بعض التلاميذ في مدرسة أكورن يعتقدون أنهم وجدوا عائلة ثانية لهم. ولم لا؟ فمع وجود 120 طالباً فقط من الصفوة في تلك المدرسة البريطانية، يغدو من الطبيعي أن يعرف كل الطلبة بعضهم بعضا. لا داعي للرسميات واستخدام الألقاب مثل «مستر»، «مسز» أو «آنسة»؛ ولا ضرورة حتمية لارتداء الزي الرسمي للمدارس أو تطبيق الاختبارات الحكومية بحذافيرها.

مدير المدرسة شخص لطيف يُدعى غرايم ويتينغ. يقول عن نفسه إنه صاحب عقلية تقليدية وقيم ومبادئ يرى أنه من الواجب أن يلتزم بها تلاميذ المدارس. وفي ضوء العدد المحدد للتلاميذ والطلبة الذين يدرسون في تلك المدرسة فإن المدير ويتينغ يعرف اهتمامات كل تلميذ ولا يزال على تواصل مع الطلبة القدامى الذين درسوا وتخرجوا من المدرسة.

المدرسة ـ التي أُسست في 1991 في مقاطعة غلوسيسترشاير البريطانية ـ تبدو من الخارج مثل القرية التي تُفتح ببوابات عريضة. وفي داخلها لا يجد المرء أيا من أجواء التوتر والضغط العصبي المعتاد وجودها في أي مؤسسة تعليمية أخرى.

وفي الوقت الذي يعيش فيه معظم طلبة العالم في توتر بسبب اختبارات آخر العام واختبارات تحديد المستوى، نجد أن طلبة تلك المدرسة لديهم مطلق الحرية في دراسة ما يريدون من دون وجود ضغوط عليهم من أي جهة. كل طالب في المدرسة لديه جهاز الكمبيوتر المحمول الخاص به ويتلقى دروسه في غرفة دراسة صغيرة تضم عددا قليلا من الزملاء.

أحد هؤلاء الطلبة يُدعى فين (18 عاماً) ويدرس علوم الطب في هضبة التبت. ومن المقرر أن يقوم بعمل مشروع التخرج الخاص به الذي من خلاله يُتوج المجهود الذي بذله طوال سنوات الدراسة التي اختارها بمحض إرادته.

يقول فين إنه يخطط للالتحاق بالجامعة ولكنه ليس في عجلة من أمرة لتحديد طبيعة المواد التي يريد دراستها. وتشير الطالبة نيكول، التي تدرس علم النفس البشري في المدرسة، إلى أن العام الثالث عشر في المدرسة هو بمثابة التأهيل الجيد للجامعة.

وتضيف نيكول: «نحن لا نمل بأي شكل من الأشكال من المدرسين. فالعمل الذي نقوم به هو عبارة عن بحوث فردية في المقام الأول. فنحن نذهب للمدرس عندما نحتاج إليه». المنهج المعتمد من قبل تلك المدرسة والذي وضعه هويتيغ يهدف إلى تعليم الأطفال كيفية التعرف على ملكاتهم وقدراتهم الشخصية وإلى تمكينهم من تنمية مواهبهم ومساعداتهم على التعرف على العالم المحيط بهم.

ويُستمد المنهج الذي تعتمده المدرسة من المبادئ التي تقوم عليها سلسلة مدارس شتاينر البريطانية التي يغلب عليها التركيز على مفهوم التعليم الشامل والذي يضم التعليم الأكاديمي والفني والرياضي والبدني والأخلاقي. وبدأت المدرسة عملها في 1991 في منزل ويتينغ بأربعة أطفال فقط ثم زاد العدد تباعا بفضل ما حققته من نجاح لمسه الجميع.

ويؤكد المدير ويتينغ أنه على الرغم من أن مدرسته تتلقى رسوماً شأنها شأن جميع المدارس إلا أنه يصر على أن تلك الرسوم تقل بشكل كبير عما تتقاضاه المدارس الخاصة الأخرى في بريطانيا.

وداخل المدرسة ينخرط الطلبة في أنشطة حرفية يومية يحاولون خلالها تصنيع القوارب والمجوهرات ومجموعة أخرى من الأعمال اليدوية.

وتُنظم المدرسة رحلات يومية منتظمة داخل المملكة المتحدة وفي مختلف أنحاء أوروبا من أجل ممارسة مختلف أنواع الرياضة واكتساب مزيد من المعلومات عن الحضارات الأوروبية القديمة والأديان المختلفة في العالم.

الطلبة في تلك المدرسة يشعرون بأنهم مميزون عن أي طلبة آخرين، إذ يدركون أنهم يعاملون كأفراد ناضجين وليس كبقية الطلبة الذين يقعون تحت ضغوط عقيمة طوال العام الدراسي تحد من قدرتهم على الإبداع والابتكار.

وتقول الطالبة إميليا (17 عاماً): «نحن بالفعل نعشق المدرسة ونشعر بالولاء الشديد تجاهها». وتضيف الطالبة: «هنا تشعُر بذاتك. فالجميع يقدرون ما تبديه من مهارات وقدرات، أيا كان نوع تلك المهارات. لا يتم دفعنا دفعا كي نحصل على شهادة ما خلال عدد محدد من السنين. فكلٌ حسب قدراته».

هناك درس صباحي موحد يتلقاه جميع طلبة المدرسة يوميا ويتغير كل أسبوع بشكل منتظم، ويجري فيه تنشيط أذهان الطلبة بكل ما هو جديد على الساحة العالمية. هذا الدرس يأخذ عدة أشكال، فأحيانا يكون درسا في السياسة وأحيانا أخرى في البيئة وأحيانا في الصحة وهكذا.

وتركز المدرسة على تنشيط قنوات التفاعل بين الطلبة أنفسهم من جهة ومن جهة أخرى بين الناظر والمدرسين والطلبة، مما يُوجد شعورا بالراحة لا يعتاده الطالب في المدارس التقليدية الأخرى.

وبين ويتينغ إن العلاقات الشخصية الوثيقة بين الطلبة لا تعوض بالطبع العلاقات العائلية ولكنها في الوقت ذاته تساعد الطلبة على التعرف على هوياتهم ومن ثم يستطيعون الاستعداد لحياتهم العملية فيما بعد.

وخلال الأنشطة المتنوعة التي تعقدها المدرسة يجري توصية الطلبة بعدم الانخراط في الحفلات الصاخبة غير الأخلاقية وبترك التدخين وبعدم تناول الكحوليات.

يقول أحد المنشورات الملصقة على لوحة الأنشطة في المدرسة: «أنت لست في حاجة إلى المخدرات والكحوليات كي تزيد من قدراتك على عكس ما يعتقده بعض الطلبة».

وذكر المدير إن حجم المدرسة مهم للغاية ولكن الأهم من الحجم هو الاتجاه الذي تسلكه المدرسة والقيم التي تقوم بتدريسها للطلبة. والقبول بالمدرسة لا يُمنح لكل من له قدرة على سداد الرسوم، وإنما يتم تحديد الطلبة المقبولين بعد أسبوع من التجربة الحية معهم.

إعداد: حاتم حسين