تأثرا فيما يبدو بحالة الهلع التي أحدثها فيروس انفلونزا الطيور، وصفت مجموعة من اليمينيين فرنسا باعتبارها كائنا حيا آخذا في الانهيار وبحاجة ماسة إلى العلاج. لقد أكدت الأحداث الأخيرة الشعور بالتشاؤم الذي يستبد بالبلاد وساهمت في تبيان حالة التوعك العامة التي تعانيها فرنسا.
في 2004 تحولت محاكمة لعصابة تتاجر في الأطفال في مدينة أوترو في شمال البلاد إلى كارثة إعلامية وقضائية. في فبراير 2005 أقر البرلمان الفرنسي تشريعا يطالب واضعي المناهج الدراسية بالاعتراف بـ « الدور الإيجابي» الذي لعبه الاستعمار الفرنسي. وفي نوفمبر الماضي كانت هناك عمليات شغب في الضواحي المحرومة من الخدمات والواقعة حول المدن الفرنسية.
و جاء الجدل الذي تسبب فيه نشر الصور المسيئة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم والصدمة الذي أحدثها مصرع شاب يهودي يدعى ليان حليمي- جاءا ليُعضدا من الدعوات الهادفة إلى تكريس العلمانية. وبدأت الحكومة عملية خصخصة سرية لمؤسسة الغاز الفرنسية الحكومية.
هناك من يدّعي وجود شعور باليأس العام توّلد في مايو 2005 عندما صوتت فرنسا ضد الدستور الأوروبي. ووفقا لما قاله المحلل الاقتصادي والتاريخي نيكولا بافيريز فإن «فرنسا تمر بنكسة أرجعتها إلى أجواء الفوضى والأكاذيب بسبب رفض السياسيين قول الحقيقة. فهم خائفون من قيام ثورة في حال أن يُقدموا على إدخال إصلاحات.ولكنّ غياب الإصلاحات هو ما يؤدي إلى اشتعال الثورات.».
و من أجل إصلاح ما وُصف بـ « فرنسا المريضة في أوروبا المتعفنة»، يأمل بافيريز ومجموعة من رفاقه في حصول ما يمكن وصفه بـ « تعديل» ليبرالي».
وانطلاقا من قناعتهم بأن كل ما يحتاجونه يتمثل في الضغط على الزر الصحيح، فإنهم كانوا يطالبون منذ أمد طويل بإزالة المعوقات التي تواجه سوق العمل وتحرير تلك السوق.
ومن جانبه فإن رئيس الوزراء دومينيك دو فيلبان يشعر بالضغط. وشعورا منه بخطورة اتهامات بافاريز المتعلقة بعلاقته ببوش وبنقابات العمال، بدا دو فيلبان وكأنه قرر في النهاية اقتحام حالة الجمود الموجودة في الطبقة الحاكمة ليقوم بإصلاح قانون العمل والتوظيف.
وكانت أول وصفة له، والتي أُطلق عليها اسم «عقد الوظيفة الجديدة»، قد قُدمت إلى البرلمان في الصيف الماضي ودخلت حيز التنفيذ في أول سبتمبر.
وكما أوضح مفتش العمل جيرار فيلوشيه فإن هذا القانون «يمنح حقا جديدا للفصل. فأنت يمكنك فصل أي موظف في أي وقت ولأي سبب من دون الالتزام بأي إجراء رسمي ومن دون أي حق للطرف المفصول في الاستئناف ضد القرار.»
لقد لبى القانون مطالب نادى بها طويلا أصحاب الأعمال وواجهت معارضة بسيطة. ولذلك قرر دو فيلبان الضغط من أجل تنفيذها.
ففي فبراير تم تمرير قانون عمل أُطلق عليه «عقد الوظيفة الأول» من خلال البرلمان من دون نقاش حقيقي. وينطبق هذا القانون على هؤلاء الذين تقل أعمارهم عن 25 عاما ويعملون لدى شركات تضم أكثر من 20 موظفا. وكما هو الوضع بموجب قانون العمل المعروف باسم عقد الوظيفة الجديد، فإن أصحاب العمل لهم الحق في إنهاء التعاقد في أي وقت أثناء العامين الأولين للخدمة من دون أي تفسير مكتوب.
و حاول دو فيلبان استغلال أحداث الشغب التي وقعت في نوفمبر 2005 كذريعة لتقديم ذلك التشريع غير العادي على أساس أن هناك حاجة عاجلة لتشجيع أصحاب العمل على استقدام الموظفين الصغار غير المدربين. غير أن خدعته لم تنطل على أحد. فقد كانت المعارضة من قبل الطلبة أولا ومن النقابات الكبرى مقاومة عارمة انتشرت كالنار في الهشيم.
وكانت العواقب سياسية ورمزية كذلك. فقد اضطرت حركة الطبقة العاملة إلى إعادة النظر في وضعها مرة أخرى، وذلك بعد الهزيمة التي مُنيت بها فيما يتعلق بتشريع المعاشات في يوليو 2003.
وأدرك المواطنون أنهم في حال انصياعهم لعقد الوظيفة الأولى كما فعلوا مع عقد الوظيفة الجديد فإنهم سيتركون الباب مفتوحا لمزيد من الخطوات التي تؤدي إلى التخلص الكامل من حقوق العمال والموظفين، وما يحمله ذلك من تبعات وعواقب ستظهر على المدى البعيد في صورة وضع وظيفي غير آمن.
و بعيدا عن كونها «الرجل المريض لأوروبا» كما يعتقد البعض، فإن فرنسا تتمتع بالقوة التي تُمكنها من مقاومة المحاولات الخاصة بالاستحواذ على المؤسسات المالية. وبشكل يكاد يكون فريدا من نوعه في أوروبا، يعارض غالبية الموظفين في فرنسا الذين يحصلون على أجور بشدة محاولة الحكومة لنفض أيديها عنهم وترك أمواج العولمة تدفع بهم إلى أسواق العمل.
هذا التغير في العلاقة بين القوة السياسية والمجتمع يمكن أن يعني نهاية لدولة الرفاهية. إن قانون العمل هو جزء من حملة لتدمير الشعور بالضمان الاجتماعي، الذي يعد من الأركان الرئيسية للهوية الفرنسية. ولهذا السبب يتولد هذا القدر الكبير من المعارضة ولهذا السبب تعيش فرنسا حالة تمرد.
ترجمة: حاتم حسين