون هناك أغلبية يهودية داخل حدود الدولة العبرية ما وراء الخط بنسبة 78 %، وفي العام 2050 سيشكل اليهود 74%.
وأكثر من هذا فإن التخوفات تتزايد عند الطرف الإسرائيلي من التبدلات السكانية الحاصلة داخل فلسطين المحتلة عام 1948، فقد أوردت الصحف الإسرائيلية، تقريراً شاملاً .
وفيه البيانات والمعطيات المتعلقة بالتوزع السكاني لليهود البالغ عددهم فوق أرض فلسطين التاريخية 3 ,5 ملايين من أصل 592 ,6 ملايين وهم سكان الدولة العبرية حتى عيد رأس السنة العبرية أوائل سبتمبر 2003.
حيث نسبة اليهود في القدس 6 ,67 %، وفي عكا 8 ,72 %، وفي اللد 9, 76 %، وفي الرملة 1 ,80 %، وفي الناصرة العليا 2, 85 %، وفي بئر السبع 9 ,92 %، وفي تل أبيب ويافا 9 ,93 %، وفي ترشيحا 7 ,71 %. ولا يشكل اليهود نسبة مئة بالمئة من السكان إلا في المدينتين الاستعماريتين :
«ألعاد»، و«مودعين عيليت». علماً بأن ما تبقى من الفلسطينيين يتركزون في مناطق معينة من فلسطين المحتلة عام 1948 وفق النسب التالية : 12 % في منطقة القدس، 17% في منطقة الشمال، 13 % في منطقة حيفا، 23 % في المنطقة الوسطى، 8 % في منطقة تل أبيب، 14 % في منطقة الجنوب، 8 % في منطقة تل أبيب، والباقي فوق أراضي المستعمرات المقامة على الأرض الفلسطينية المحتلة عام 1967.
بينما وصل عدد سكان الدولة العبرية مع نهاية العام 2002 ما مجموعه 592 ,6 ملايين نسمة، بارتفاع ملحوظ قدره 133 ألف نسمة، أي بزيادة 1 ,2% مقابل عام مضى، بينما كانت نسبة الزيادة السنوية للعام 2001 مقدرة بنحو 4 ,1% فقط، مقابل 8 ,1% كمعدل وسطي في السنوات 1997 وحتى 2000.
ويشكل اليهود نسبة 2 ,77 % مقابل 8 ,77 % في العام 2001 الذي سبقه. بينما شكل العرب الفلسطينيون داخل مناطق 1948 19 % من السكان عام 2001. ويتركزون بشكل رئيسي في منطقة الجليل بنسبة 70 %، ثم منطقة المثلث بنسبة 20 %، ثم منطقة النقب بنسبة 10 % ويتكاثرون بنسبة 4,3 % سنوياً.
ووفق البيانات السابقة، فإن «مجلس الأمن القومي الإسرائيلي» وفي إطار التقرير السنوي الذي قدمه الرئيس السابق للمجلس الجنرال عوزي دايان إلى حكومة شارون.
والذي يعرض فيه «تقييمات للوضع الأمني القومي الإسرائيلي» دعا إلى تبني العودة إلى ترسيم الحدود الفلسطينية ـ الإسرائيلية بناء على «الميزان الديمغرافي ـ الأمني» معرباً عن اعتقاده بأن هذا هو السبيل الوحيد لـ «ضمان قيام دولة يهودية وديمقراطية بعيدة الأمد».
كما وطرح دايان في تقريره أمام الحكومة الإسرائيلية ثلاثة مفاهيم أساسية، معتقداً بأن إسرائيل ستضطر إلى الحسم فيها خلال السنوات المقبلة:
فإما أن تتفق مع الفلسطينيين على إقامة دولتين، وإما تبادر إلى الانفصال عنهم وإقامة الجدار الفاصل جغرافياً وسياسياً وبشرياً، وإما تقرر قيام دولة واحدة ذات سيادة. ويوصي المجلس بترسيم الحدود باعتباره أفضل الحلول.