تسلط هذه الحلقة من الكتاب الضوء على قطبي النزاع الفلسطيني ـ الإسرائيلي في مربعه الأول.. في المناطق الفلسطينية المحتلة عام 1948 والتي أقيمت عليها عنوة دولة إسرائيل وتؤكد أنه رغم القوانين العنصرية والإيحاءات التوراتية، التي تتحكم بمقاليد الأمور في الدولة والمجتمع العبريين، إلا أن الفلسطينيين هناك تمكنوا من مراكمة مسيرة نضالية عظيمة على الصعيدين الوطني والقومي.

كما تمكنوا من تطوير بناهم الحزبية والمؤسسية الخاصة بهم بعيداً عن تأثيرات الحركة الصهيونية وعمليات الأسرلة المحمومة الجارية على قدم وساق، في ظل دولة عنصرية محكوم على واقعها ومصيرها بالبقاء خلف قضبان المفاهيم العنصرية الكريهة، التي ستبقى دائماً حجر عثرة أمام تحولها إلى دولة طبيعية تتعايش فيها الثقافات على مختلف أنواعها وأجناسها، على غرار البلدان التي تشكلت مجتمعاتها من المستوطنين الجدد والسكان الأصليين.

إسرائيل مازالت، بعرف الأغلبية الساحقة من القوى الحزبية والاجتماعية والسياسية اليهودية بما في ذلك عند بعض أطراف «اليسار الإسرائيلي»، هي «دولة اليهود» الذين يحق لهم ما لا يحق «للأقليات» ، والمقصود بالأقليات السكان الفلسطينيون الأصليون أبناء البلد. وبالتالي، فإن الديمقراطية عند المجتمع اليهودي على أرض فلسطين مفصلة تماماً على مقياس خاص لا ينطبق على الفلسطينيين المتجذرين على أرض فلسطين المحتلة عام 1948.

كما يعتبر طغيان المد اليميني المتطرف التوراتي والقومي الموغل في رواية الميثولوجية داخل المجتمع اليهودي على أرض فلسطين سبباً وجيهاً في استفحال النزعة العنصرية تجاه المواطنين العرب في إسرائيل، وهذا التيار، أي التيار اليميني بجناحيه العقائدي التوراتي والقومي العلماني يتمتع الآن بنفوذ كبير يتغذى منه شارون بسياسته العدوانية والفاشية الدموية ضد الشعب الفلسطيني.

إن عملية الاضطهاد والتفريق بين اليهود والعرب أبناء الوطن الأصليين تفترض بالضرورة ولادة عملية وطنية وقومية عربية فلسطينية، عملية تراكمية سياسية وفكرية وتنظيمية جديدة تساعد على تصليب عود الفلسطينيين هناك، وتزودهم بطاقة جديدة تسمح لهم بتطوير خطابهم السياسي وعلى الأخص منه الخطاب المطالب بالمساواة.

والحقوق الوطنية والقومية وحق التعبير عن الذات وكينونتها، على الأقل أسوة باليهود المهاجرين (المستعمرين) الذين جاءوا من جمهوريات الاتحاد السوفييتي السابق ولا يتكلمون حتى اللغة العبرية ويملكون وسائل الإعلام الخاصة بهم من صحف ومنبر إذاعي وحتى مشروع منبر تلفزيوني قادم.

إن إسرائيل التوراتية أصبحت وراء التاريخ، وعليه فإن الحراك سيتواصل داخل الدولة العبرية على كل المستويات السياسية والاجتماعية وعلى المستوى الأيديولوجي، وبالتالي فإن المطلوب القادم ينتظر من جميع الأحزاب العربية داخل إسرائيل مهام إضافية يقف على رأسها حماية الذات وحق الجماهير العربية في الدفاع عن انتمائها القومي وحقها في المواطنة الكاملة.

ومن هنا تأتي أهمية وحدة الفعل الوطني بين مختلف الأحزاب العربية داخل الخط الأخضر وتجاوز الانقسامات الداخلية، وتجنيد المجموعات اليهودية المتواضعة الحضور والمعادية للمؤسسة الأمنية والعسكرية الإسرائيلية في الدفاع عن المطالب المحقة للمواطنين العرب على أرض وطنهم التاريخي.

