سائق حافلة مدرسية قد تبدو للوهلة الأولى مهمة سهلة للغاية فما على السائق إلا أن يقود المركبة متوجها إلى المكان المقصود ولكن عقب حديث مطول مع عدد من السائقين المتمرسين في هذا المجال منذ عشرات السنوات نرى أن مهمتهم ليست بالسهلة، فهي محفوفة بالخطر فالأمانة كبيرة وأرواح الطلبة مسؤولية كبيرة في عنق السائق.
ولا عجب أن تشدد مؤسسة مواصلات الإمارات عند انتقاء سائقي الحافلات المدرسية، إذ ينبغي أن يكون حسن السيرة والسلوك وفي سن متقدمة، إضافة إلى سجله النظيف والخالي من أي حوادث سير سببها السرعة أو التهور. أحاديث شتى ومواضيع متشعبة أسّر لنا بها عدد من سائقي حافلات المدارس، البعض كان مشحونا بالشجون والبعض الآخر تحدث عنها كمهنة يحصل من خلالها على قوت يومه وبين هنا وهناك كانت هذه القصص قصص حياة ونتاج خبرة سنوات من البذل والعطاء.
شير داراز خان باكستاني الجنسية شغفه بقيادة الحافلات دفعه للبحث عن مهنة ترضي طموحه فانتهى به الحال كسائق في مدرسة الشيخ سلطان بن صقر الأول للتعليم الأساسي في الشارقة ورغم صعوبة المهنة وكثرة ضغوطها إلا أن شيراز يتحدث عنها مدفوعا برغبة جامحة وتقديس للمهنة أياً كانت ماهيتها. واستهل من واقع تجربته العديد من النقاط، حين قال أعمل منذ عشر سنوات كسائق حافلة، رأيت الأطفال خلالها يكبرون ويشتد عودهم بعضهم انخرط في سوق العمل، وبات عنصرا فاعلا في المجتمع يشار إليه بالبنان وأكثر ما يفرحني أن بعض الفتية يأتون إلى مقر المدرسة بحثا عني لإلقاء التحية فقط وليتجاذبوا معي أطراف الحديث عن أجمل أيام العمر على حد تعبيرهم، مضيفا:
نهاري يبدأ مبكراً جداً فأنا استقل الحافلة الساعة السادسة صباحاً وأجوب معظم شوارع الشارقة لأخذ الطلبة من أمام بيوتهم إلى مقر المدرسة وأخاف دوماً من التأخير الذي يفرضه في غالبية الأحيان الازدحام المروري الشديد صباحا، فالطالب يقف بانتظاري .
وأنظاره مسمرة على الاتجاه الذي آتي إليه منه وعند تأخري اشعر بالقلق حيال الطالب الذي يتعب خاصة إذا كان الحر شديدا في الصيف أو باردا في الشتاء.
أمانة غالية
وأوضح أن جولته الصباحية تنتهي الساعة السابعة ليعود وينقل الدفعة الثانية وهي أصعب من الدفعة الأولى لأن هذا التوقيت بالذات قاتل وعليه أن يصل في التوقيت المناسب لأن الطلبة يجب أن يكونوا في حرم المدرسة الساعة الثامنة حتى لا تفوتهم الحصة الأولى ومع زيادة الازدحام ووصوله إلى حد الذروة يجب أن يلتزم بقواعد السير وعدم مخالفتها ليس احتراما للقوانين، لأنه في أمانة يجب توصيلها سالمة من وإلى المدرسة.
ويرى أن السائق يجب أن يتحلى بصفات عدة كالصبر وقدرة التحمل خاصة إذا كان سائقاً لمدرسة أطفال إذ يصادف كثيراً أن ينام طفل أو يتحرك داخل الحافلة وفي ظل عدم وجود مشرفة فالسائق هو قبطان الرحلة وعليه إحكام السيطرة وهنا يكمن التحدي.
وقال محمد اصغر سائق في مدرسة الرسالة العالمية في الشارقة اعمل منذ كنت فتى في الثامنة عشرة من العمر سائقا ومع أني لم أتعامل مع طلبة المدارس إلا منذ سنتين فأنني تأقلمت مع الوضع وبت الآن أتوقع ما يمكن أن يحدث من أي طالب بحكم الخبرة، مضيفا المهنة جيدة وأنا مقتنع بها ولكل وظيفة مزاياها ومتاعبها المهم ان يحب الشخص ما يقوم به.
وأوضح ان ما يجعل العمل صعبا هو الازدحام المروري وارتباطهم بتوقيت محدد لإيصال الطلبة حتى لا تفوتهم أي دروس، كما أن بعض الطلبة يثيرون الجلبة داخل الحافة ولا يدركون الخطر الذي ينطوي عليه وقوفهم مثلاً وأنا أقود الحافلة أو تنقلهم من كرسي إلى آخر فيه من الخطر الكثير .
