كم مر عليك من المعلمين في حياتك؟ وكم تتذكر منهم؟
حينما ينهي الشخص حياته الدراسية في المدرسة يكون قد قضى اثنتي عشرة سنة من عمره والتقى بما لا يقل عن أربعين معلماً ومع هذا حينما أسأل في دوراتي ومحاضراتي الحاضرين عن عدد المعلمين الذين يتذكرونهم فإنهم لا يذكرون في العادة أكثر من خمسة معلمين، فأين ذهبت البقية؟ في الحقيقة السؤال الأهم هو من الذين نتذكرهم؟
اننا نتذكر أحد المعلمين، إما معلم تربوي مميز كان له أثر عظيم في حياتنا العملية، وليس بالضرورة المعرفية، وإما معلم نكرهه بشدة وذلك لما لقينا منه من أذى نفسي أو حتى جسدي. وهذا يعني ان هناك فئة من المعلمين لم تحمل أهمية حقيقية لنا في حياتنا ذلك انها لم تكن ذات تأثير تربوي ولم نتضرر منها، ولذلك فنحن ننساها وتخرج من تاريخنا تماماً، فما هي المشكلة؟
يشكل علي الكثير ممن يعملون في الميدان التربوي معرفة الفرق بين التعليم والتربية خاصة في هذه الأيام التي أصبح التقليد الغربي من الحاجات الرئيسية للتعليم، تقول ما العلاقة؟
أنا أقول لك.. الكلمة المستخدمة لدى الغرب اليوم كمصطلح للتعليم هي education وهي تعني التعليم، بيد ان ترجمتها الحرفية هي «التربية» فيختلط المعنى لدى المعلم والمربي العربي ويفهم ان منتهى الثقافة التربوية تقف عند المعاني التي يطرحها الغرب وفقاً للمصطلح. هل أنا أبالغ؟
لو كنت مبالغاً لما وجدنا الكثير ممن درسوا التربية بالغرب بمفهومها التعليمي المجرد يمارسون الإرشاد الأسري والاجتماعي وهذه من المشاكل التي نواجهها في مجتمعنا اليوم، وهنا يجب علينا ان نتوقف لنفرق بين المصطلحين. فالتربية هي البناء النفسي القويم للفرد.
وأما التعليم فهو البناء العقلي بالمعرفة الصحيحة. ولا يمكننا ان نقول ان أحدهما مهم والآخر لا. ولكن لا غنى لأحدهما عن الآخر. وما أجمل قول شوقي ودقته حين يقول عن المعلم:
أرأيت أكرم أو أعز من الذي يبني وينشيء أنفساً وعقولاً
والحقيقة ان التربية روح يفتقر اليها الكثير من المعلمين بل والكثير من آباء اليوم. فحين تسمع لمعلم يقول عن طلبته على مسمع منهم: «هؤلاء لا خير فيهم، وليس لهم مستقبل» ويضحك الطلبة من كلمة استاذهم، نعم انها حقيقة أنا لا أحلم .
وقد حدثت أمامي مراراً وأنت لست بحاجة إلى فيلسوف حتى يقول لك ان هذا المعلم يتعامل بشكل تربوي، أو ان يتفوه أب بقوله عن ابنه انه لا فائدة منه والابن يسمع ذلك، هل يمكن ان تطلق على هذا الأب مربياً؟
انه حتى الآن ليس بالمربي ولكني أحب ان أبشرك انه يمكن ان يكون مربياً وهذا هو الخبر السعيد. إن التربية بمفهومها الراقي الذي يجمع بين بناء النفس وبناء العقل لهي أسمى مهمة بشرية يمكن ان يقوم بها الإنسان، وهي من الجانب الفطري موجودة في النفس البشرية، فالأم لاتحتاج إلى معلم حتى يعلمها الشعور كونها أما، ولا الأب بحاجة لمن يخبره بمشاعر الحب لأبنائه حتى يحبهم.
فالإنسان في فطرته مجبول على هذه القدرة ولكن يمكن ان تغيب مع ازدحام الحياة بكثرة المشاغل، وتبعثر سلم الأولويات لدى الناس، وتشابك مؤثرات البيئة على الطفل والوالدين أو المعلم، فتغيب القدرة الفطرية مع كثرة المؤثرات الحياتية.
ومع هذا كله يغيب عن ذهن المعلم والوالدين ماذا يحتاج الأبناء والطلبة حقاً، هل المعرفة فقط هي حاجتهم حتى يكونوا سعداء، لو كان ذلك فبالله عليك هل تتذكر من أبنائك من كان يقوم صباحاً فرحاً يقول:
«يا سلام.. أنا ذاهب للمدرسة» اذا رأيت ذلك يوماً فاعلم ان ابنك له معلم مرب، أما وفي الغالب نحن لا نرى ذلك ولم نلمسه في حياتنا لأننا لا نجد في المدرسة ما نريد وما نحتاج حقاً فكلنا يحتاج الى المحبة وكلنا يحتاج إلى الاحترام وهذا ما يكاد ان يكون مفقوداً لدى معلمينا إلا من رحم ربي.
فقبل التعليم لابد من بناء علاقة بين المعلم والتلميذ قوامها الحب والألفة، ولنا في معلم البشرية التربية والتعليم محمد صلى الله عليه وسلم أسوة حسنة، فمع علمنا أنه جاء معلماً بدستور سماوي منزل إلا ان ذلك التعليم لم يكن يقتصر على المعرفة والحفظ.
ولكنه كان محفوفاً بالمعاني التربوية الراقية. فحين أراد ان يعلم معاذ بن جبل رضي الله عنه ما يقول بعد كل صلاة، يفتتح له بإدارة تربوية رائعة اذ أخذ رسول صلى الله عليه وسلم بيده وقال:
«يا معاذ والله إني لأحبك، والله إني لأحبك، فقال: «أوصيك يا معاذ لا تدعن في دبر كل صلاة تقول: اللهم أعنى على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك».
ما الذي يجعل الرسول صلى الله عليه وسلم يأخذ بيد معاذ، ثم يقدم له بأنه يحبه مرتين سوى انها النفحة التربوية لكي تكتمل المنظومة التعليمية.