تفاعلات الانتفاضة

من جانب، آخر طرحت التفاعلات التي أحدثتها الانتفاضة خلال مسيرتها العديد من الأسئلة المتعلقة بمصير الشعب الفلسطيني داخل حدود مناطق 1948. فمع ختام عام وربع العام من حركة الفعل الانتفاضي الديمقراطي للشعب الفلسطيني في مناطق الـ 1967، مترافقاً مع فعل مؤثر قدمته، ومازالت، القطاعات الشعبية والسياسية الفلسطينية على أرض فلسطين 48.

بدأت الأوساط السياسية في إسرائيل بإثارة المواضيع المتعلقة بمستقبل هوية الدولة الإسرائيلية، ومستقبل العرب الفلسطينيين داخلها، وبرز هذا التساؤل كعنوان رئيسي في مؤتمر «هرتسليا«الذي عقد أواسط العام 2001.

عودة إلى الوراء قليلاً، فقد عكست تفاعلات الانتفاضة الفلسطينية نفسها على الأوضاع الخاصة للتجمع العربي الفلسطيني داخل حدود 48. تماماً كما فعلت الانتفاضة السابقة على امتداد الأعوام (1987 ـ 1993)، عندما بلغ الشعور بالانتماء الخاص القومي/ الثقافي الوطني لهذا التجمع درجة متقدمة من الاستيقاظ بعد عقود من عمليات الأسرلة الصهيونية، فضلاً عن أشكال الاضطهاد الوطني ـ القومي ـ الطبقي.

والتمييز في جميع مجالات الحياة، بما في ذلك الميزانيات الخاصة بالتطوير والعمل في الوسط العربي، وسلك الحكومة. ومما لا شك فيه بأن إعادة بلورة الهوية القومية ـ الوطنية لفلسطينيي الدولة العبرية الإسرائيلية لم تكن وليدة لحظات الانتفاضة، بل جاءت في سياق مستمر من التحول على أنقاض نكبة عام 1948، وبرز هذا التحول بشكل مميز أثناء هبة يوم الأرض 30 مارس 1976 في الناصرة وسخنين وأم الفحم، وكفر مندا، وكفر كنا، وراهط، وغيرها من المدن والبلدات في الجليل والمثلث والنقب. وإضافة إلى هذا.

ولحسن الحظ، فإن عملية إعادة بلورة الهوية القومية لفلسطينيي الـ 48 تتغذى من سلوك سياسي واجتماعي بمضمون طبقي عند الأغلبية اليهودية الصهيونية الرسمية الحكومية والحزبية، حيث الغياب شبه الكامل لهموم ومتطلبات الجماهير العربية في برامج هذه الأحزاب، مع أن كتل عربية واسعة في مناطق الـ 48 تنضوي في إطارها.

وخاصة عند حزب العمل الذي يضم في صفوفه أكثر من 25 ألف عربي وفق المعلومات التي تواترت مع الدورة الأخيرة للكنيست الخامسة عشر. فضلاً عن اتجاه عام تدفع به الحالة المجتمعية اليهودية التي تصرفت مع العرب داخل حدود الدولة العبرية بمنطق اللامساواة أو»منطق أولاد الجارية!!»، في أي من مجالات الحياة.

على كل حال، التجمع العربي الفلسطيني في مناطق الـ 48 تحول عبر 58 عاماً مضت من كتلة بشرية أرادوها كتلاً صفرية مهملة، لا علاقة لها بمعادلة الصراع الدائر في المنطقة مع الغزو الاستيطاني الإحلالي (إحلال يهود بدل العرب في الأرض والعمل الخاص والعام) إلى كتلة لها مواقع قوة مهمة في الخارطة الوطنية والقومية للفلسطينيين.

وتقوم بدور يتنامى في عملية توحيد كل الشعب الفلسطيني في الداخل والشتات، في حين أن الآفاق مفتوحة أمامها للمساهمة في دعم كفاح الشعب الفلسطيني في الضفة والقدس والقطاع لبناء الدولة الفلسطينية المستقلة وعودة اللاجئين والنازحين.

إن تداخل الوقائع وتزاحمها، داخل مناطق الـ 48، متفاعلة مع ما أحدثته الانتفاضة من تحولات على الأرض، يؤشر، في الوقت ذاته، إلى عوامل مهمة تتغذى منها عملية اليقظة القومية النامية في صفوف فلسطينيي الـ 48 ويؤشر إلى شعور طاغ بالانتماء للشعب الفلسطيني الواحد الموحد على أرض القدس والضفة والقطاع ومخيمات اللجوء في الشتات، يميزه فارق الوضع الخاص لهذا التجمع.