وعلى الرغم من الإرشادات العدة إلا أنهم في بعض الأحيان يفضلون التشاقي مع بعضهم البعض، لافتاً إلى أن بعض الطلبة يفضلون الجلوس بجانبه وتبادل الأحاديث، وذكر أن أجمل اللحظات عندما يوصل الطالب سليماً سعيداً إلى أسرته وقد أدى مهمته باقتدار وأمانة.
خّرج ديل شاد من باكستان ويعمل سائقا منذ 27 عاماً أجيالاً من الطلبة وصف بعضهم بالملائكة وبعضهم بالأشقياء إلا أنه يرى أن الطلبة يعيشون في المدرسة أجمل أيام حياتهم وينتظرون من الآخرين استيعاب وتفهم متطلباتهم.
يقول ديل: الطلبة يركبون الحافلة دون انتظام يتدافعون بمرح لا تستطيع معه إلا أن تنظر مبتسماً لهذه التصرفات العفوية كما يتمازحون داخل الحافلة في محاولة لاستثارة بعضهم البعض انا استمع يومياً إلى مغامرات وقصص شيقة على ألسنة الأطفال ولا أخفي أنني أتعلم منهم.
واستفيد الكثير سواء في تربيتي لأطفالي أو تعاملي مع الآخرين لأن الحياة تتطلب فهماً للآخر، ويعتقد أن الازدحام المروري أكثر ما يصادفهم من مشاكل لأن السائق مسؤول أمام إدارة المدرسة عن أي تأخير للطلبة سواء وهم قادمون أو مغادرون.
ضبط الحافلة مهمة شاقة
وأكثر ما يخشاه ديل عند نزول الطالب من الحافلة ولا يتنفس، كما يقول، الصعداء إلا عندما يراه بجوار أحد من أسرته ملوحاً بالوداع.
ويرى ايلام فريد وهو سائق حافلة في مدرسة الشارقة النموذجية للبنين من واقع خبرته في عدة مدارس كالوردية الخاصة في الشارقة أن قدرة السائق في التغلب على صعوبات الازدحام المروري وحرارة الطقس تبدو أسهل بكثير من السيطرة على الطلبة.
وهم في داخل الحافلة، حيث يقول مستغرباً انهم يتحركون في كل الاتجاهات ويثيرون المشاكل داخل الحافلة، مضيفا أخاف أن أقف فجأة ولا أحد يعرف مفاجآت الطريق والطلبة واقفون أو يتراكضون داخل الحافة لأنني مسؤول ليس أمام شركتي.
أو المدرسة عن سلامة الأطفال بل مسؤول قبل كل شيء أمام الله، مؤكداً أن سعادته برغم ظروف العمل الصعبة، لأنه كما يقول يساهم في تعليم وتزويد جيل كامل بمقومات العصر الذي لا يعرف إلا لغة العلم والثقافة.
ومن القصص الطريفة التي يسوقها لنا أنه في أحد الأيام كان مغادراً للمدرسة وركب معه أطفال من حافلة أخرى تعذر على السائق المجيء بسبب المرض فتم توزيع الطلبة الصغار على باقي الحافلات.
وبعد أن أنهيت مهمتي وهممت بالتوجه إلى مكان سكني نظرت في الخلف متفقداً الحافلة في حركة اعتيادية أقوم بها يومياً بعد نزول الطلبة من الحافلة فإذا بي أجد طالباً غارقاً في نومه وسارعت في إيقاظه وسؤاله عن موقع سكنه .
حيث أدركت أن أسرته في حالة قلق شديد إثر تأخره وعندما وصلت وجدت والديه يقفون في الشارقة يترقبون بلهفة عودة ابنهم وفي عيونهم نظرات الخوف التي لم يبددها إلا رؤية حافلة المدرسة متوجهة نحوهم.
وأكثر ما يخشاه إيلام ما يتناهى إلى مسامعه من حوادث مؤسفة يكون ضحيتها طلبة المدارس ويقول حول ذلك أولاً أتألم للطفل الذي تعرض للحادث كما أشعر بالأسى لزميل مهنتي لأنني اعلم مقدار الحزن الذي يتملكه نتيجة ما حدث.
كما أن مهنته تصبح على المحك وأسرته في لحظات تصبح عرضة للتشرد، وما أود قوله إن السائق ليس وحده مسؤول عن سلامة الطلبة خاصة صغار السن إذ يجب كما في المدارس الخاصة التي نعمل بها أن يكون هناك مشرفات على ركوب ونزول الطلبة من الحافلة لتوخي الحذر.
وتأمين أكبر قدر من الحماية لهم، داعيا زملاءه العاملين في قطاع المدارس الالتزام بقواعد السير لأنهم لا يركبون الحافلة لوحدهم بل ان اقل عدد يتواجد داخل الحافلة المدرسي هو 22 طالبا في الحافلة الصغيرة لذا فنحن مؤتمنون على مئات الأرواح وعلينا كل صباح أن ندرك عظم مهمتنا وضرورة تأديتها بجدارة.
استطلاع ـ نورا الأمير:


