واذا كانت النفوس كباراً تعبت في مرادها الأجسام أبدع المتنبي حين نظم هذا البيت الذي يكشف عن شخصية طموحة، فالنفوس الكبيرة ذات الهمم العالية تتعب الأجسام في تحقيق مطالبها، ولعل هذه المعاني السامية نجدها جلية في عالم النمل، ذلك العالم العجيب المذهل، فالنملة لا تعيش وحدها بل تعيش ضمن مجتمع منظم منقسم الى طبقات:
طبقات الملكات، وطبقة العاملات، وطبقة الذكور، ولكل طبقة عملها المحدد، ويبلغ عدد أنواع النمل في العالم أكثر من 3000 نوع، لتكون بذلك الأكثر عدداً في عالم الحشرات. يعيش النمل في سعي حثيث وتعاون مستمر لبلوغ المرام.
فمن عجائب النمل التعاون وعدم الأنانية، فمن مظاهر التعاون عند النمل ان النملة اذا مرضت، فإن النمل يتعاون على حملها، والذهاب بها الى البيت ومعالجتها، كما ان الجميل في عالم النمل قيمة الإيثار والتضحية، فقد اثبتت الدراسات العلمية بأن مجموعة النمل اذا واجهت وادياً فإن كل نملة تتشابك مع اختها لتكون جسراً فوق الماء.
بحيث تكون كل نملة متصلة بنملة أخرى حتى تصل الى الطرف الثاني، ثم تبدأ مجموعة النمل بالسير فوق ذلك الجسر حتى يعبر الجميع، وقد تموت تلك الفئة التي صنعت الجسر غرقاً في الماء مضحية، مؤثرة حياة الجماعة على حياتها، فأي تضحية تلك وأي تعاون ذلك!
من المخجل حقاً أننا لا نجد هذه المعاني في عالم البشر إلا نادراً لاسيما في الوقت الحالي الذي طغت فيه المادة على القيم المعنوية كالتعاون والتضحية، أصبح التنافس للمصلحة الشخصية على حساب المصالح العامة.
وصار الفرد يتسلق اكتاف الآخرين ليصعد الى المجد والشهرة، أما التعاون والتضحية فهما أبعد ما يكون عن عالم البشر الذي فقد الهدف الأساسي من الحياة والعيش وهو عمارة الأرض وخلافتها، فكل خطأ يمكن ان يتدارك وخطأ كهذا في حياة البشرية لابد ان يعاد النظر فيه.
ولابد للإنسان ان يعود الى جادة الطريق، ليتعلم من النمل كيف يخلص ويتقن عمله عوضاً عن ساعات الفراغ التي يقضيها في قراءة المجلات والصحف، وكيف يتعاون ويضحي لبناء مجتمع متكامل بدل الصعود على أكتاف الآخرين لتحقيق مصالح شخصية.
وكيف يعمل في فريق بروح الفريق، لا بروح التحدي والأنانية، ومتى يدرك ان أسرار نجاح مملكة النمل تكمن في عطاء بلاد حدود، ونفس مبدعة بلا قيود تكبل المجتمع، تماماً كتلك التي تكتنف مجتمعاتنا!!
سؤال ويالصعوبة الجواب!!