والفارق الطبيعي في برنامجه للبقاء والثبات من أجل عملية الحفاظ على الهوية الوطنية والقومية وتحويل الدولة العبرية اليهودية من دولة اليهود إلى دولة كل مواطنيها (يهود + عرب)، بينما يتمحور برنامج العمل لباقي الشعب الفلسطيني من أجل دحر الاحتلال عن كل المناطق المحتلة عام 1967 وإقامة الدولة المستقلة.

مع استمرار العمل من أجل حق العودة لكل اللاجئين وفق مرجعية الشرعية الدولية، وإدامة أشكال الحراك المفتوح للوصول إلى حلول ناجزة وتاريخية للجميع على كامل أرض فلسطين الانتدابية.

عناصر القوة

إن التجمع الفلسطيني في مناطق الـ 48 ليس قنبلة ديمغرافية فقط، إن لم تترافق مع برنامج يربطها مع عناصر القوة الفلسطينية والعربية والإسلامية، فهي تحتاج حتى تأخذ مفاعيلها إلى برنامج عمل واقعي يوحد قطاعات الشعب ويمكنها من الثبات والبقاء على أرض الوطن.

كما أن الخصوصية التي تميز الوسط العربي في مناطق الـ 48 وطبيعة الظروف الخاصة التي تحكم حياة هذا الجزء من الشعب الفلسطيني، تفرض على الجميع درجة عالية من الدقة في التعاطي معه، بما في ذلك تجنيب هذا التجمع الخوض ببرامج عمل غير ممكنة الآن، وقد تكون كارثية عليه.

وعلى هذا الأساس فمن الخطأ بمكان دعوة قوى أو جمهور أو قطاعات هذا الوسط لممارسة الأعمال المسلحة مثلاً، أو استخدام أنماط كفاحية مغامرة تشكل وصفة أكيدة وجاهزة عند جيش الاحتلال للبطش والفتك المكشوف بأبناء فلسطين الصامدين على أرضهم منذ عام 1948.

لقد ترك العرب الفلسطينيون داخل الدولة العبرية على ارض فلسطين 1948 بصماتهم على اتجاهات التغيير ، حيث يتزايد التأثير العربي كقوة سياسية وديمغرافية مهمة ، كما أن لهم مكانتهم في الصراع في المرحلة المقبلة .

ان النهوض لاستعادة الهوية والشخصية الفلسطينية أخذ يشق طريقه بعد احتلال العام 1967، الذي فتح أبواب التداخل بين الفلسطينيين على جانبي «الخط»، وتصاعد إلى الذروة في معركة يوم الأرض عام 1976 ، فقد سالت الدماء دفاعاً عن التمسك بالأرض وضرورة وقف المصادرة وتهديم القرى العربية التي بلغت في تلك اللحظة الرهيبة 425 قرية تم مسحها من على الخارطة الجغرافية والديمغرافية بين أعوام 1948 - 1976وبات أبناء الأرض لاجئين داخل الدولة العبرية المقامة على أرضهم ارض الآباء والأجداد عام 1948 .

تعاظم الشعور الانتماء الوطني لدى هذا الجزء الذي لا يتجزأ من الشعب الفلسطيني كما تعاظم دوره في الصراع ضد نهب الارض وتدمير القرى العربية ، ومن اجل إزاحة كابوس التمييز العنصري إلى أن تم التوقيع على اتفاق أوسلو، الذي أدار ظهره للمليون فلسطيني ومصائرهم داخل الدولة العبرية.

وهنا هبط منسوب الجهد الموحد نحو الكينونة الوطنية الموحدة ، ودخل تفريعات أخرى تتراوح بين الصراع ضد مصادرة الأرض والمساواة الاجتماعية وبين تنامي نزعات التمثل والاندماج الفردي بالمؤسسة الإسرائيلية اليهودية الصهيونية بديلاً عن تعزيز وتطوير النضال ومع القوى اليسارية.

والليبرالية الإسرائيلية اليهودية للانتقال بالدولة إلى مرحلة نوعية جديدة نحو «دولة لكل مواطنيها من يهود وعرب «دون التمييز العنصري وتداعياته المتمثلة بمصادرة الأرض، هذه الممارسة التي لا تزال قائمة حتى الآن (النقب ، الجليل الشمالي ، أراضي الدوحة ، عرب الجهالين في القدس وحولها الخ) فضلاً عن التمييز في كل مؤسسات الدولة وكافة جوانب الحياة الاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والوظيفية.

دور عرب 48

ويمكن للمراقب ان يلمس تطور الدور الملحوظ للعرب الفلسطينيين على ارض الوطن في مناطق 1948 من خلال :

1 - تطور البنى الحزبية والمؤسسية العربية المستقلة بعيداً عن تأثيرات الحركة الصهيونية وعمليات الأسرلة في دولة ومجتمع محكومين بقوانين يهودية وصهيونية الدولة والتمييز العنصري في كل مؤسسات الدولة ، فإسرائيل لم تتحول إلى « دولة إسرائيلية متعددة الثقافات «لكل مواطنيها من يهود وعرب على قدم المساواة القانونية والسياسية والاجتماعية.

كما هو حال الدول التي تشكلت في حمّى موجات الغزو الاستيطاني من المهاجرين وما تبقى من سكان البلاد الأصليين الذين تعرضوا لحروب الإبادة والمعازل والتهجير ومصادرة الارض والوطن.

2 - الميل المتزايد للجماهير العربية في تبنى سياسة واقعية ووطنية في آن واحد من خلال النضال الديمقراطي للمساواة ومن اجل حقوق المواطنة الكاملة ، ورفض سياسة تشطيرها المبرمجة منذ عام 1984 حتى يومنا هذا إلى عرب ودروز وشركس وبدو ، فضلاً عن خطط التمزيق العامودي الهادفة إلى خلق حالة من الصراع الديني ـ الطائفي بين مسلمين - مسيحيين ، وما يجري الآن في الناصرة الذي يمثل دراما ـ كوميدية تدمي قلب المليون الذين توحدوا على مساحة الخمسين عاماً للدفاع عن الهوية الوطنية والأرض والمساواة الجماعية بين الاثنيتين اليهودية الإسرائيلية والفلسطينية العربية.

3 - المساهمة في الحركة السياسية داخل إسرائيل .

4 - إدامة الوصول والاتصال والتضامن المشترك مع جماهير الشعب الفلسطيني في الأراضي المحتلة عام 1967 ، والتطلع المتزايد لمد الجسور مع فلسطين والشتات وخاصة في الأردن وسوريا ولبنان حيث اللاجئين من المناطق المحتلة عام 1948.

إن كل ذلك يؤشر لادوار ومصائر مكونات الخارطة السياسية والحزبية للعرب داخل الدولة العبرية نحو تعزيز وتطوير المشروع الوطني والمساواة ، لبناء دور واعد ينتظر الفلسطينيين الذين صمدوا وبقوا وثابروا ورابطوا فوق أرض الوطن بالرغم من الظلام الدامس الذي لف حياتهم ومعيشتهم طوال السنوات العشرين الأولى لقيام الدولة العبرية.

ومع ذلك، لا بد من الإشارة إلى مجموعة من الملاحظات المتعلقة بأداء القوى السياسية الفلسطينية العربية وضرورة وقف التفتت والاحتراب الاجتماعي السياسي أحياناً تحت ضغط ايديولوجي طائفي انقسامي يتناقض مع تاريخ وقوانين المواطنة الفلسطينية الواحدة ومبنى المجتمع المدني في مواجهة التمييز العنصري ومصادرة الأرض ، والصراع في القوائم الانتخابية للكنيست والبلديات في أحيان.

بالنتيجة ، فان الفلسطينيين العرب في مناطق 1948 يعيشون داخل بوتقة العملية الوطنية الفلسطينية ودورهم أساسي ورئيسي في رسم وإحقاق الحقوق الوطنية للشعب الفلسطيني وفي مقاومة البنية الصهيونية التوسعية الاستيطانية للدولة الإسرائيلية وصولاً إلى دولة المساواة بين الجميع وهذا ما يفتح بدوره الأبواب الواسعة أمام تطور العملية الاستراتيجية التاريخية مرحلة تلو الأخرى وصولاً إلى الحل الديمقراطي العادل فوق أرض فلسطين التاريخية.

سرطان التهويد

بعد مرور أكثر من ثمانية وخمسين عاماً على إنشاء إسرائيل بقوة النار والبارود، وبروز النكبة (1948 - 2001)

لا تزال الجماهير العربية الصامدة فوق أراضيها داخل حدود 1948، تواجه التمييز في مستويات عديدة، وذلك على الرغم من التحسن في مخصصات السلطات المحلية العربية محسوبة بالنسبة إلى الفرد، فقد كانت المخصصات لا تتجاوز عشر المخصصات للفرد اليهودي في السبعينات.

لكنها وصلت حالياً إلى الثلث، وقد ساعد في ذلك نشوء نظام الحزبين الأكبرين في إسرائيل، الليكود والعمل وعلى جانبهما شظايا من الأحزاب الصهيونية، مما جعل للعرب في إسرائيل أهمية ما في الخارطة السياسية الإسرائيلية، بيد أن هذه الدينامية في أوضاع الأقلية العربية الفلسطينية لا تطال عدداً من الأمور الجوهرية منها:

استمرار التمييز في توزيع الناتج العام بين اليهود والعرب، باعتبار أن دولة إسرائيل هي دولة الأكثرية اليهودية في طابعها وجوهرها، وسلم أولوياتها أيضاً.

إن العرب في إسرائيل لا يتمتعون بحقوق جماعية - حقوق الأقلية القومية -، وحتى الحقوق الدينية مازالت تعتبر حقاً منقوصاً في حالة المسلمين والمسيحيين على حد سواء، ولا سيما فيما يتعلق بحق الطائفة الإسلامية في إدارة شؤون أوقافها أو حقها في تعيين قضاتها الشرعيين.

وبشكل عام، أدت السياسات الإسرائيلية إزاء الجماهير العربية داخل حدود 1948، إلى سد طريق التحديث الاجتماعي داخل الوسط العربي مع فقدانه المدينة الفلسطينية، وبقائه كمجتمع قروي يعتاش عن طريق العمل في المدن اليهودية التي لا تستوعبه، ثم فقد المجتمع الفلسطيني داخل أرضه المحتلة عام 1948القرية، بفقدانه الزراعة، فبقي لا هو مدني ولا هو قروي.

وربما كان هو العربي الإسرائيلي، الحداثة الوحيدة التي يعرفها هي الحداثة اليهودية، ينضم إليها مقلداً ومهمشاً ومطالباً في أفضل الحالات، والقرية التي فقدت نفسها هي الأصالة الوحيدة التي يعيشها، أو يحاول أن يستعيدها كالفلكلور، والعادات والتقاليد، والأمثال الشعبية، لقد فقد المجتمع الفلسطيني في إسرائيل نخبه الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.

وبذلك فقد أهم ركائزه الاجتماعية الخاصة، وأصبح العربي في إسرائيل يواجه بشكل يومي تحديا خطيرا، يتمثل بعملية «الأسرلة»، التي تستهدف، تعديل ثقافة العرب، وتغييرها، على نحو يجعل تأطيرها في الإطار إسرائيلي ممكناً، أي باختصار تشويهها، وهذه بالضبط عملية نشوء العربي الإسرائيلي.

حضور متميز

ولكن على الرغم من السياسات الإسرائيلية، تجاه العرب الفلسطينيين داخل الخط الأخضر لتهميشهم وتغييبهم، كان لهذه المجموعة العربية الفلسطينية داخل حدود 1948، التي تشكل أكثر من 13% من مجموع الشعب الفلسطيني، وأكثر من 18% من إجمالي السكان داخل الكيان الصهيوني، كان أهمها حضوراً متميزاً في المراحل الوطنية التي مرّت بها الأمة العربية، بشكل عام، والشعب الفلسطيني بشكل خاص، فكان النهوض القومي في الخمسينات.

والتعبير عن الذات حين انطلاقة الثورة الفلسطينية في عام 1965 وأثناء صيرورتها، مروراً بيوم الأرض في الثلاثين من مارس 1976، الذي كان يوماً ضد سياسات المصادرة الإسرائيلية للأراضي المحتلة عام 1948، وصولاً إلى الانتفاضة التي انطلقت نهاية عام 1987، إذ كانت المشاركة معنوية، ومادية، فأرسلت المساعدات المادية الغذائية والدوائية والمالية للمجتمع الفلسطيني في الضفة والقطاع لاستمرارية الانتفاضة وحمايتها.

فضلاً عن ذلك شهدت الأراضي المحتلة عام 1948، فعاليات التأييد للانتفاضة في فتراتها المختلفة، وتعدت ذلك عندما تم إحراق نحو 8000 دونم من الأراضي العربية المزروعة بالقمح من قبل اليهود في مناطق قريبة من منطقة حيفا الساحلية، في فلسطين خلال سنوات الانتفاضة الأولى.